طباعة هذه الصفحة

المدوّنة الثّقافية عباسية مدوني لـ «الشعب»:

الوساطة الثّقافية من الآليات الحديثة لاستقطاب الجمهور

بلعباس: غ ــ شعدو

إنّ الحديث عن ثلاثية الثقافة من فعل ثقافي، مثقّف ومتلقّي يستدعي تكرار السؤال المتعلق بأسباب تخلي الجمهور الثقافي عن دوره وإحداثه لقطيعة تامة وعزوف دائم عن كل ما يتعلق بالنشاطات والملتقيات والأمسيات الثقافية والفكرية والأدبية، فغياب الجمهور مسألة تباينت الآراء حولها بين من أرجعها لأسباب فئوية تخص المثقف أو المتلقي أو عوامل تقف بينهما، ومن جهة أخرى قالت بأن  مسؤولية الغياب مشتركة بين المثقف والجمهور.
حصرت عباسية مدوني مدوّنة ثقافية وإطار بالمسرح الجهوي لسيدي بلعباس أسباب غياب الجمهور عن الفعاليات الثقافية بصفة عامة في عديد النقاط، أولها العمل بالتقنيات الحديثة ومختلف الوسائط الإعلامية من تلفزيون وأنترنت، والتي استقطبت جمهورا واسعا بعد أن أضحت الميزة الأساسية لهذا العصر، فكلّما زادت التقنية زادت معها السهولة وتوافرت سبل الراحة، وهو ما مكّن المتلقّي من الحصول على المادة الثقافية دون عناء أو تنقل إلى مكان الأنشطة الثقافية، فالفرد أصبح قادرا على الإطلاع على معظم الفعاليات المختلفة ومن جهازه داخل مسكنه، وكذا التواصل مع مبدعي هذه الأنشطة والفعاليات، والتجاذب معهم من دون الوصول إلى مكان الحدث. كما أن السواد الأعظم من الجيل الجديد يعيش في عوالم افتراضية، بعد أن تمكّن من خلال المهارات الجديدة أن يتأقلم مع التكنولوجيات الاتصالية، ويصنع لنفسه عوالم جديدة تناسبه وتلبي حاجاته وتجيب عن أسئلته، ما تسبّب في حدوث قطيعة بينه وبين ذاته وهويّته الثقافية.
أما السبب الثاني حسب ذات المدوّنة، فيرجع إلى المتلقي في حد ذاته والذي أضحى غير شغوف بكل ما له علاقة بالفكر، العقل والوجدان، حيث عزف عن بذل الجهد ورفض التعلم والإطلاع والمشاركة الجادة بعد أن جنح نحو السهولة والميل للنهل من متع الحياة بأقل الجهد، وهي الوضعية التي صنّفها بعض المختصّين في انعدام صناعة ثقافية تعنى بالدرجة الأولى ببناء الجمهور، الذي يستهلك منتوج هذه الصناعة ويرقى بالذوق الإجتماعي العام.
كما يمكن الحديث أيضا عن دور التنشئة الثقافية، «فالقراءة تعد الغائب الأكبر لدى الأبناء انطلاقا من المدارس وحتى الجامعات، فقليلة جدا إن لم نقل منعدمة تلك المدارس التي تحتضن أمسيات شعرية أوأدبية يحضرها تلاميذها ويحتكون بشكل مباشر مع الشعراء والكُتاب، كما تنعدم النوادي الثقافية بها، فكيف يمكن لنا أن نطالب من لم يتعلم يوما لغة الفكر والإبداع بحضور منتديات وفعاليات فكرية وعلمية ومناقشة مضمونها ومحاورة منظريها».
مهنة قائمة بذاتها في الدول المتقدّمة وضعت كل جهودها لاستقطاب الجمهور
هذا ويمكن القول أيضا - تضيف المدوّنة - أن غياب المفاهيم الحديثة في الإستراتيجيات الحالية عمّق من الشرخ الموجود، حيث تكمن المشكلة الأساسية في ذهنية النخب الثقافية التي لم تنجح في الإنتقال إلى العوامل الجديدة التي تستثمر في قدرات الإنسان ومواهبه وتطلّعاته. فالعمل الثقافي وعلى اختلاف دروبه هو منتج يحتاج للتسويق، حيث أن عامل الجذب مهم جدا للوصول إلى المتلقي، لكنّنا وعلى عكس ذلك نرى النمطية السّمة الغالبة على الأنشطة الثقافية، حيث التفكير نفسه، الأدوات نفسها والمواضيع ذاتها، مع تقديم الوجوه ذاتها خاصة في الأعمال الفكرية والملتقيات العلمية ما أدّى إلى حالة من التشبع لدى الجمهور من الشخصيات المتكررة، فضلا عن حالات الجمود الذي تصاحب هذه الوضعيات، فالعمل الثقافي متغير يقوم على التجديد والتنويع والبحث عن المواضيع ذات العلاقة بالشأن الحالي، وكذا استغلال وسائل التواصل الاجتماعي لخلق الروابط مع الفئات المستهدفة.
وهنا يمكن الحديث عن ما يعرف بالوساطة الثقافية وهي مهنة قائمة بذاتها في عديد الدول المتقدمة التي وضعت كل جهودها لإستقطاب الجمهور،  فهي علم يعنى بإشكالية استقطاب الجماهير إلى النشاطات الثقافية، حيث نجد منصب المكلف بالجماهير بكل الهياكل الثقافية والمهرجانات، وهو ما يسهّل إيجاد آليات لجلب الجمهور بعد دراسة حاجاته الثقافية والروحية.
كما لا يجب تناسي دور الوسائل الإعلامية التي إستقالت عن مهامها في الترويج للثقافة والفكر بعدما اختزلتهما في تغطيات الحفلات الموسيقية والمهرجانات الكوميدية وغيرها من الفعاليات السطحية، فقليلة هي الوسائط التي لاتزال متمسّكة بنقل الفعل الثقافي والتعريف بشخوصه أو المساهمة في صناعته، من خلال تخصيص صفحات لها للنخب الثقافية من أجل الإدلاء بآرائها في مختلف المواضيع والتحليلات الثقافية، وكذا المساهمة في تنمية الفعل الثقافي.