قطيعة بين السياسي والمثقف بالمسيلة

خيبة أمل طرف على حساب طرف آخر

المسيلة : عامر ناجح

لا يختلف اثنان أن المثقف في الجزائر استقال أو أقيل بقصد أو بغير قصد من الممارسات السياسية والمشاركة في صناعة القرارات لأسباب نابعة من الإرادة الفردية للمثقف نفسه أو إقصائه و تهميشه لدواع أخرى ترتكز على ممارسة الجهوية والعروشية والولاء في ظلّ عدم مبالاة الوعي الجماعي بالمثقف ووجود خيبة أمل طرف على حساب طرف آخر.

قبل الحديث عن المثقفة وفاعليته في العمل السياسي والمشاركة في صناعة القرارات وجب التطرق إلى بالحديث عن أصناف المثقف وعلاقته بالسلطات بأنواعها محليا وجهويا أو وطنيا. في هذا الخصوص تطرّق الأستاذ الباحث المسرحي «وليد شموري» في حديثه مع «الشعب» عن أصناف المثقف انطلاقا من المثقف التبريري (التقليدي) الذي يشارك في دواليب السلطة  بالمناصب السياسية من خلال مشاركته في الانتخابات لتوافقه مع النظام السياسي في البلاد إذ يعتبر أداة من أدوات السلطة ويتغاضى عن بعض ثغراتها ويرى من منظوره أنّ الحقيقة منجز وجاهز وأن المشاركة السياسية توجد حيث تُفرِض الإرادة رغم مقاومة الآخرين لها حسب تعبير (ماكس فيبر). وأما المثقف النقدي أو «الفاعل» حسب المتحدث هو ذاك الذي اختار الانفصال عن السلطة وعدم المبالاة بالنشاط السياسي ويؤدي دور الراصد للفعل السياسي والنشاطات الحزبية.  وأشار وليد شموري إلى نوع آخر من المثقف اسماه بالمثقف الصّامت (المستقيل) وهو أخطر الأصناف ـ حسبه ـ إذ يعمد إلى مسك العصا من الوسط فلا هو محسوب على الصنف الأوّل ولا هو محسوب على الصّنف الثاني، حيث يجيد اللعب في نسيج السياسة ومن سماته الوفاء للمثقف الحر دون أن يسيء لأي طرف. ينقد السلطة والمجتمع ويحابيها ويجاملها في آن واحد. وأرجع  وليد اهتمام المثقف وتهميشه إلى تحوّل القيم التي ترفع صاحب المال أو ابن العشيرة رهانات الانتخابات وهو ما اسماه بالانحدار الأخلاقي الاجتماعي الذي فرض على المثقف اعتزال السياسة وميادينها لأنها لا تقدم له مكانة وفرصة في ظلّ غياب القيم التي تحث على احترام المثقف وإعطائه مكانته.
وهو نفس ما ذهب إليه الدكتور والأستاذ بجامعة المسيلة ناجح مخلوف من خلال تعريفه للمثقف وموقعه ودوره، مرتكزا في حديثه على مقولة الفيلسوف السياسي انطونيو غرامشي بقوله «إن جميع الناس مفكرون، لكن وظيفة المفكر أو المثقف في المجتمع لا يقوم بها كل الناس» مستنبطا صنفين من المثقفين على غرار المثقف التقليدي بتفكير يتكرر يوم بعد يوم، وفئة أخرى تسمى المثقفين المنسقين لارتباطهم مباشرة بطبقات تستخدمهم في تنظيم مصالحهم وهو ما ينطبق ـ حسبه ـ على مثقف اليوم.
وعن تشاركية المثقف السياسي في صناعة القرارات أكد المتحدث وجود قطيعة بين الطرفين لوجود خيبة أمل طرف على حساب طرف آخر، وحتى وإن وجدت علاقة بينهما فهي علاقة منفعة فقط، فالسياسي يستثمر في المثقف لتمرير خطابات بينما المثقف يستثمر من أجل عائدات مادية ومعنوية.
ويرى مخلوف أن السياسة هي فنّ الممكن والتحكم الرشيد في إدارة شؤون ومصالح أفراد المجتمع في إطار تنموي شامل، مشيرا إلى أن المثقف يحمل فكر نقدي بحكم أنه منتج وممارس للثقافة يسعى للوصول إلى تنظيم الشأن العام، وممارسا للثقافة عن طريق إنتاجها في الشأن الأدبي (مسرح ـ شعر ـ فن ـ فنون تشكيلية ...) وبهذا يعبّر ويعكس واقع الحال المعاش
وبالعودة للحديث عن إبعاد المثقف عن دوائر صنع القرار فقد أشار المتحدث إلى
الدور للمثقف وجدلية العلاقة بين السياسي والمثقف التي أنتجت ـ حسبه ـ كما هائلا من المصطلحات والمفاهيم على غرار المثقف العضوي والمثقف الانتهازي والمثقف النموذج المثقف الحالم .....الخ.
ونوّه ناجح مخلوف إلى أن الثقافة هي ممارسة وإنتاج وهو ما يؤثر في المجتمع وحركيته،
مؤكدا أنه ليس شرطا على المثقف أن يتحزب أو يعتلي الكرسي، بل وجب عليه أن ينخرط في السياسة كفاعل سياسي من خلال النقد المعرفي والنتائج المعرفة وخلق فضاءات ثقافية مستقلة تضمن حركية فكرية وتهدف إلى تحويل الفعل الثقافي إلى فعل يومي، داعيا المثقف أن يكون هو نفسه حزب سياسي، على اعتبار أنه هو الأقدر على التأثير في الرأي العام لامتلاكه الأدوات التي تجعل من انتاجاته  متناولة وبشكل واسع عبر مختلف وسائل الإعلام والوسائط الإعلامية، وينتظر بعدها الإثارة التي تحدث، ومن شأنها أن تساهم في حركية الأفراد والجماعات. وبالحديث عن مصطلح تهميش المثقف فقد اعتبر المتحدث وحسب المقاربة السابقة وحسب ما أثبتته التجربة التاريخية أن المثقف نفسه هو من انخرط في أحزاب ومؤسسات، وبالتالي فقدوا كثيرا من قناعاتهم وأصبحوا ناطقين باسم أفكار لا تتماشى مع قناعاتهم مما اضطر بالبعض إلى الانسحاب، ويرى الدكتور ناجح مخلوف أنه على المثقف العمل خارج الدوائر المغلقة وممارسة الفعل السياسي الحر لإعادة الاعتبار كما يقول البعض إلى المكون الثقافي والجمالي والمعرفي في حياة المواطن. وهذا الفعل والحركية هي الهاجس المخيف للسلطة، وبالتالي يمحى مصطلح «تهميش» من قاموس المثقف.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018