لبنان بحكومة للشركاء والفرقاء

انتصار لقيم التعايش وقبول الآخر

جمال أوكيلي

خرج لبنان منتصرا من معركة تأليف الحكومة بعد قرابة  ٩ أشهر من التجاذبات السياسية الهادئة في جلّ مسارها التزم فيها الشركاء والفرقاء على وضع خلافاتهم جانبا أو بالأحرى تأجيلها إلى إشعار آخر ريثما يتمّ الاتفاق على المنطلقات الأساسية مرجعيتها خدمة الوطن العزيز وحمايته من اللاإستقرار الواردة في البيان الوزاري الإطار العام لعمل أعضاء الحكومة.
 زيادة على اعتباره منظومة من التعهدات تستدعي إحترامها من قبل كل منخرط فيها.
اليوم لا يتعلّق الأمر التذكير بالمواقف البارزة والأحداث القوية وإنما علينا أن نشيد بحكمة وتعقل وبعد النظر للرئيس ميشال عون في تسيير «الأوضاع» أو المستجدات الطارئة دون أي تهويل أو تشنّج بالرغم من قساوتها وحدتها أحيانا، إلا أنه فضّل عدم السقوط في هذا المطبّ كون ذلك سيكلف البلد مزيدا من تضييع للوقت والدخول في متاهات هو في غنى عنها.. بينت التجارب السابقة بأن الخوض فيها إنما عمل مضر بمصلحة الوطن ويثير فريقا على آخر كما كان الحال في السابق.
الرئيس عون لم يقص أحدا بل كان منفتحا على الجميع لا يؤمن بتهميش الآخر، وخلال إشرافه على التيار الحر وقف بنفسه على حركية العلاقة بين مؤسسة الرئاسة والفعاليات الحزبية سواء خلال فترة حكم ميشال سلماني أو من قبل.. ولاحظ بأن هناك حلقة مفقودة في كل ما يجري أدت في نهاية المطاف إلى إحلال غياب الثقة وغضب البعض على البعض الآخر محل الخيارات الإيجابية القائمة على لم الشمل والسعي لبناء الوطن.
وأدرك الرئيس عون جيدا، بأن أخيار لبنان سيكونون في الموعد عند سماعهم لنداء أعماق الوطن، بوقوفهم كرجل واحد وهذا ما نسجّله اليوم من خلال تركيبة الحكومة المشكلة حديثا والمترجمة لكل أطياف المشكّلة حديثا والمترجمة لكل أطياف المجتمع السياسي، وهذا في حدّ ذاته يعد حسّا فريدا ونادرا قلما نجده عند الآخرين.
من نصر الله مرورا بجنبلاط إلى جعجع وغيرهم ممن صنعوا تاريخ لبنان السياسي في ظروف معينة.. هؤلاء على دراية بأن الحرب ما بين أبناء الوطن لا تنفع ولا فائدة من ورائها.. لذلك سارع الجميع خلال حادثة الجاهلية إلى وَأْدِ الفتنة بسرعة فائقة حرصا منهم على عدم انتشارها بالرغم من تلك الظروف المؤلمة التي عاشها أهل وئام وهاب في الجبل.
هذه الخلفية لابد منها بقدر ما تبين روح المسؤولية لدى الشركاء والفرقاء بقدر ما تكشف عن ذلك البعد التكاملي بين القمة والقاعدة في هذه الظروف الحسّاسة لترسيم الاستقرار بصفة نهائية،، هذا هو العنوان الكبير للمرحلة القادمة.
صحيح أن الكل يريد الاعتناء بالاقتصاد لاستدراك ما فات من تأخر في استغلال فرص الاستثمار المال والأعمال والتكفل أكثر بشؤون المواطن، إلا أن الشقّ السياسي يبقى هو المهيمن على الساحة اللبنانية ولا يجب أن نغفل على ذلك وهذا لعدة اعتبارات منها:
- موقع لبنان الجيو ـ استراتيجي المتاخم حدوده مع بلدان تشهد نزاعات دائمة أو مؤقتة (فلسطين وسوريا).. بالأمس استقبل الفلسطنيين واليوم يستضيف السوريين في مخيمات قائمة بذاتها، والمعروف أن القيادة اللبنانية ترفض رفضا قاطعا ما يسمى بـ «التوطين» ووصف عون هذه الصورة بالمجزرة ضد القانون الإنساني الدولي.
- الأوضاع في جنوب لبنان تصنّف في خانة لا حرب ولا سلم، تقابل ذلك يقضة غير مسبوقة للجيش في التصدي لأي محاولة إسرائيلية  للتطاول على الحدود كان آخرها اكتشاف الأنفاق إكتفى بردمها فقط.
- تضرّر لبنان كثيرا من النزاع المسلح في سوريا، وأحداث عرسال وتداعياتها خير شاهد على ذلك، حيث لجأ إلى مقاربة إبعادالخطر، ونقله إلى جهات أخرى.
* هناك إجماع ضمني بين قداة الأحزاب على الالتزام بكل ما تمّ إقراره تجاه استقرار البلد وهذا برفض كل أشكال التصعيد مهما كانت لهجة التصريحات المستعملة، هذا ما أدى إلى الاحتفاظ دائما بذلك الهامش لتأليف الحكومة، والتجاوب مع أصحاب المبادرة.
- غياب الخطاب القائم على إدراج لبنان ضمن الأجانب الإقليمية بادعاء إحالة قرار البلد إلى جهات أخرى خارجية لطالما تمّ ذكرها في فترة معينة، على أن مفاتيح الحل عندها.
- توقف الحملات الإعلامية من فريق تجاه فريق، آخر مما سمح في المضي قدما من أجل الوصول إلى المبتغى المنشود، أي تشكيل الجهاز التنفيذي ولم تعترض أي جهة على تسمية سعد الحريري لتولي رئاسة الحكومة، عندما اقترحه الرئيس عون حتى في خضم إقامته الطويلة بالسعودية الجميع تمنى عودته إلى البلد لاستئناف نشاطه.
هذه المعطيات وغيرها الداخلية والخارجية عجّلت باللبنانيين إلى اتخاذ القرار الصائب والمؤلم في آن واحد.. الصائب في تأليف الحكومة والمؤلم في التماطل أحيانا الذي لمس الإحباط عندما برز مؤشر مفاجئ المتمثل في جماعة اللقاء التشاوري بقيادة فيصل كرامي وشخصيات سنية متعاطفة مع حزب الله رفضها سعد في الحكومة وبالرغم من ذلك، فإن كل الأسماء سقطت ما عدا عبد الرحيم مراد.
هذه الحالات السياسية توجد في حكم التاريخ.. اليوم هناك خطاب جديد يحمله اللبنانيون المتوجه إلى بناء المستقبل وفق قواعد سليمة وأسس صحيحة، تراعي واقع البلد لذلك ارتأى الرئيس عون إلى أن تكون الحكومة سياسية بامتياز خلافا للأصوات التي تعالت والمطالبة بواحدة تقنوقراطية أي متكونة من شخصيات لها دراية عميقة بالملفات.. هذا لا يصلح للبنان حتى وإن كان ذلك حتمية لا مفر منها.
ويرجع ذلك إلى خلفيات طبيعة النظام القائم والتركيبة المجتمعية التي تريد ترقية مبدأ التعايش وقبول الآخر مهما كان الأمر ومنحه الصفة التمثيلية في مجلس النواب أو الحكومة خدمة للبنان وهذا ما نقف عنده اليوم في الحكومة الجديدة.
ولابد من الإشارة هنا هو ذلك التوافق السلس بين الرئيس عون وحزب الله في الانتقال بالبلد إلى آفاق واعدة وقد اعتمد نصر الله على العمل الهادئ البعيد عن الأضواء في هذا الإنجاز متجاوز كل ما كان يقال عنه إلى غاية ولادة الحكومة بالشكل الذي أراده اللبنانيون.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18268

العدد18268

الثلاثاء 02 جوان 2020
العدد18267

العدد18267

الإثنين 01 جوان 2020
العدد18266

العدد18266

الأحد 31 ماي 2020
العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020