تحرك الولايات المتحدة بمنطقة الشرق الأوسط

الترويج لمشروع حصار إيران للتغطية على تسوية القضية الفلسطينية

جمال أوكيلي

ماهي القراءة السياسية لتصريحات وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو في القاهرة بخصوص حديثه عن واقع و آفاق منطقة الشرق الأوسط؟ هل هي البوادر الأولى لإحداث تغييرات جذرية في نظرة الولايات المتحدة إلى هذه الجهة غير المستقرة من العالم لطالما صنعت وقائع تاريخية مثيرة منذ أن سلمت فلسطين على طبق من ذهب إلى إسرائيل في 1948؟.

لا يجب أن يمر علينا ما ورد على لسان هذا المسؤول الأمريكي مرور الكرام أو نلقي به وراءنا دون التمعّن والتدقيق في تفاصيل مضمونة الحامل لرسائل يتطلّب الأمر إثارة خلفياتها لمعرفة التوجهات المستقبلية على ضوء التراجع الأمريكي الكبير في تلك الرقعة منذ عهد الرئيس السابق باراك أوباما.
وإن كان بومبيو حاملا معه مشروعا موثقا لمحاصرة إيران والتشديد الخناق عليها وهذا ما أفصح عنه عندما دعا إلى تحالف إستراتيجي عربي على شكل «الأطلسي» ضد إيران لاستكمال مساعي مندرجة ضمن تفاهمات مع بلدان أخرى لتركيع هذا البلد والإجهاز عليه، غير أن الإضافات الأخرى لها مغزى منها وصفه أمريكان بـ «قوة خير» في ذلك الفضاء الجيوسياسي وانسحابها منه يؤدي حتما إلى الخراب.
وهذه الحملة الدبلوماسية التي يقودها وزير الخارجية الأمريكي تهدف إلى مطالبة كل البلد يزوره بالعمل على عزل إيران أكثر فأكثر بعد أن توّعدها المسؤولون الأمريكيون على أنها دولة مارقة مع تقطيع سبل من يصنّف في خانة حلفائها حزب الله سوريا وحاملو لواء المقاومة محاولة منها لـ «تأديبهم» بعد أن اتعبوها خلال مرحلة «داعش» ولم يتركوا لها هامش الحضور في الأحداث الكبرى وعدم قدرتها حتى على التدخل في تلك اللحظات الحاسمة عندما تعالت الأصوات باستعمال الكيماوي».. ما تزال تلك الصور عالقة في أذهان القيادات السياسية والعسكرية الأمريكية إلى يومنا هذا بالرغم من الانتقاد اللاذع الموجه لإدارة أوباما على أنها تخلّت عن أصدقائها في الأوقات الصعبة وتساهلها مع إيران والإسلاميين.
ما طرحناه من أسئلة في المقدمة لا يتطلّب إجابات جاهزة، لأن هناك تداخلا معقدا في هذه المنطقة بدليل أن بومبيو لم يشر ولو بكلمة واحدة إلى الفلسطينيين وإنما كان شغله الشاغل إيران.. لم نعتاد في حوليات السياسة الخارجية الأمريكية تفادي الحديث عن النزاع الإسرائيلي ـ الفلسطيني حتى في أوج القطيعة بين عرفات والمبعوث الشخصي لكلنتون عقب توجيه له ملاحظات بالانحياز لإسرائيل وإهمال الأفكار الفلسطينية وعادت الاتصالات مجددا.
كيف يا ترى سيعود الأمريكيون إلى الشرق الأوسط؟ اليوم هناك غياب للتواصل بين الفلسطينيين والأمريكين وتوعز القيادة الفلسطينية ذلك إلى «صفقة الحزن» وقرارات ارتجالية مغرضة كنقل سفارتهم إلى القدس، ومنع الإعانات عن الأونروا والتضييق على الفلسطينيين في المنظمات الدولية.
وهكذا اهتدت القيادة الفلسطنية إلى موقف مفاده أن امريكا ليست شريكا مؤهلا لتولي مهمة الوساطة إن تمادت في هذا الانحياز الأعمى لإسرائيل.. هذا ما جعل الوضع السياسي يزداد سوءا في الشرق الأوسط بعد رفض الرئيس الفلسطيني أي مبادرة في هذا الشأن يراد منها استئناف الاتصالات مع الولايات المتحدة.
اليوم لا نلمس فعلا أن هناك اهتماما أمريكيا بالشرق الأوسط إلى درجة ما كنا نسّجله قبيل مجيئ إدارة ترامت عندمات كانت الخارجية الأمريكية تبادر بمشاريع لمحاولات التسوية، أكثرها حضورا في عهد كيسنغر.. واستمرت فيما بعد على نفس الوتيرة خلال تعاقب الرؤساء على البيت الأبيض، لم تنقطع في يوم من الأيام بل وصلت إلى ذروتها في عهد كلنتون عندما اقترب الجميع من الحل المتوصل إليه في إطار المفاوضات آنذاك.
فمن الصعوبة بمكان عودة الولايات المتحدة إلى المنطقة في الظروف الحالية استنادا إلى المستجدات الراهنة، بانحيازها المباشر إلى إسرائيل وهذا ما يزعج الكثير من الذين يطالبونها بالحياد الإيجابي على الأقل وعدم الانضمام أو الانخراط في الأطروحات الإسرائلية بهذا الشكل المقرف والمقزز في آن واحد.. الذي أبعدها عن كل مشاركة في أي مبادرة قد تظهر في المستقبل.
وبهذا المنطق، فإن الأمريكيين سيكيفون ما يسمونه بـ «صفقة القرن» مع المواقف الرافضة لها ونعني بذلك السعي لإيجاد الآليات حول الكيفية التي يتمّ بها نقلها إلى كل المعنيين.. علما أن تفاصيلها سرية وقد فهم الكثير بأنها تشبه ما اصطلح على تسميته «بالأرض مقابل السلام».
وجميع الرموز السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط يدركون جيدا بأن أمريكا لم تكن في يوم من الأيام «قوة خير» هناك بل عكس ذلك بشهادة تاريخ المنطقة الذي يتحدّث عن «الفيتو» المستعمل في مجلس الأمن ضد الفلسطنيين أضرهم كثيرا وسبّب لهم متاعب كثيرة إلى غاية يومنا هذا، ناهيك عن ممارسات أخرى نسفت كل ما تمّ انجازه من أجل السلام.
وعليه، فإن أولى الخطوات تمثل في بناء الثقة لفتح آفاق أخرى، تسمح بالتواصل على أسس مقبولة لا نلحق الضرّر بطرف على حساب طرف آخر ومثل هذه القرارات صعبة، في الوقت الحاضر لأن الأمريكيين بصدد ملاحقة الإرانيين في الوقت الراهن وملف الشرق الأوسط سيسحب من الدرج عندما «تطهّر» المنطقة لأن التصريحات الصادرة حاليا عن كبار المسؤولين الأمريكيين تجاه ايران خيفة جدّا قد تؤدي إلى المواجهة إن استمر الحال على هذا المنوال من التشنج.. وقد تشغل المنطقة بأكملها أمام ما يحدث في اليمن وسوريا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019
العدد- 18099

العدد- 18099

الجمعة 15 نوفمبر 2019