الأستاذ عربي بومدين في حوار «الشعب»:

الشعوب العربية تعلّمت الدّرس ولن تعيد فصول «الرّبيع الدّموي»

حوار: فضيلة دفوس

النخب مطالبة بلعب دورها في التغيير

رفض السيد عربي بومدين، أستاذ العلوم السياسية بجامعة حسيبة بن بوعلي بالشلف في حواره مع «الشعب»، اعتبار ما يجري من حراك في الجزائر والسودان بأنه الجولة الثانية مما يسمى بـ«الربيع العربي»، وحاول الغوص في أسبابه ومآله، مشيدا بسلميته التي قال إنها عامل قوة وحماية من أي انزلاق.
 وأشار الأستاذ بومدين، إلى أن مرافقة الجيش للانتقال السياسي، أمر مقبول على أن تلعب النخب دورها في ضمان هذا الانتقال، وحذّر بشدّة من الاختراق الخارجي، مختتما بالتأكيد على أن المرحلة تتطّلب حلولا توافقية مصدرها الإرادة الشعبية للخروج إلى برّ الأمان.


«الشعب» ما يجري منذ أشهر من حراك في بعض الدول العربية، يصفه البعض بأنه الجولة الثانية مما يسمى بـ»الربيع العربي» ما مقدار الحقيقة في هذا الكلام؟
الأستاذ عربي بومدين: إن الحالة الجزائرية والسودانية شكّلت الاستثناء في لفيف التغيير الذي عرفته الدول العربية قبل ثماني سنوات، حيث استطاع النظامان احتواء هذه الموجة بنهج خيار الاصلاحات السياسية المدروسة، والاستجابة النسبية للمطالب الشعبية، وقد ساهمت عديد العوامل في تجدّد فعل الاحتجاج بهذه الدول أبرزها العوامل الاقتصادية في الحالة السودانية، والسياسية في الحالة الجزائرية.
وعن التوصيف المتعلق بأن ما يجري هو الجولة الثانية من «الربيع العربي»، فأنا لا أتوافق مع هذه الرؤية نظرا لخصوصية فعل الاحتجاج في الدولتين، لكن لدي بعض التفصيل في أنماط المطالبة بالتغيير في الحالتين: الحراك الجزائري ينتمي لجيل متقدم من الفعل الاحتجاجي في أشكال التحوّل والتعبير نتيجة الخبرة والتراكمية التاريخية، فقد شهدت الجزائر ربيعها بحسب جموع الجزائريين في مظاهرات أكتوبر 1988، فضلا عن مشاركة جميع أطياف المجتمع، بالإضافة إلى السلمية والمطالب السياسية المحدّدة، والتنظيم المحكم للمسيرات، وحتى استقالة ومغادرة الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة كانت دستورية ولم تكن مغادرته للسلطة بمثل ما حصل في مصر أو تونس أو اليمين أو ليبيا.
أما الحراك السوداني فأعتقد أنه يحمل بعض خصوصيات «الربيع العربي» ودلالة ذلك نمط التحوّل والتعبير المتصف بالعنف والعنف المضاد، حيث شهدت الاحتجاجات سقوط عدد كبير من الضحايا، بالإضافة إلى المصير الذي لقيه الرئيس السوداني السابق المشير عمر البشير، والزجّ به في السجن لمحاكمته، والأكثر من ذلك هو نمط انتقال السلطة الذي جاء عبر انقلاب عسكري في11 أفريل2019، ليتولى المجلس العسكري الانتقالي السلطة في السودان.

عنصر السلمية يشكّل عامل قوة

ما ردّكم على من يقول بأن سلمية الحراك يترجم تعلم الشعوب التي تخوضه الدرس جيدا، مما آل إليه الوضع بالدول التي نشدت التغيير قبل سنوات فوجدت نفسها تغرق في أزمات دموية عويصة؟
 أعتقد أن سلمية الحراك تتوقف على عاملين أساسين: العامل الأول متعلّق بالفاعل المُعترض ورغبته في التعبير السلمي، والعامل الثاني متعلّق بصفة كبيرة بالجهة أو السلطة المُعترض عليها، واستجابتها وتفاعلها مع الحراك.
في الحالة الجزائرية، أرى أن هناك وعيا كبيرا تشكّل لدى المجتمع والمحتجين بعنصر السلمية التي تمثل عامل قوة لحدّ الآن، هذا الوعي تشكّل نتيجة سببين: الأول مرتبط بالخبرة التاريخية، حيث خبر الجزائريون مثالب عدم الاستقرار والعنف في مرحلة التسعينيات، والسبب الثاني يرتبط إلى حدّ ما مع ما ورد في سؤالك، وهو ما ظهر في شعارات المحتجين «الجزائر ليست سوريا، «نريد التغيير لبناء الوطن»، «لا للتدخل الأجنبي» وغيرها، وفيما يتعلّق بالتعامل مع الاحتجاجات فإنّها تمّت بطريقة احترافية ماعدا بعض الاستثناءات، وذلك بفعل الخبرة التراكمية للأجهزة الأمنية في لتعامل مع هذه الأزمات.
في الحالة السودانية أعتقد أن التعامل الصلب مع الاحتجاجات هو الذي أدّى إلى العنف، بالإضافة إلى عدم الاتفاق داخل الأجهزة الأمنية والعسكرية نتيجة الخلفيات الاثنية والقبلية التي تتكون منها هذه الأجهزة، في المقابل هناك وعي لدى السودانيين أيضا بالعمل السلمي والمدني، حيث يمكن الإشارة إلى نقطة مهمة هي أن قوة الحراك السوداني تكمن أيضا في مطالبه المحدّدة، ووجود قيادة تمتلك درجة من الوضوح في الرؤية وتكتيكًا في الفعل، حيث قامت قيادة الحراك (تجمع المهنيين السودانيين) باحتواء باقي فصائل المعارضة في تحالف مشترك سمي «تحالف الحرية والتغيير».
هناك من يربط حراك التغيير في البلدان العربية بفعل المؤامرة الخارجية، ما تعليقكم على هذا الكلام، ثم أليس هناك في وطننا الكبير الكثير من الدوافع للاهتزازات التي تضرب كيانه؟
@َ@ هناك مبالغة كبيرة في استدعاء المؤامرة الخارجية في كل حدث يرتبط بحالة عدم الاستقرار في البلدان العربية، وهي مسألة كثيرا ما تستغلها الأنظمة لخلق تهديد وجودي في المخيال الاجتماعي والشعور النفسي لدى المواطن العربي لتبرير البقاء أو التكيّف والاستمرار في السلطة، مع ذلك لا يمكن نفي دور العامل الخارجي كفاعل مستثمر في الأزمات البنيوية التي تعاني منها الدول العربية، وتتعلق أساسا بالانسداد السياسي وعدم التداول السلمي على السلطة، فضلا عن الضعف والهشاشة الاقتصادية، وتفكّك النسيج الاجتماعي والثقافي بفعل الممارسات السلطوية على أساس أن التنمية هي المدخل الأساسي لتحقيق الأمن والاستقرار، وعليه فإنّ منطلقات الحراك في الجزائر والسودان هي ذات منشأ وطني داخلي، ولكن هي في مرمى الاستثمار والاختراق.

لا استقرار دون بناء دولة الحق والقانون

 لماذا يستقر كل العالم وتهتز بلاد العرب، ولماذا عجزت هذه الأخيرة عن بناء دول مستقرة مزدهرة بالرغم من أنها تنام على ثروات لا تنبض؟
  لا شكّ أن الأمر لا يخرج عن سببين يتعلقان بالجانب السياسي والاقتصادي، فالدول العربية مشكلتها في ثنائية الاستبداد والحرية، فهي تمنح الحرية والأمن مقابل الاستقرار، وهذا خطأ كبير في ممارسة الحكم والسلطة، بالإضافة إلى غياب المؤسسات، وانتشار ظاهرة الفساد الذي انتقل من فساد الأشخاص إلى الفساد المؤسس وتحوّل إلى ثقافة راسخة، وفي الشقّ الاقتصادي فإن غياب العدالة الاجتماعية وضعف توزيع الثروة، وضعف الأداء الاقتصادي مسببات مزمنة ترهن إلى حد كبير مسألة الاستقرار والبناء. ولعلّ النقطة المحورية في رأينا تتعلق بتضييق فضاء الحرية، فكلما كانت هناك حرية أمام الشعوب كلما أدّى ذلك إلى تحقيق الازدهار والنمو. وعليه فإن التحدي الكبير هو إيجاد آليات عملية للخروج من حالة التخلف السياسي والاقتصادي، ولن يكون ذلك إلا ببناء المؤسسات ودولة الحق والقانون.
 هل يمكن للبلدان العربية أن تخرج من حالة عدم الاستقرار هذه، وكيف السبيل إلى بناء دولة قوية لا تبعث اليأس في قلوب شعوبها؟
 الخروج من حالة عدم الاستقرار في المنطقة العربية لا تتمّ وفق مقاربة إصلاح تجميلية أو ظرفية، بقدر ما تتصل بإيجاد مقاربة جديدة للأمن قائمة على الأمن الإنساني من خلال تحرير الفرد من الخوف والحاجة وحماية كينونته من خلال الحماية والتمكين السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
النظم العربية القائمة على تضخيم الأجهزة الأمنية، تجاهلت مقاربة الأمن الإنساني وركزت على مقاربة قائمة على أمن الدولة والنظام، التي أدت في نهاية المطاف إلى إنتاج علاقة سلبية مع المواطنين والتعرّض لحقوقهم ولأمنهم الإنساني. وتنصرف عملية الاصلاح بالضرورة إلى إصلاح القطاع الأمني والقضاء ونظام العدالة، وتمسّ بالضرورة أيضا الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي جديد، والعمل على إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع ضمن رؤية شاملة تجعل الفرد محور أي عملية سياسية أو أمنية، بما يخدم أمنه في إطار يضمن له التفاعل والمشاركة من خلال التمكين للمجتمع المدني. وعليه فإن بناء دولة قوية لا تبعث على اليأس في قلوب شعوبها يجب أن يكون بعيدا عن منطق تقديس الأشخاص ليشمل أولوية الكفاءة والقيمة المضافة.

مسؤولية المؤسسة العسكرية

 بالرغم من انتقادات البعض، فقد أظهرت مؤسسة الجيش روح مسؤولية كبيرة في دعم مطالب التغيير التي رفعتها الشعوب الراغبة في إقامة أنظمة ديمقراطية حقيقية، ما قولكم؟
 الحكم على هذا الموضوع مازال مبكرا في الحالتين الجزائرية والسودانية نظرا لخصوصية وأدوار المؤسسة العسكرية في هذه الدول منذ الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، وباعتبارها المؤسسة الوحيدة التي مازلت تتمتّع بقبول شعبي واسع في المخيال الاجتماعي العربي، لكن أشير إلى دور الجيش في الحراك الجزائري.. أعتقد أن مؤسسة الجيش تطوّر خطابها في الاستجابة مع دعوات التغيير تدريجيا، وتكيّفت إلى حدّ كبير مع مجريات الحراك، وأصبحت تتصرف بعقلانية ترجع إلى البنية السوسيولوجية، حيث يتكون الجيش الجزائري من عموم المواطنين، فضلا عن عمليات تحديث تمّت داخل المؤسسة العسكرية من خلال العمل على الاحترافية وتطوير كفاءة الجيش، وأخيرا ما تعلّق بالعامل الخارجي، حيث تحاول مؤسسة الجيش الالتزام بالمعايير الدولية، والتصرّف وفق واجباتها الدستورية لدرء أي مبرّرات لتدخلات خارجية قد ترهن مستقبل البلاد.
بالمقابل في الحالة السودانية ومنذ بداية الأحداث، أصدر الجيش بيانين يدعم فيهما قيادة النظام الحاكم، وهذا نظرا لعاملين: أولا؛ علاقته مع كبار ضباط المؤسسة العسكرية وجهاز الأمن القائمة على الثقة المتبادلة التي عمل البشير على ترسيخها طيلة فترة حكمه، ثانيا؛ اعتماده على ما يعرف بقوات الدعم السريع (تعرف سابقًا بالجنجويد)، التي تدين بالولاء له، بالإضافة إلى الانقلاب العسكري الذي أنهى حكم عمر البشير، وعليه فإن مسألة تمدين السلطة وتحقيق رغبة الشعوب في إقرار الديمقراطية مازال طرحا قابلا للاختبار، وهو ما ستجيبنا عليه الأيام في مسار التطوّر السياسي بالجزائر وخاصة بالسودان.

دور النخب في الانتقال السياسي

كيف تتصورون مآل الوضع في السودان والجزائر، وهل تصل عجلة التغيير إلى هدفها؟
 فيما يتعلق بمآلات الوضع في السودان أعتقد أن مساعي التغيير الجذري لن تتحقق بسرعة كبيرة وبالصورة التي نتصور، وفي اعتقادنا، عجلة التغيير في كلا الدولتين ستصل على الأقل لتغيير بعض الممارسات السلطوية من خلال فتح المجال بصفة أكبر أمام حرية التعبير، والمشاركة الشعبية، ويمكن الاشارة الى أن أن الحالة الجزائرية ستأخذ نموذج الانتقال من خلال الحفاظ على مدنية الدولة، أما التجربة السودانية فهي مرشحة إلى انخراط الجيش في العملية السياسية على الرغم من مطالب الاتحاد الافريقي بضرورة تسليم السلطة إلى المدنيين، مع ذلك أعتقد أن مسألة التغيير ستبقى عويصة إلى حدّ ما، وعلى النخب السياسية في الدولتين أن تلعب الدور الكبير في ضمان الانتقال السياسي.

توافق سياسي بمرافقة المؤسسة العسكرية

هل من مخاطر تحوم بالحراك وكيف يمكن تفاديها إن وجدت؟
 المخاطر التي تحوم على هذا الحراك هي طبيعية ومرتبطة بتعقيدات الانتقال والمراحل الانتقالية التي تكون صعبة، خاصة في النظم السياسية العربية، وعليه يمكن الإشارة إلى جملة المخاطر في: الحالة الجزائرية يمثل بطء الاستجابة للمطالب الشعبية عنصرا سلبيا قد يطيل عمر الأزمة ويؤدي إلى نتائج عكسية، يمثل الخروج عن الإطار الدستوري انحرافا خطيرا قد يرهن مستقبل البلاد السياسي، وعليه لا بد من التوافق السياسي في المرحلة القادمة مع مرافقة وبالشراكة مع المؤسسة العسكرية، قد يمثل عنصر عدم التأطير عامل ضعف للحراك الشعبي في الجزائر، وعليه لا بد من افراز قوة دافعة تفاوض باسمه.
أما في الحالة السودانية، فإن الحراك يواجه شبح عودة الظاهرة العسكرية، وقد تطول الفترة الانتقالية، ما قد يؤدي إلى تحديات كبيرة تواجه مأسسة السلطة المدنية. وعليه فإن المرحلة تتطلّب حلولا توافقية بعيدا عن الحسابات الايديولوجية والسياسوية الضيقة للخروج إلى بر الأمان وبناء عملية سياسية أساسها ومصدرها الإرادة الشعبية في ظلّ عالم معولم يتطلب بناء سياسيا واقتصاديا لمواجهة الكبار.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18032

العدد 18032

الأحد 25 أوث 2019
العدد 18031

العدد 18031

السبت 24 أوث 2019
العدد 18030

العدد 18030

الجمعة 23 أوث 2019
العدد 18029

العدد 18029

الأربعاء 21 أوث 2019