اللّجنة الدستورية ما تزال بعيدة المنال

دي مستورا يربط «الحل» بآجال انتهاء مهمته

جمال أوكيلي

تتضاءل فرص التسوية السياسية لدى دي مستورا أكثر من أي وقت مضى، ولم تلح بوادر النوايا الحسنة عند الأطراف الأخرى المرافقة لهذا الملف الشائك من أجل الانتقال إلى آفاق أخرى، الجميع يأملها، لكن على طريقتهم الخاصة المراهنة على الوقت لا أكثر ولا أقل.

هذا التشخيص الأولي، عقب الحركية الأخيرة يؤدي بنا إلى التساؤل التالي: هل الشركاء والفرقاء وصلوا إلى باب مسدود؟ نقول هذا من باب المواقف الأخيرة، الصادرة عن المبعوث الأممي الذي وجد نفسه وحيدا في دعوته المتعلقة باللجنة الدستورية، التي غاب عنها الاجماع في انطلاقتها خاصة مع تشدد البلد المعني بالدرجة الأولى ألا وهو سوريا في قيامها.
دي مستورا لم يعد يتحرك بذلك الوزن الأممي في عرض الحلول البناءة المقبولة وإنما سقط في مطب الإملاءات الخارجة عن نطاقه، أضاف لها قناعاته الذاتية في تسيير المسألة، مما أوقعه في دائرة الرفض القاطع لما يحاول تحريره بتلك السرعة القياسية خوفا من ذهابه دون أن يجد المخرج الذي لطالما بحث عنه في أكثر من مدينة عالمية.
وهكذا أراد في فترة وجيزة إنهاء أزمة حادة طال أمدها كلفت خسائر مادية وبشرية هائلة، ما تزال أثارها شاهدة، على عنفوانها وحَلب خير نموذج على كل ما يقال.. دمار جنوني للحجر والشجر، هذا الوضع المأساوي لا يمكن أن ينفرد به شخص واحد يدّعي قدرته الفائقة في تجاوز هذه المرحلة.. وعليه فمن الخطأ الفادح أن يربط دي مستورا الحل الذي يتصوره بآجال أو تاريخ انتهاء مهمته، حاليا فإنه يدور في فلك هذا المنطق رافضا التنازل عنه، بدليل أنه ما زال يرسل نداءات إستغاثة إلى كل من يهمهم الأمر، من الدول الكبرى أو الضامنة التي لم تعره أدنى اهتمام .. مما جعله يصرّح بأشياء غريبة تدل على تركه يتخبط في وسط لا يتفاعل معه من الناحية السياسية خاصة.
وتبعا لكل ذلك، فإنه أبدى استعداده للتخلي عن مشروعه الخاص باللجنة الدستورية، في حالة استمرار ما أسماه بـ «العقبات» خلال مشاركته في جلسة.. ماذا ينتظر سوريا؟ في الحوارات المتوسطية في روما، وهو يقصد بذلك التراجع الكبير في مسار الحل المقترح ووصول مستوى الرفض إلى سقف لا يحتمل.
وما زال دي مستورا إلى غاية اليوم، يتحدث بالمحطات أي التواريخ المحددة، ويشدد في الوقت الراهن على منتصف ديسمبر، كي يسجل النقطة التي يريدها وعمليا فإن هذا المسعى غير منطقي، لأنه مدعو إلى مغادرة هذا المنصب في نهاية الشهر الجاري، بعد التمديد الذي استفاد منه.
الوافد الجديد على الملف السوري الدبلوماسي النرويجي فيير بدرسون، سيعيد العمل من جديد من ألفه إلى يائه، كونه لا يستطيع السير على مخلفات دي مستورا وإنها غير قابلة للتطبيق فماذا يعني وجود ١٥٠ فرد في اللجنة الدستورية، هل هذا معقول ؟
يمكنه إدخال تعديلات على هذه النقطة بالتفاهم مع كل من أقرّوها في سوتشي وهذا بتحويلها إلى «ترويكا» مشتركة بالعضوية الثلاثية (حكومة، معارضة، أمم متحدة) لا تضم كل ذلك العدد الكبير من الأشخاص، وإنما خبراء لهم دراية وكفاءة في بناء الدساتير لا تكترث بالصفة السياسية التي يتمتع بها البعض. وهكذا ينهى الإشكال الحالي، القائم على رفض النظام للأعضاء ٥٠ المعنيين من قبل دي مستورا أي الأمم المتحدة، في صياغة التوجهات أو المحاور الكبرى لدستور سوريا الجديد، وترى الحكومة بأن تحرير أو تدوين هذه الوثيقة من صلاحيات الدولة، وليس طرفا آخرا إلى غاية اليوم فإن المبعوث الأممي لم يغير القائمة.. وما زالت في أجندته بالرغم من تلقية الاعتراض عليها.
السوريون من جهتهم، ينتظرون بفارغ الصبر رحيل دي مستورا، الذي أتعبهم كثيرا خلال عهدته هذه، نظير انحيازه إلى جانب المعارضة، بالرغم من ذلك، فإن الحكومة استقبلته مؤخرا لكنها أبلغته موقفها الرافض لتركيبة اللجنة الدستورية.
لابد من القول بأن هناك انسدادا سياسيا واضحا.. إنفراجه لن يكون غدا نظرا لمحاولة تغليب طرف على طرف آخر، وهو ما أراد دي مستورا التأسيس له في تعيينات خمسينيته وما اقترحه السوريون مقابل ذلك هو أن تكون البلدان الضامنة (روسيا، تركيا..) صاحبة المبادرة في تشكيل القائمة وهذا ما تحفّظ عليه المبعوث الأممي وتوقّف كل شيء عند هذا الحد، ريثما يتم إعادة تنظيم اللعبة مستقبلا.
ولن يكون هناك أي جديد يذكر خلال هذا الشهر ونقصد هنا ما تبقى من فترة مهمة دي مستورا إلى غاية ذهابه لتليها مرحلة أخرى أكثر حيوية في معالجة الملف السوري، بطرح آخر مختلف عما هو سائد حاليا من حيث الأفكار المتداولة وهذا ما أشار له غوتيرش صراحة عندما قرر تنحية هذا المسؤول الأممي وهو يدرك بأن التسوية المرجوة بعيدة المنال في الوقت الراهن.
وكل ما يسمى بالمرجعيات السياسية الحالية من جنيف، أستانا وسوتشي سيعاد النظر فيها بمجرد أن يستلم بدرسون مهامه نهاية السنة وبداية جانفي ٢٠١٩..كونها لا تلقى ذلك الاجماع المبحوث عنه منذ اندلاع هذا النزاع.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18293

العدد18293

الأربعاء 01 جويلية 2020
العدد18292

العدد18292

الثلاثاء 30 جوان 2020
العدد18291

العدد18291

الإثنين 29 جوان 2020
العدد18290

العدد18290

الأحد 28 جوان 2020