مادورو تحت الضغوط الداخلية والإملاءات الخارجية

البوليفاريون يرفضون عودة حكم البرجوازية الكومبرادورية

جمال أوكيلي

بعد تشديد الخناق الاقتصادي على إيران لحمل قادته على الانسحاب من سوريا، العراق، ورفع يده عن اليمن وإزالة تأثيره على لبنان ونقاط أخرى من كل الرقعة الجغرافية المنتشر والمتواجد بها.. توجّهت الولايات المتحدة إلى بلد آخر تصنفه ضمن «الدول المارقة» أو ما يعرف في أدبيات الخارجية الأمريكية بـ «محور الشر» الذي يعترض دائما تمدّدها ويناهض حضورها في البقاع التي تريد أن تكون فيها رافعة راية الآمر والناهي.. ألا وهي فنزويلا التي استعصت دائما على الأمريكيين إخضاعها وإدخالها بيت الطاعة منذ أن تولى التيار الثوري الحكم فيها بقيادة هيغو شافيز.

 هكذا تنتقل ما تسمى بـ»الفوضى الخلاقة» من الشرق الأوسط ومن العراق بالضبط إلى أمريكا اللاتينية  و«البوليفارية» بالتدقيق نقف اليوم على فصولها المُعدّة في الغرف المغلقة بالبيت الأبيض لإسقاط حكم مادورو وإحلال محله ما سماه هو بنفسه بـ»الدمى» الطيعة من الصناعة الأمريكية تعود بالشعوب الحية والقوى التقدمية، والتيارات الطلائعية إلى مراحل غابرة من الهيمنة الإستعمارية المقيتة في أوجّ صراعها وقمة نزاعها مع فلول الإمبريالية العالمية المدمرة.
ما تشهده فنزويلا اليوم من صدام عنيف ما بين الإرادة الوطنية النابعة من الأعماق الشعبية وقوى التبعية التي تتلّقى  أوامرها من الخارج تترجم حالة نفسية سيئة لدى الأمريكيين الذين يرفضون رفضا قاطعا إبعادهم من هذا الفضاء الحيوي، ونقصد هنا أعماق أمريكا اللاتينية، بعدما كانت وكرا لمخابراتهم
أوعزت السطلة فيها إلى الشركات المتعدّدة الجنسيات، التي أطاحت بالرئيس الشيلي سالفادور أليندي.. والمعروفة باسم «أي.تي.تي» المتخصّصة في التكنولوجيا والاتصالات خلال السبعينات. السيناريو المحبوك اليوم، يشبه البارحة، غير أن الأسلوب المتبع طرأ عليه التغيير أو استبدل ليكون متساوقا مع السياقات الراهنة بمعنى تفادي الانقلابات العسكرية والاغتيالات السياسية لأن ذلك لم يعد مقبولا لدى الرأي العام العالمي، وبخاصة الدول الكبرى، وحتى الشعوب اليقظة ترفض مثل هذه الأعمال الدنيئة والمخزية.
المشهد حاليا في فنزويلا، أراده الأمريكيون بأن يكون على هذه الطريقة في إزاحة مادورو وترقية غوايدو إلى منصب الرئاسة يُعد ضربا من الخيال يندرج في إطار هذا المخطط الجهنمي الذي يطبق حاليا بصفة تدريجية زادته الدول الغربية تعفنا عندما طالبت مادورو بتنظيم الانتخابات في ٨ أيام.. فهل هذه الآجال واقعية أم تعجيزية ؟ من هي هذه الدولة التي بحوزتها عصا سحرية بضربة واحدة يكون التحضير جاهزا ماديا وبشريا؟ لن يقبل مادورو بهذه الضغوط القادمة من الغرب ما دام أنه تلقى المساندة من القوى المؤثرة في العلاقات الدولية كروسيا والصين، يضاف لها دول ذات وزن كإيران، تركيا وكوبا.. هذا الدعم المعنوي أفرز هامشا واسعا للرئيس الفنزويلي في إدارة الأزمة بأريحية بعيدا عن الطرح الأحادي الأمريكي فقط الذي يريد التخلص من الرئيس المنتخب بسرعة دون مراعاة جوانب أخرى. لا يُعقل تنحية مادورو بهذه الطريقة غير حضارية لم يأت إلى الحكم على ظهر دبابة أو وجد نفسه صدفة هناك.. وإنما هووليد الحاضنة الشعبية التي أوصلته إلى أعلى منصب في الدولة الفنزويلية غوايدو رئيس البرلمان له الأغلبية بداخل هذه الغرفة التشريعة لا يمكن له أن يحل محل من هو حي يرزق يؤدي مهامه كما خوّله إياها الدستور وحكمته في هذا الشأن ظهرت أكثر خدمة للبلد عندما دعا تلك الشخصية المعارضة إلى لقاء ثنائي.. لكن هذا الأخير رفض حتى لا تسقط وتنهار تلك التحالفات الوهمية الخارجية التي تطالب من مادورو الرحيل في أقرب وقت، أو الإسراع في تنظيم الإنتخابات.
لم نتعوّد في حوليات السياسة الخارجية الأوروبية أن يكون اهتمامها منصبّا على بلد من بلدان أمريكا اللاتينية مثل هذه الحالة مصنّفة في ذيل ترتيب أولويات هذه البلدان، هكذا صار سلوك هؤلاء.. أي عدم الاهتمام بتلك القارة مثلما هو الأمر بالنسبة لإفريقيا أو آسيا.. ماذا حدث يا تري حتى ثار الجميع ضد مادورو؟.
 لا يتعلّق الأمر هنا بالديمقراطية أو حقوق الإنسان أو.. أو.. كل ما في الأمر أن الأمريكيين ومن يسير على دربهم يشعرون أكثر من أي وقت مضى بأن نفوذ إيران وحلفاءها على أبوابها ولابد من التعجيل بذهاب مادورو، والإتيان بشخصية أخرى موالية لها.. وقد أقنعت أمريكا الأوروبيين بهذا الطرح ولم نستغرب من ردة فعلهم بعدما طالبوا هذا البلد بتفكيك منظومة الصواريخ الباليستية والكف عن ملاحقة المعارضة الإيراينة في أوروبا.
وإن استطاعت أمريكا والغرب الإطاحة بالنظام السياسي الفنزويلي القائم اليوم فإن كل الأنظمة الحاملة للفكر الثوري المناوئ للاستعمار سيكون مآلها الأفول رويدا، رويدا إلى غاية الانطفاء والانكفاء.
وتعود الرجعية وأذنابها إلى الحكم.. وبخاصة ما يعرف باليمين المتضامن مع البرجوازية الكومبرادورية المتعفنة والديكتاتوريات العسكرية القديمة التي ماتزال تحنّ إلى ماضيها وهذا بإعادة العمل بوجوه جديدة وهذا ما نلاحظه اليوم من خلال تقديم شخصيات تابعة لها إلى الواجهة لاستمالة المزيد من المعارضين.
ولا يمكن رحيل رئيس منتخب هكذا كونها سابقة خطيرة في ممارسة العمل السياسي تتحوّل إلى عادة سيئة في حياة الشعوب التي تختار حكامها بكل حرية وتمنحهم ثقتها الكاملة، هذا ما ينطبق على مادورو، الذي يراد له أن يخرج من الباب الضيق.. علما أم مطلب مغادرته للحكم ليس فنزويليا إنما يملى من الخارج لهذا لا يمكن مسايرته ومصيره الرفض القاطع الذي لا رجعة فيه موقف تاريخي.
للرجال الثوريين.. شعورا منهم بضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم وحرصا على الأمانة التي حمّلتها إياهم شعوبهم.
وهذا الاحتقان السياسي سيجد مخرجا إن آجلا أم عاجلا بين الفنزويليين مهما كانت درجة الخلافات بين مسؤولي هذا البلاد.. وسيجلس غوايدو إلى طاولة الحوار، لتجنيب البلاد إنزلاقات أخرى. هذه هي روح المسؤولية في هذه الأوضاع الصعبة.. لا يوجد شيء اسمه معارضة وإنما هناك مواطن فنزويلي حريص على وحدة الوطن والشعب وعليه وضع اليد في اليد ضروري في مرحلة حسّاسة كهذه يسجل فيها صراع على السلطة من قبل المعارضة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18102

العدد18102

الإثنين 18 نوفمبر 2019
العدد18101

العدد18101

الأحد 17 نوفمبر 2019
العدد18100

العدد18100

السبت 16 نوفمبر 2019
العدد- 18099

العدد- 18099

الجمعة 15 نوفمبر 2019