الصّناعة الجزائرية تحقّق مكاسب وتتطلّع لأخرى

تركيب السيارات، الكهرومنزلي، الإلكترونيك والإسمنت في الصدارة

سعيد بن عياد

 القطاع الخاص حلقة متينة من خلال توسيع الاستثمارات وتوفير فرص التشغيل
 المقاولاتية الناشئة هي الفضاء القادر على استيعاب الكفاءات البشرية الجامعية المبدعة
  معرض الجزائر الدولي عنوان لرؤية مستقبلية منفتحة على الأسواق الخارجية الناشئة
 القمر الاصطناعي «ألكومسات 1» أرضية فضائية لمواكبة التطوّر ورصد الأسواق

لم تمنع المؤشرات المالية الصعبة، التي ألقت بظلالها طيلة سنة 2017، بالرغم من تحسن طفيف لأسعار المحروقات خاصة في النصف الثاني من العام، من تسجيل تقدّم محسوس لقطاع الصناعة الوطنية في عدد من الفروع المنتجة للقيمة المضافة المحفزة للمناولة، مثل تركيب السيارات لقطاع الميكانيكا والكهرومنزلي والإلكترونيك لقطاع التكنولوجيات الجديدة للاتصال والإسمنت.

سجّلت هذه السنة في قطاع إنتاج الاسمنت الهدف المسطر المتمثل في القيام بأولى عمليات التصدير إلى أسواق خارجية، حيث تمّ في انجاز البرنامج الاستثماري الموجه للأسواق الإفريقية ومنه تصدير الشحنات الأولى إلى غامبيا انطلاقا من ميناء أرزيو، وتعبيد الطريق لعمليات أخرى مرتقبة في الأشهر القادمة. ويشكل هذا التحول الذي جاء كثمرة مسار استثماري ثقيل مفتوح على شراكة أجنبية تستجيب لمتطلبات الاقتصاد الوطني أبرز المكاسب الملموسة في سنة 2017، لتكون منطلقا لرفع التحديات الأخرى في المستقبل القريب.
وبنفس الروح شهدت نهاية ذات السنة انجاز مصنع للاسمنت في الجنوب وبالذات بولاية أدرار بشراكة خاصة جزائرية صينية ما يعزّز الأرضية الصناعية بأبعادها التنموية الشاملة، خاصة في المناطق الداخلية التي أصبحت تثق في إدراك النمو الذي يقاوم التداعيات السلبية للصدمة المالية الخارجية.   
بنفس التوجه واصل فرع الميكانيكا تقدمه من خلال إطلاق بعض المشاريع المتعلقة بتركيب السيارات لأصناف مختلفة من الماركات وفقا لقواعد الشراكة الإنتاجية فتجسدت النواة الأساسية لبعث هذا النشاط في انتظار تأطيره بأكثر دقة بحيث يتمّ اعتماد متعاملين تتوفر لديهم القدرات والكفاءة وخاصة إنعاش المقاولة ذات الصلة بتحريك النسيج الصناعي للمؤسسات الصغيرة والمتوسط من خلال تنمية الاندماج الصناعي المحلي بوتيرة سريعة.
ولعلّ من أبرز محطات السنة أيضا احتضان ندوة المقاولايتة تحت رعاية رئيس الدولة للتأكيد على أن سنة 2017، هي الموعد الحاسم في ضبط توجه الرهان على المقاولاتية الناشئة خاصة في نطاق الصناعات المختلفة باعتبارها الفضاء القادر على استيعاب الكفاءات البشرية الجامعية المبدعة وبالتالي إدراك البعد الاجتماعي للاستثمار بتوفير فرص التشغيل، الذي تلعب فيه المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الدور الأول.
وبالفعل، حظيت هذه الأخيرة باهتمام بارز من الحكومة وذلك على كافة المستويات كما تضمنه قانون المالية للسنة المنصرمة إلى جانب الإجراءات التحفيزية للتواجد في السوق محليا وخارجيا مثل تأكيد مسار دعم الإنتاج الوطني وتوفير التمويلات اللازمة للاستثمار المنتج واعتماد الدولة لقرار له أبعاده الإستراتيجية في المديين المتوسط والطويل يتعلّق بتخصيص برنامج طموح للعقار الصناعي فكانت هذه السنة منعرجا طوي فيه هذا الملف المثير للجدل.
ويمكن رصد أبرز ما حصل للصناعة هذه السنة، هو التغيير الذي عرفته دائرتها الوزارية بتعيين الوزير الحالي يوسف يوسفي واضعا معالم القطاع ليكون إحدى قاطرات النمو خارج المحروقات، مرتكزا على منهج متدرج في تصحيح الإختلالات وإرساء إصلاحات هادئة تفضي في نهاية المطاف إلى نفس النتائج المسطرة سابقا أي تنمية الإنتاج المحلي وتقليص الاستيراد، كما يتمّ التعامل معه في ملف السيارات بتأطير نشاطه ليتحول إلى التصنيع من خلال المناولة المحلية بكافة أصناف الشراكة الإنتاجية التي تستمر في المدى الزمني المستقبلي.
ويندرج ضمن هذا التوجه تجسيد مشاريع شراكة وطنية أجنبية لها دلالاتها من حيث الانسجام مع الخيارات الوطنية الكبرى لمواجهة الانعكاسات السلبية لتراجع إيرادات المحروقات، ويخصّ الأمر انجاز في هذه السنة بعض مشاريع الشراكة في مجال التكنولوجيات الجديدة مثل إقامة مصنع لتركيب الهاتف النقال الذكي بين متعامل خاص جزائري وشريك أجنبي متخصص في هذا المجال، وهو مكسب يمثل حجرا إضافيا في توسيع النسيج الصناعي المفتوح على العلوم والمعارف.
وهنا تعزّز التقارب بين الجامعة والصناعة من خلال إعلان المتدخلين في مختلف فروع هذا القطاع قناعتهم بأن العلوم والمعارف التكنوولوجية التي تكتسب من خلال التعامل مع الجامعات والمعاهد المتخصصة بما في ذلك التنسيق مع قطاع التكوين المهني، هي المفتاح للخروج من دائرة الأزمة وإعادة وضع الصناعة على مسار النمو لترتفع حصتها في النتاج الداخلي الخام لأكثر من 5 بالمائة التي بقيت ثابتة في 2017، مع التطلع للرفع منها انطلاقا من كل تلك المؤشرات البناءة على ما فيها من هشاشة تتطلب مزيدا من الجرأة والانفتاح.
وعلى هذا النحو المفعم بالطموحات الوطنية لجعل الاقتصاد الوطني في منأى عن التداعيات الخطيرة للبقاء في حالة تردد أو جمود في وقت تكبر فيه الموجة الارتدادية للازمة المالية، شهدت سنة 2017، إطلاق مبادرة الشراكة خاصة الصناعية بين القطاعين العام والخاص التي وصلت إلى مرحلة النضج في نهاية العام بتوقيع ميثاق بين شركاء الثلاثية الذين التقوا بمقر الاتحاد العام للعمال الجزائريين يوم 23 ديسمبر لانجاز التحول في نمط التفكير، الذي أخذ طابعا استراتيجيا يتطلب تأطيرا تشريعيا وتنظيميا محكما يحمي حقوق الشركاء ويمنع أي تلاعب محتمل ويسطر الطريق السوي للأجيال.
لقد حافظت الصناعة خاصة خارج المحروقات على موقعها في النسيج الاقتصادي وحتى إن لم ترتفع حصتها في الناتج الداخلي الخام الوطني، فإنها تمسّكت بحيّزها المتواضع طيلة هذه السنة التي ظهرت فيها بوادر ترشح لانطلاقة متنامية نحو مرحلة قادمة كما عكسته فعاليات معرض الجزائر الدولي 2017، الذي كانت فيه روسيا ضيفة شرف، كعنوان لرؤية مستقبلية للاقتصاد الجزائري المتطلّع بكافة مكوناته للانفتاح على الأسواق الخارجية الناشئة. وقدم هذا المعرض صورة شاملة للمؤسسات الجزائرية الناجعة في رسالة منها للشركاء من كافة جهات العالم بأن لديها القدرات والكفاءات الملائمة لانجاز مشاريع صناعية تواكب احتياجات الأسواق.
وهي ذات الرسالة التي حملها المعرض الوطني للإنتاج الجزائري المنظم من 21 إلى 27 ديسمبر تعبيرا عن عزيمة قوية لجعل الصناعة الجزائرية في مقدمة النموذج الجديد للنمو القائم على ركيزتين الأولى تأمين الوفرة في السوق المحلية والثانية الرفع من حجم الصادرات لمنتجات أصبحت في نفس الفترة من العلامات المتميزة، كما هو الشأن في فروع الكهرومنزلي والالكترونيك والصناعة الغذائية المختلفة ذات التنافسية إلى جانب صناعة أخرى ناشئة مثل الكوابل التي برزت لتكون من روافد الاقتصاد البديل للمحروقات. وشكّل القطاع الخاص الوطني حلقة متينة للصناعة الجزائرية في هذا العام، حيث وسّع من استثماراته ووفر فرص تشغيل جديدة مستفيدا من مناخ جذاب ومحفّز في ظلّ حرص الدولة طيلة هذه السنة، وتواصل على ذلك النحو بنفس الوتيرة والقناعة، على تحويلها إلى موعد مع بناء التحول الاقتصادي بمنهجية متبصرة ترتكز مقاربتها على التكامل وتحرير المبادرة ضمن المعايير الدولية، وأولها النّجاعة في ضوء المنافسة الإقليمية والدولية الشرسة التي تعطلت عجلتها في هذا العام بفضل منظومة الإجراءات التي شملت النهوض بالصناعة الجزائرية.
وضربت الصناعة الفضائية بدورها موعدا مع الاقتصاد الجزائري في 2017، بإطلاق الوكالة الفضائية الجزائرية في 10 ديسمبر القمر الاصطناعي ألكومسات 1 للاتصالات الذي يوفر أرضية فضائية لفائدة المؤسسات وأولها الصناعية لتواكب التطورات التي يعرفها الاقتصاد العالمي ورصد الأسواق، علما أن هذا المكسب النوعي القائم بفضل شراكة عالية المستوى مع دولة الصين الشعبية يرمي إلى تحقيق أهداف تنموية شاملة ومستدامة.
لذلك، فإن حصيلة سنة 2017 التي تطوي آخر أيامها بعد أسبوع سجلت مكاسب معتبرة في قطاعات اقتصادية متنوعة ومنها الصناعة الجزائرية التي أخذت طيلة اثنتي عشرة شهرا نفسا جديدا يؤهلها لمواصلة مسار النمو، خاصة في ضوء التحديات القائمة والتي هي في متناول المؤسسة الصناعية الجادة والمبتكرة والملتزمة بالقواعد المناجيريالية من حيث التحكم في جوانب التسيير المالي والبشري وتقليص الكلفة الإنتاجية ودراسة دقيقة للأسواق محليا وعالميا، بما والأكثر جدوى الانفتاح على الشركاء الوطنيين الذين لديهم سمعة ومصداقية في الساحة الاقتصادية.   

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17700

العدد 17700

الجمعة 20 جويلية 2018
العدد 17699

العدد 17699

الأربعاء 18 جويلية 2018
العدد 17698

العدد 17698

الثلاثاء 17 جويلية 2018
العدد 17697

العدد 17697

الإثنين 16 جويلية 2018