المثقّفون يوجّهون أصابع الاتّهام لإدارة القطاع والإدارة تلتزم الصّمت

معسكر: أم الخير ــ س

الحديث عن واقع الثقافة في بلادنا يستلزم منا الأخذ بأصول وآداب الحوار البناء والعمل به للتوصل إلى حلول لمختلف المشاكل التي تعاني منها الثقافة بوصفها أحد الروافد الحضارية للأمة إذا ما تبددت وتلاشت، تلاشت معها الهوية ومقوماتها الإنسانية، فلا أحد منا يجوز له رفض الاتهامات والانتقادات التي توجه له والتعنت حيالها في حال حاولنا تحديد المسؤوليات، إذ كلنا مسؤولون عن الثقافة بداية من أرباب الأسر إلى وزير الثقافة وما بينهما من أفراد وجماعات يتقاسمون نفس الحجم من المسؤولية.

يكاد يكون المشهد الثقافي في الجزائر مثل المشهد السياسي على مدار السنة ولاسيما خلال المناسبات الإنتخابية، يتشابهان من حيث كل شيء إلا من حيث المصلحة والهدف، حتى من حيث أسلوب الخطاب المنمق وطبيعة الجمهور المتلقي لذاك الخطاب وألعاب الفانتازيا التي صارت لوحدها تستقطب اهتمام جماهير الساسة وجماهير المثقف، ثم على الأقل يمكن القول أن الأحداث المناسباتية تصنع التظاهرات والنشاطات السياسية إلا الثقافة لا يصنعها الحدث بل تصنعه كما تصنع الإنسان ويصنعها.

غياب الجمهور عن النّشاطات
الثّقافية مسؤولية من؟
 
لم يعد غياب الجمهور عن النشاطات الثقافية عقبة يشتكي منها المسرح أو باقي الهيئات والجمعيات الثقافية في الجزائر، فهذا العزوف تخطّى حدود الوطن الأم إلى حدود الوطن العربي الذي يتغنى بحضارته الضاربة جذورها في التاريخ، نقول ذلك حتى لا نكتفي بإلقاء اللوم والنكد على مسؤولي القطاع من بني جلدتنا، ولو أن ثقل كبير من معضلة الثقافة يقع على كاهل هؤلاء، فكثيرا ما يشتكي الكُتّاب والأدباء من غياب الجمهور عن حضور الملتقيات الفكرية والأمسيات الأدبية، وكثيرا ما يواجهون أنفسهم في قاعات فارغة يملؤها عاملين أو اثنين أو شلة من المدعويين مثلما يتكرر المشهد بالنسبة للنوادي الأدبية المحلية الناشطة على مستوى دار الثقافة أبي رأس الناصري بمعسكر، ووسط الزخم الكبير من النشاطات الثقافية التي تقيمها النوادي الأدبية المحلية.

الإعلام الحلقة الأضعف فيها

نجد أنّ الجمهور هو الغائب الأكبر عنها والإعلام الحلقة الأضعف فيها، وألصق روّاد هذه النوادي أحد مسبّبات العزوف عن التظاهرات الثقافية - بنقص التغطية الإعلامية واقتصارها على تغطية الأحداث والتظاهرات الثقافية الكبرى، خاصة إذا ما ارتبطت بافتتاح رسمي من طرف مسؤول ما، وهو الواقع المر الذي أضحي يغيب الأهمية من تلك التظاهرات الثقافية الأدبية والأمسيات الشعرية ويعزّز مكانتها في كل لقاء متجدد مع الجمهور، إلى ذلك وقبل تحديد مكامن الخلل في استفحال ظاهرة العزوف الثقافي، يلاحظ أن العلاقة بين جميع الفاعلين في المشهد الثقافي مشتتة بل لا أساس لها إلا ما تعلق بما تبديه بعض وسائل الإعلام من اهتمام محتشم حيال الثقافة لا يرقى لدرجة التأثير من أجل تغيير واقعها المرير، فلا الإدارة صار يهمهما تشريح واقع قطاعها المريض، ولا الجمهور صار يهتم بالقيم المعنوية والثقافية ويهتم لمحتوى النشاط الثقافي، ولا الإعلام أضحى بدوره الفعال يترفع عن الحديث عن الهوامش والشكليات، فيولي أهمية لمضمون التظاهرات الثقافية ويروج لها ويصنعها، ولا المثقّف ساهم بفكرة لعلاج مواضع الداء وتنزه مرّة عن علوّه وتعاليه، وبذلك تكون قد اجتمعت لدينا أسباب اجتماعية وفكرية وبيروقراطية نكلت بالثقافة وجعلتها ضحية مجتمع بذل جهدا كبيرا في التنصل عن مقوماته الحضارية، حيث يتوضح من خلال ما مضى من تظاهرات ثقافية أقيمت بولاية معسكر كمثال.

الإدارة في معزل عن واقع الثّقافة المرير وحضورها في تزيين الواجهة

 إنّ الإدارة تكاد تكون في معزل عن واقع الثقافة المرير، ولا يتمثل حضورها سوى في تزيين واجهة النشاط بألعاب الفنتازيا ومعارض للحرف والملابس التقليدية الرثة المتآكلة، دون أن تكلف نفسها عناء البحث في حلول لأزمة القطيعة الثقافية، فلا شيء في تظاهرات قطاع الثقافة بات يستقطب الاهتمام أو يثير الإعجاب، ومع  تراكم الوضع  عادت تظاهرات القطاع بمعسكر مجرد مناسبات يحضرها والي الولاية ووفد يرافقه من عناصر الأمن وإطارات محلية، وعدد من المواطنين يتجمهرون أمام مكان تنظيم النشاط الثقافي قبل أن يهجموا على المسؤول بأظرفة تكاد تتمزق من التدافع، ثم يستعد الجميع لإلتقاط الصور، ثم يقرأ السلام على المشهد ويغادر الجميع من حيث أتى، ومن أجل تحليل واقعي للظاهرة، حاولنا معرفة رأي الإنسان المثقف، وخلاف رأي رواد نادي البيان الأدبي في دور الإعلام وأهميته في التسويق للثقافة المحلية والنشاطات التي يقيمها النادي، لم يشأ أي من مثقفينا العزّل الحديث في الموضوع بحجة أنّه من الطبيعي أن تمر الثقافة بفترات الفتور، غير أنّ الفنان المسرحي حسين مختار الذي وهب شبابه قربانا لخدمة المسرح قال بعبارة كافية شافية، مجيبا عن أولى أسئلتنا حول سبب العزوف عن حضور التظاهرات الثقافية والفنية -
«لا يوجد جمهور»، معقبا أنه حتى الجمعيات الثقافية التي من شأنها بعث الحركية وتنشيط الساحة الثقافية صارت تقيم نشاطات بليدة ومستهلكة يغيب عنها الإبداع والتشجيع عليه، بهدف إعداد تقاريرها الأدبية قبل الحصول على إعانة مالية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018