تميّز في التنافسية، الإبداع، اقتصاد النفقات ومرافقة الكفاءات

فعالية في المبادرة بإنشاء مقاولات وقيادة مؤسسات

سعيد بن عياد

ضرورة معالجة العراقيل وتصحيح المفاهيم لتحسين الأداء

تعزّزت مكانة المرأة في المشهد الاقتصادي وطنيا ومحليا سواء في اتساع تواجدها في عالم الشغل أو في تنمية دورها في الاستثمار، مستفيدة من مناخ عام لا يزال يتطوّر بشكل ايجابي لإدماج كافة الطاقات البشرية للمجتمع في الديناميكية التنموية الشاملة.

تستمد مشروعية هذا الدور القائم على قواعد تكافؤ الفرص وتنافسية المبادرة من الرصيد التاريخي الذي حقّقته المرأة الجزائرية على امتداد مختلف المراحل التاريخية التي مرّت بها البلاد وبالأخص أثناء الثورة التحريرية المجيدة التي فسحت لها المجال لتخوض إلى جانب الرجل أروع المعارك من أجل أن تسترجع الجزائر سيادتها الوطنية.
على امتداد تعاقب المراحل التي أنجزتها الجزائر بعد استرجاع السيادة الوطنية وإعادة الاعتبار للإنسان كونه الحلقة الجوهرية في مسار البناء والتشييد كانت للمرأة الجزائرية المكانة اللائقة لتحفيزها في تقديم الإضافة المطلوبة في أكثر من مجال. وكانت المدرسة ولا تزال الميدان الحيوي الذي يوفر لها نفس الفرص والمرافقة مثل النصف الآخر من المجتمع من أجل أن تتقاطع القوى الحية في المجتمع حول نفس الهدف المتمثل في المساهمة في التطور الاقتصادي والاجتماعي.
على غرار مختلف قطاعات النشاطات التي تزخر بها الحياة العامة في البلاد من تعليم وصحة وكذا مرافق عمومية، برزت المرأة بشكل مميز في المشهد الاقتصادي ليس على مستوى عالم الشغل كعنصر منتج فقط وأن تتموقع في الصدارة على جبهة الاستثمار من خلال المبادرة بإنشاء مؤسسات ومقاولات أو قيادة شركات في قطاعات مختلفة بما فيها تلك التي تتميز بخصوصيات تتطلّب درجة من اليقظة والإتقان.
في هذا الإطار يعكس النسيج المؤسساتي حقائق ماثلة حول القيمة المضافة التي تمنحها حواء للأداء الاقتصادي مرتكزة على دعائم صلبة من تشريع يقوده الدستور أنهى تماما كافة أشكال التمييز ويكرس تكافؤ الفرص وإرادة سياسة حسمت الخيارات بوضع جميع المكونات البشرية للمجتمع في بوتقة التنمية بكافة أشكالها. لذلك لم يعد استثناء حضورها في صدارة النشاطات الاقتصادية وحيويتها ضمن مختلف الأطر التي تهتم بالاستثمار والعمل والرغبة في تقديم الجهود التي تندرج ضمن مسار النمو.
لم يعد مثيرا للتساؤل بروز المرأة كمقاولة أو رائدة مشروع أو مسيرة مؤسسة اقتصادية، بعد أن أكدت جدارتها بالثقة الموضوعة فيها وفقا لتوفرها على المعايير والشروط الفينة والقانونية والعلمية المطلوبة لكل مجال. وتبدي عزيمة على رفع التحديات من خلال الالتزام بالقواعد التي تحكم السوق وأبرزها التنافسية والإبداع واقتصاد النفقات عن طريق ترشيد استعمال الموارد ومرافقة الكفاءات على اعتبار أن نجاح مشروعها أو تألق انجازاتها تصبّ في مصلحة الاقتصاد الوطني.
وانسجاما مع التطلعات الوطنية الكبرى خاصة في ظلّ أزمة الموارد المالية التي تراجعت بفعل تداعيات الصدمة النفطية، أصبح لزاما توسيع نطاق انخراط الموارد البشرية للمجتمع في الديناميكية الاقتصادية الجديدة القائمة على مبدأ مساهمة كل فرد في الرفع من الأداء مهما كان متواضعا حتى يستفيد الجهاز الاقتصادي من محيطه البشري لما يتوفر عليه من طاقات إنتاجية جديرة بأن توظف في معركة النمو.
في هذا الإطار، يعرف حضور العنصر النسوي تزايدا بشكل مكثف وفعّال في قطاعات اقتصادية خارج الفضاءات التقليدية على غرار الفلاحة بجميع فروعها والبناء والأشغال العمومية وحتى الصناعة، مثلما يؤكده مؤشرات عالم الاستثمار والتشغيل التي ترسم صورة واضحة في الميدان تعكس هذه الحقيقة. وتشمل هذه الصورة المكبرة كافة مناطق البلاد خاصة الهضاب العليا والجنوب حيث يجري الرهان عليها لإنجاز التحوّل الاقتصادي الذي يرتكز على مدى مشاركة العنصر البشري وبالأخص النسوي في تجسيد الخيارات وإنجاز البرامج.
ولا يقتصر الحديث هنا عن المرأة ذات الكفاءة العليمة فقط وإنما يشمل المرأة بجميع مستوياتها بما في ذلك التي لديها ميزة الإبداع والابتكار والمبادرة حول مقاولات صغيرة وناشئة تقوم على قاعدة إنتاج يتوافق مع السوق وينسجم مع التطلعات بحيث ترفع من مركزها في السلم الاقتصادي والاجتماعي لتصبح حلقة أساسية في السلسلة مهما كانت صغيرة من حيث الامتداد الجغرافي.
ولعلّ ما تتميز به المرأة هذه السنة تحسن مركزها في العمل النقابي علما أنه وفقا لأرقام رسمية كشف عنها مؤخرا الاتحاد العام للعمال الجزائريين تمثل 11 بالمائة من مجموع المنخرطين برقم يبلغ 257270 منخرطة. ومن أجل تدعيم مركزها النقابي يوجد اتجاه لتكريس نظام اعتماد حصة بتخصيص ترشح امرأتين في كل انتخابات تجديد الهيئات النقابية قصد إحداث تنافس ايجابي وتكريس انسجام سوسيو اقتصادي فعال، يقوم على أسس العمل الإنتاجي والمبادرة البناءة والشفافية في علاقات العمل على كافة المستويات مع مراعاة الخصوصيات التي لا يمكن معالجتها إلا من خلال مساهمة المرأة نفسها في الميدان.
وطبيعي أن يتمخّض عن كل هذه المكاسب درجة من المسؤولية، تقتضي مضاعفة الجهود ضمن منظومة يطبعها التكامل بين جميع الفاعلين في الساحة الاقتصادية ومحيطها بعيدا عن أي شكل من أشكال التمييز أو التفرقة أو التهميش، كون التحديات القائمة ترتبط بمستقبل المجتمع برمته ويتطلّب انخراط كل فئاته في المعركة الاقتصادية الكبرى التي تستدعي تجنيد الطاقات الموجودة والدفع بها في معترك الاستثمار مهما كان نشاطه أو حجمه ومداه. وحتى يمكن بلوغ الهدف المرتقب كما هو مسطر في التوجهات الوطنية الكبرى والمتعلّق بتحسين معدل النمو ومواجهة الانعكاسات السلبية لأزمة الصدمة المالية الخارجية يرتقب أن يتمّ توسيع نطاق حضور المرأة في الساحة الاقتصادية بدءا من المقاولة الصغيرة والمؤسسة الناشئة إلى الاستثمارات الإنتاجية الحقيقية المولدة للثروة ومناصب العمل سواء في الفلاحة وتربية المائات أو الصناعة التحويلية أو التجارة وكذا السياحة. وهو التحدي الذي يعوّل في رفعه على الإدارة المكلفة بالأنشطة الاقتصادية لتساهم في معالجة العراقيل وتصحيح المفاهيم مما يعزّز اتجاه إقبال النصف الآخر للمجتمع على المبادرة بمعنويات تطبعها الرغبة في النجاح.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018