لأن السلطة التشريعية غير قادرة على مراقبة الميزانية:

على أي أساس يتم تقييم عقلنة الإنفاق العمومي؟

سلوى روابحية

قانون المالية  لسنة 2013 الذي أعد تحت شعار التسيير الحذر للميزانية اعتبره البروفسور محمد الشريف إلمان على أنه يندرج في إطار عقلنة النفقات العمومية، حيث إنه وبفضل أسعار البترول المرتفعة وما وفرته من مداخيل هامة، أعطيت السلطات العمومية مرة أخرى  فرصة لتمويل التنمية من خلال الميزانية العمومية في غياب إيرادات متأتية من النشاط الاقتصادي.
وبحسب نفس المتدخل، فإن عقلنة النفقات الحالية تبدو ضرورية تجنبا لأي اختلال في التوازنات الكبرى، غير أن الإنفاق العمومي الموجه بكثرة إلى المشاريع الكبرى والقاعدية، انتاجيتها تبدو غير مباشرة أو تأخذ وقتا طويلا حتى تظهر، وهذه الأموال الضخمة الموضوعة في التداول عبارة عن مداخيل تتحول إلى طلب قد يصعب مسايرته، طالما أن هذه المشاريع غير انتاجية.
لذا تتحول الفجوة الكبيرة بين الانفاق الضخم والانتاجية الضعيفة، إلى بروز ظاهرة التضخم التي تصبح مشكلة بحق عندما يحدث الاختلال بين الطلب وانتاج مختلف  السلع والخدمات، غير المتوفرة في السوق الداخلية، فيتم اللجوء إلى السوق الخارجية التي أصبحت الممون الرئيسي لمختلف الاحتياجات ويستدل ضيف “الشعب” بارتفاع نفقات الاستيراد للسلع والخدمات من 10 ملايير دولار في سنة 2000 إلى 50 مليار حاليا، حيث أن الطلب الموجود عوض أن يدير عجلة الحركة والنشاط الاقتصادي الداخلي، فإنه يصبح ممولا ومحركا لعجلة اقتصاد الدول التي نستورد منها  كل شيء تقريبا.
التسيير الحذر الذي يعني مراقبة النفقات بالمقدار اللازم يبدو أننا لم نصل إليه بعد مثلما قال الدكتور إلمان ليؤكد في نفس السياق، أن السلطة التشريعية لاتزال غير قادرة على مراقبة الميزانية التي بات دورها ينحصر في المصادقة عليها في بداية كل سنة مالية، رغم وجود قانون للمراقبة منذ سنة 1986 الذي بقي مجرد حبر على ورق ولم يطبق، فعلى أي أساس يتم تقييم تسيير النفقات بطريقة حذرة يتساءل السيد المان.
ومن جهة أخرى يرى الخبير المختص في المالية وكل ما يتعلق بالنقد والمصارف، أن عقلنة النفقات تأخذ بعدا آخر  لا يقل أهمية عن الأول، لأنه يمس الأجيال الحالية والمستقبلية، فالأمر يتعلق بنصيب هذه الأخيرة من الثروة الوطنية التي هي ملكية عمومية، وجب حفظها وصيانتها، فيما بات يعرف بالصناديق السيادية، التي يفترض أنها تضم مدخرات للأجيال القادمة يتم توظيفها حتى لا تفقد من قيمتها.
 وعن صندوق ضبط الايرادات الذي اقترحه وزير المالية السابق عبد اللطيف بن اشنهو، قال الدكتور إلمان أن الهدف منه كان لتعديل النفقات غير أنه في واقع الامر  هو عبارة وضع مدخرات  للأجيال القادمة ويدخل في إطار عقلنة النفقات والتسيير الحذر لها، وكانت الفلسفة أنه لا يسحب من هذا الصندوق الا اذا كان  سعر البرميل أقل من ذلك المعتمد في إطار إعداد الميزانية العمومية وآخرها 37 دولار للبرميل، وقد يكون العجز في حالة وجود اختلال بين الايرادات والنفقات، لكنه، أي العجز يبدو ضروريا من أجل تقليص الإنفاق.
غير أن الذي حدث وفي السنوات التي أعقبت إنشاء صندوق ضبط الايرادات، تم سحب الكثير من الأموال المودعة فيه، حيث إن الخزينة تمول نفقاتها والباقي يذهب إلى الصندوق، لكن جزء كبير منه يوجه إلى الجهاز المصرفي، الذي يوجد اليوم في حالة فائض في السيولة  قدر بـ2500 مليار دج، اضطر بنك الجزائر إلى التدخل من أجل شراء السيولة من البنوك الأخرى بمعدل فائدة  ضعيف، عكس ما كان يحدث في التسعينات عندما كان البنك المركزي هو من يمول البنوك التجارية.
تدخل البنك المركزي لاسترجاع السيولة الفائضة كان هدفه تجنب استعمالاتها بطريقة غير عقلانية، والمعادلة الصعبة التي واجهت بنك البنوك أن الطلب الاقتصادي على القروض بقي على حاله ولم يتغير كثيرا وأفرز وضعا جديدا غير مسبوق، وأن الإدخار أصبح أكبر من الاستثمار بفعل مداخيل النفط وارتفاعها المستمر طوال السنوات الطويلة الماضية.
لم يستثن الأستاذ إلمان الخزينة العمومية من هذه المعادلة الصعبة من حيث تمويل العجز الذي يتم جزء منه عن طريق إصدارها لسندات لتشتريها البنوك، أما عن تلك القاعدة التي تقول إنه لا يٌلجأ إلى موارد الصندوق ضبط الايرادات إلا إذا انخفض إلى الحد الأدنى من السعر المرجعي في إعداد الميزانية العمومية، فلم يبق لها أي معنى أو وجود.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018