احتجاجات السترات الصفراء تشدّد الخناق على الرئيس الفرنسي

ورقة الحوار الوطني الشامل تبدو بالية أمام غضب المحتجين

حمزة محصول

أمام تزايد احتجاجات الطبقتين الضعيفة والمتوسطة في المجتمع الفرنسي، اختار الرئيس إيمانويل ماكرون، إعلان حالة طوارئ اقتصادية واجتماعية تستدعي حوارا وطنيا شاملا، أملا في الخروج من عنق الزجاجة و «تحويل الغضب إلى حلول». لكن الظاهر  أن سرعة تفاقم الأزمة تفوق بكثير سرعة استجابة قصر الاليزيه والحكومة، ما يضعهما أمام عواقب الوخيمة.

وجه الرئيس الفرنسي، الاثنين الماضي، رسالة إلى الأمة، مهد فيها لإطلاق «الحوار الوطني الكبير»، والذي جرت مراسمه أمس، من منطقة النورماندي غرب البلاد.  
في تلك الرسالة التي أذيعت ونشرت حرفيا عبر كافة الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزية الفرنسية، حدد ماكرون أربعة مواضيع رئيسية ينبغي للفرنسيين أن يقدموا بشأنها اقتراحات داخل قاعات البلديات أو عبر الانترنت،  على أن يتم الأمر في ظرف شهرين كاملين أي من 15 جانفي إلى غاية 15 مارس 2018.
المواضيع الأربعة، تمثلت في الضرائب، القدرة الشرائية، البيئة والديمقراطية، وأرفق كل محور بتساؤلات بلغت في المجمل 34 سؤالا قال أنها «تستدعي رأي الفرنسيين جميعا».
وفي مستهل رسالته، بدا ماكرون متفهما جدا لغضب الشارع الذي تجلى في تظاهرات أسبوعية للسترات الصفراء، ولم يقلل من قيمة أسبابه المعلنة، متطرقا إلى « تدني تكافؤ الفرص، وتراجع المكاسب الاجتماعية والخدمات العمومية وارتفاع البطالة، وزيادة الضرائب» كعوامل كافية لتفجر أزمة كبرى.
وطلب الرئيس الفرنسي من شعبه المساهمة «دون أي قيد»، في الخروج بحلول يعاد من خلالها صياغة «عقد اجتماعي جديد يليق بمكانة البلاد على الصعيدين الأوروبي والدولي».
لكن، ومع التعمق أكثر في الرسالة الطويلة، يتضح أن ماكرون مازال  يرفض التراجع عما أسماه «الخطوط العريضة لبرنامجه الانتخابي»، فقد تمسك بإلغاء الضريبة عن الثروة التي كانت تدر مداخيل بـ4 ملايير يورو للخزينة العمومية، وقال « أنه لا ينبغي وضع ضرائب أكبر على من يملكون موارد الاستثمار».
وفي التساؤلات التي طرحها، حاول ماكرون تمرير قراراته السابقة المتعلقة بالانتقال البيئي بشكل ماكر، قائلا «أمام قرب نفاد الموارد الطبيعية والتحديات المناخية هل ينبغي أن نتوجه نحو نموذج طاقوي جديد؟».
وكان برنامج التجديد البيئي سببا مباشرة في اندلاع احتجاجات السترات الصفراء، منتصف نوفمبر 2018، لما تضمنه من زيادة معتبرة للضرائب على الوقود.
والتزم الرئيس الفرنسي بالرد على مقترحات الحوار الوطني، في غضون شهر بعد استكماله منتصف مارس المقبل.
ويراهن ماكرون على «البلديات» لإنجاح الحوار الشامل، وقال مخاطبا مواطنيه «رؤساء البلديات سيكون لهم الدور الأساسي لأنهم منتخبوكم ومنه الوسطاء الشرعيون لانشغالات المواطنين».
علما أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجع شعبية كافة المنتخبين والتنفيذيين بدءا من الرئيس وصولا إلى الوزير الاول والبرلمانيين،  إلى ما دون الـ30 بالمائة في آخر استطلاع نشرته صحيفة لوفيغارو، بينما فاقت شعبية رؤساء البلديات الـ 50 بالمائة، نظرا لقربهم الدائم من المواطنين، ما يفسر السبب الذي جعل ماكرون يلجأ إلى البلديات.
أخطأ مرتين؟
 بالعودة قليلا إلى الوراء، يمكن القول أن ماكرون لم يحسن التعامل مع احتجاجات السترات الصفراء، فبعد التهديد الوعيد بالتصدي لمن وصفهم في وقت سابق «بالكسالى والمعيبين»، رضخ أواخر ديسمبر ووجه خطابا اعترف فيه «بتسببه في جرح مشاعر الكثيرين»، وأعلن وقف الزيادات الضريبة على الوقود والرفع من الأجر القاعدي بقيمة 100 يورو.
الخطاب الذي اجتهد فيه ماكرون ليظهر كرئيس متفهم، يستطيع التراجع عن قرارات كانت صارمة، ويملك من السخاء ما يجعله يرفع الأجور، فهم على أنه السبب في انخفاض احتجاجات السترات الصفراء في أسبوعين متتاليين نهاية السنة المنصرمة.
ذلك الانخفاض دفع الرئيس الفرنسي إلى إخراج سيف القانون مجددا، وهدد من  دولة التشاد أين كان في زيارة لجنود عملية برخان بمناسبة أعياد الميلاد «كل من يعبث بالأمن العمومي بعقوبات صارمة».
وتبعه رئيس حكومته إدوارد فيليب في سياسة التهديد والوعيد، مقترحا «بطاقية للمخربين» مع تشديد إجراءات منح التراخيص للمسيرات، ليتم على إثر ذلك اعتقال أحد أبرز قادة السترات الصفراء «إيريك درويه» وأخضع لتحقيقات دامت 24 ساعة قبل أن يطلق صراحه.
لكن التحرك الثامن للسترات الصفراء، كشف أن الاليزيه لم يحسن أبدا قراءة الشارع، فانخفاض أعداد المتظاهرين كان بسبب أعياد الميلاد، ولم يكن أبدا استجابة لإجراءات ماكرون.
 وبشأن الزيادة في الأجور، كشفت صحف فرنسية أن «ضخ 100 يورو في الأجر القاعدي، كانت ورقة استراتيجية سيلعبها الرئيس في الأشهر الأخيرة لعهدته، قصد التحضير للترشح لعهدة ثانية، لكن غضب الشارع دفعه إلى الدفع بها قبل الأوان».
وقدر عدد المحتجين في الخامس جانفي الجاري بـ50 الف ليقفز في السبت الماضي إلى 84 ألف، مع تأكيد على استمرار التعبئة والحشد لاحتلال الشوارع كل سبت إلى غاية الاستجابة للمطالب، التي تستهدف «رحيل ماكرون وحكومة إدوارد فيليب».
هل أخطأ للمرة الثالثة؟
كان إعلان حالة الطوارئ الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، خطوة ذكية من ماكرون، لأنها «بدت كاعتراف بالمشاكل العميقة لبلد بأكمله»، لكنه سرعان ما أظهر أن لا يساير تطلعات الشعب الفرنسي.
الرسالة التي أعلن فيها إطلاق الحوار الشامل، بأسئلتها الطويلة، كانت في غاية السطحية والمراوغة، فماكرون سأل مواطنيه على سبيل المثال، عما إذا كانوا يريدون مناقشة «الكوطة المخصصة سنويا للراغبين في القدوم إلى فرنسا كمهاجرين او كلاجئين على مستوى البرلمان؟»، ويطلب منهم إبداء الرأي فيما إذا كان مهما «احتساب الورقات البيضاء في الانتخابات أو العمل بإجبارية التصويت لكل مواطن؟».
ويريد ماكرون، من الفرنسيين أن يختاروا بين خفض الضرائب وما يقابله من خفض الخدمة العمومية التي تمول من الضرائب؟
ومطالب الفرنسيين واضحة وضوح السترات الصفراء التي اختاروها للتنبيه «إلى وجودهم والتفكير في أي فعل قد يكون خطرا عليهم»، فهم يريدون الحفاظ على النموذج الاجتماعي الفرنسي  والرفع من القدرة الشرائية وديمقراطية تشاركية ببعد فرنسي وليس أوروبي.
ولتحقيق هذه المطالب يجب المرور عبر حل البرلمان والذهاب نحو انتخابات تشريعية لإفراز منتخبين يمثلونهم بشكل حقيقي وتعيين حكومة أكثر كفاءة، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتكافئ الفرص وعدم منح امتيازات للأغنياء على حساب الفقراء والطبقة المتوسطة.
وأمام الرسالة الهزيلة في نظر الفرنسيين، لن يستطيع ماكرون محو آثار تصريحاته الإعلامية التي جعلت منه رئيسا متعاليا ورئيسا للأغنياء في نظر الأغلبية، فقد صرح عشية التحرك التاسع للسترات الصفراء أن «قيمة الجهد والعمل يفتقدها كثيرون»، بمعنى آخر أنه قال لشعبه «غالبيتكم كسالى»، وهو استفز أكثر التحرك التاسع.
زعيم الجمهوريين لوران فوكييه، حمل الرئيس ماكرون، المسؤولية  الكاملة عما تعرفه فرنسا، وقال في رسالة بثت على مواقع التواصل الاجتماعي قبل يومين « إنه المسؤول الوحيد عن التمزق الذي يضرب البلاد ويفاقم الأزمة من أسبوع لآخر» مضيفا «لو انصت (ماكرون) منذ البداية لما وصلنا إلى هنا».
وكان ماكرون يتحدث بتحمس شديد عن رفضه القاطع العدول عن إصلاحاته الاقتصادية تحت أي ظرف كان، وقاوم سنة 2017 احتجاجات قادتها نقابات عمالية وأحزاب اليمين المتطرف واليسار، لكن تظاهرات السترات الصفراء غير المنضوية تحت أي تنظيم استطاعت أن تزعزع عهدته الانتخابية وتضعه مستقبله السياسي أمام خطر حقيقي.
صوت فرنسا خفت
منذ بلوغه قصر الإليزيه تصرف إيمانويل ماكرون، إلى جانب  كونه رئيسا لفرنسا كزعيم أوروبي، وحاول تحدي السياسة الأمريكية الجديدة بقيادة دونالد ترامب، وتصدر الصف الامامي لزعماء الإتحاد الاوروبي الذين يفرضون على باقي الأعضاء سياسة معينة حول الاقتصاد وإدارة ملف الهجرة. ولطالما أظهر ماكرون، أن لبلاده كلمة تقولها في مناطق النزاعات من العالم، كسوريا وليبيا والشرق الأوسط وإفريقيا، ودعا بكل جرأة إلى إنشاء جيش أوروبي لمواجهة الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا.
لكن ومنذ بداية احتجاجات السترات الصفراء، بات الرئيس الفرنسي محل سخرية من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي قال في تغريدات عديدة «أنه سيكون أكثر شعبية في فرنسا من ماكرون، وأن السترات الصفراء يؤكدون توافقهم مع سياسته تجاه المناخ».
وبعد صمت طويل طالب وزير الخارجية جان إيف لودريان، من الرئيس الأمريكي عدم التدخل في شؤون فرنسا الداخلية.
وجهر وزير الداخلية الايطالي ماتيو سالفيني بدعمه للسترات الصفراء وصافا سياسة ماكرون «بالخاطئة».  وفي أحدث ضربة معنوية موجعة لباريس، طالب وزير التعليم العالي في جمهورية الكونغو الديمقراطية من «فرنسا الاهتمام بالسترات الصفراء وألا تتدخل في شؤونها»، كرد على تشكيك الخارجية الفرنسية في النتائج الرئاسية التي جرت مؤخرا  في البلاد.
وأمام التطورات الحاصلة في سوريا، عقب تأكيد الانسحاب المبرمج للقوات الأمريكية لم يسمع صوت فرنسا التي تعد لاعبا رئيسيا في النزاع  وتملك قوات على الأرض.
وكدليل على الآثار الوخيمة لغليان الجبهة الاجتماعية الفرنسية، دفعت أزمة السترات الصفراء بالرئيس ماكرون إلى إلغاء مشاركته في منتدى دافوس العالمي، والانغلاق داخل قصر الاليزيه لمتابعة سير الحوار الوطني، الذي تبدو نتائجه مخيبة للآمال بشكل مسبق، وعند استنفاذ هذه الورقة سيكون عليه التعامل مع واقع أكثر مرارة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019
العدد- 18099

العدد- 18099

الجمعة 15 نوفمبر 2019