الفساد ظاهرة عالمية تنخر اقتصاديات الدول وتكبح تقدّمها

الجزائر بحاجة إلى صياغة منظومة قانونية صارمة لمكافحة لصوص المال العام

أجرت الحوار : فضيلة دفوس

لابدّ من خطط تثقيفية لتوعية العامة بالآثار السلبية للفساد وإشراكها في مواجهته

اعتبر البروفيسور بوحنية قوي عميد كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة قاصدي مرباح بورقلة في حواره مع «الشعب»، أن الفساد أضحى ظاهرة عالمية وآثاره مدمرة، حيث يقوم بتفكيك البنية الاقتصادية للدولة لهذا وجب مكافحته بمنظومة قانونية صارمة وبذهنية وعقلية جماعية مكافحة له. وأكد البروفيسور بوحنية في سياق حديثه، أن الجزائر لم تكن بموضع أفضل مقارنة بباقي الدول التي تعاني من الفساد،وقال إن المشرّع الجزائري  حاول إيجاد الآليات القانونية الإدارية والقضائية التي من شأنها أن تحقّق الوقاية من الفساد ومكافحته، ومع ذلك، فإن فعالية هذه الأليات تبقى نسبية إلى حدّ بعيد، ما يحتّم إثراء المنظومة القانونية في هذا الشأن حتى يتم تفادي الثغرات التي يستعملها البعض للاعتداء على المال العام.

«الشعب»: لا شكّ أن ظاهرة الفساد التي أصبحت حديث الساعة هي ظاهرة عالمية تعانيها كل الدول لكن بشكل متفاوت، ما تعليقكم؟
البروفيسور بوحنية قوي: يعتبر الفساد من أخطر المشكلات التي تواجه الدولة بسبب تعدّد مظاهره وصوره، خاصة في ظلّ التغيرات التي يشهدها المجتمع الدولي الحالي نتيجة إفرازات العولمة وظهور فواعل جديدة، مما أدى إلى تراجع دور الدولة وبالتالي أصبح الفساد ظاهرة عالمية تجاوزت حدود الدولة ولم يعد باستطاعتها التحكّم فيها ولا مكافحتها لوحدها،  أمام التطور الهائل الذي عرفه الاقتصاد العالمي بالأخص التجارة العالمية الحرة، وما تشهده حركة رؤوس الأموال من ديناميكية متسارعة أدت إلى تزايد  ظاهرة غسيل وتبييض الأموال، ناهيك عن تطور التكنولوجيا.
إن الفساد أضحى ظاهرة عالمية، لذلك تشكّلت علوم جديدة لدراسته مثل الاقتصاد السياسي للفساد، كما تأسّست في برلين سنة 1993 منظمة دولية هي ـ منظمة الشفافية الدولية ـ التي يعهد إليها بضبط وتصميم مؤشرات ومدركات الفساد في العالم بهدف القضاء عليه.
 تأثيرات سلبية كثيرة للفساد على الدول، ما الأشكال التي تتخذها هذه الظاهرة وانعكاساتها اقتصاديا واجتماعيا؟
 يقوم الفساد بتفكيك البنية الاقتصادية للدولة ويشيع مظاهر جديدة كالفساد الصغير الذي يرتبط بأنواع مختلفة من الفساد، المرتبطة بطبيعة الموظف العام وعلاقاتها بالزبائن ثمّ يتدرج ليصبح فسادا بنيويا ينخر الدولة ويهشّمها.
وهناك من يحدّد أنواع أخرى للفساد على أساس طبيعته من حيث سياسي أو اقتصادي أو إداري، بحيث يرتبط الفساد بطبيعة المجال الذي ينتمي إليه.
وهناك الفساد الوطني والمحلي والعابر للأوطان والذي  تساهم فيه شبكات وطبقات من صناع القرار والمافيا السياسية التي تشتغل في عالم العقار وتبيض الأموال والجريمة المنظمة.  
بالمجمل، الفساد قد يأخذ أبعادا مخملية فلا يظهر إلا بعد دراسات دقيقة وتمحيص معمّق، لذلك يجب تأطير الفساد ومكافحته بمنظومة قانونية صارمة وأيضا  بذهنية وعقلية جماعية مكافحة له.
 كثيرا ما تنشر الأخبار عن سجن رئيس أو مسؤول كبير في الغرب بتهمة الفساد وهناك حتى من ينتحر وهذا يعني أن هناك صرامة في التعامل مع المفسدين ما يقلّص من الظاهرة في الغرب، ما قولكم؟
 المشكلة أن هذا النوع من الفساد ينتشر عندما تغيب دولة العدل والقانون بحيث تصبح الطبقة السياسية الحاكمة هي التي تمارس الفساد بكل أنواعه وتخلق طبقة سياسية واجتماعية جديدة فاسدة بدورها، وهذا يؤثر على البيئة التشريعية من حيث بروز مؤسسات تحتكم فيها سلطة المال الفاسد وليس منطق الكفاءة والاقتدار.
الدول التي تحاول الخروج من هذا النفق تلجأ إلى محاكمة المسؤولين والسياسيين، وأحيانا تصل عقوباتهم إلى تهمة الخيانة العظمي، وهو ما يبعث رسالة طمأنة للمواطنين بأن المشهد المستقبلي سيكون طبيعيا وستحكمه قواعد وبنى دولة الحق والعدل والقانون.
منظومة قانونية صارمة لمحاربة الفساد
 نتحدّث عن الظاهرة في عالمنا الجنوبي حيث تستفحل بقوة، ما أسباب ذلك؟
 أسباب ذلك هيكلية تاريخية، فبعضها يرتبط بالتاريخ، إذ أن كثيرا من الدول حكمتها عصبة فاسدة بعد الاستقلال أو ورّثت هذا الفساد لعائلاتها وأبنائها وأقاربها، مما رهن الدولة وحوّلها إلى دولة شركات وعلاقات زبونتية تقوم على منطق القرابة.
وهناك أسباب ترتبط أيضا بهشاشة البناء القانوني الذي لا يقاوم الفساد، وعوامل ترتبط أيضا بطبيعة النخبة السياسية التي تمارس التشريع والتي تعتمد على منطق الفاسد في تولي المناصب.
يضاف إلى ذلك غياب ثقافة جماعية ومجتمعية مهيمنة ومؤثرة في مكافحة الفساد، وهذا بدوره يؤدي إلى إفساد المجتمع.
 كيف تحمي الدول نفسها من الفساد، هل بفرض سلطة القانون أم بأشياء أخرى؟
** يجب على الدول أن تتبنّى منظومة تشريعية صارمة تجرّم الفساد وتربطه بالجرائم الكبرى ذات الطابع الاقتصادي والسياسي، وبالمقابل يجب اعتماد نظام بنكي ومصرفي يتعّقب رؤوس الاموال وانتقالها مما يضمن مكافحة الجريمة المالية والاقتصادية.
كما يجب الحرص على مراعاة المراجعة الدورية للمؤسسات ولأصحاب المناصب بشكل سنوي، مما يقضى على عناصر التربّح والإثراء غير المشروع.  
إضافة إلى أن تنقية الساحة السياسية من الأحزاب التي تعتمد منطق المال الفاسد، تعتبر عملية أكثر من مهمة في وقتنا الحالي للخروج الآمن من نفق الفساد.
هل من نماذج عن تجارب دول نجحت في محاربة ظاهرة الفساد؟
 هناك نماذج مهمة في مجال مكافحة الفساد تكشف عنها التقارير السنوية لمنظمة شفافية الدولية.
ويُعد مؤشر مدركات الفساد أحد أهم الإصدارات البحثية لمنظمة الشفافية الدولية وهو المؤشر الرائد عالميا الذي يسلّط الضوء على الفساد في القطاع العام ويعطي لمحة سنوية عن الدرجة النسبية لانتشار الفساد.
ولإحراز تقدم حقيقي في المعركة ضد الفساد ولتعزيز الديمقراطية في أنحاء العالم، تدعو منظمة الشفافية الدولية جميع الحكومات إلى:
- تقوية المؤسسات المسؤولة عن ضمان فرض الضوابط والتوازنات على السلطة السياسية، والحرص على أن تعمل
هذه المؤسسات دون التعرض للترهيب.
- سد الفجوة بين سَنّ التشريعات المتعلّقة بالفساد وتنفيذها على أرض الواقع وتطبيق أحكامها.
- دعم منظمات المجتمع المدني، خاصة على المستوى المحلي، وهو ما سيعزّز المشاركة السياسية ورقابة الرأي العام على الإنفاق الحكومي.
- دعم استقلالية الإعلام وحريته، وضمان سلامة الصحفيين وقدرتهم على العمل دون أي تخويف أو تضييق.  
وتحترز الدول الاسكندنافية مكانتها الأولى سنويا في مجال مكافحة الفساد وأيضا بعض الدول الأوربية، بالإضافة إلى نيوزيلندا وسنغافورة ودول خليجية.
 ترسانة تشريعية دون جدوى
 الجزائر كغيرها من الدول ليست بمنأى عن آفة الفساد، لكنّها قرّرت محاربتها والقضاء عليها، ما تعليقكم؟  
تعتبر الجزائر من الدول التي لم تكن بموضع أفضل مقارنة بباقي الدول التي تعاني من الفسادو وذلك رغم ترسانتها القانونية والتشريعية.
وشاب العقد الأخير العديد من قضايا الفساد التي طغت على الحياة العامة في البلاد، مثل قضية الطريق السيار «شرق - غرب» التي أهدر فيها 11 مليار دولار، وقضية شركة «سوناطراك» النفطية (250 مليون دولار رشوة)، بالإضافة إلى قضية رجل الأعمال عبد المؤمن الخليفة التي كلفت خزينة الحكومة 5 مليارات دولار.
واللافت أن هذه القضايا وغيرها من قضايا الفساد التي طُرحت أمام القضاء بين سنوات 2012 و2015، لم تبلّغ عنها الهيئات الرسمية المخوّلة بمحاربة الفساد، لكنها كانت بسبب تطرق القضاء الدولي إليها، أو بسبب الضغوط الإعلامية من صحف وقنوات محلية مستقلة، مع العلم أن الجزائر أنشأت العديد من الأجهزة والآليات الخاصة بمكافحة الفساد منها الهيئة الوطنية للوقاية من الفساد، والديوان الوطني لقمع الفساد، ومجلس المحاسبة، ناهيك عن مجموعة من القوانين والاتفاقيات منها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003 \ والتي وقعت عليها الجزائر في 2004، وقانون 2006 لمكافحة الفساد الذي يعتبر أهم مدونة قانونية تمّ تشريعها بهذا الصدد.
هل تكفي المنظومة القانونية الجزائرية الحالية  للتصدي لظاهرة الفساد؟
 حاول المشرّع الجزائري إيجاد الآليات القانونية الإدارية والقضائية التي من شأنها أن تحقّق الوقاية من الفساد ومكافحته، ومع ذلك فإن فعالية هذه الأليات تبقى نسبية إلى حدّ بعيد، ما يحتم إثراء المنظومة القانونية في هذا الشأن حتى يتمّ تفادي الثغرات التي يستعملها البعض للاعتداء على المال العام، فعلى المشرع مثلا إصدار قانون يحدّد شروطا صارمة تتعلق بالكفاءة والنزاهة والنجاعة للتعيين في الوظائف التي يشرف مسؤولها على إبرام وتنفيذ الصفقات العمومية، وفي هذا الإطار نوصي بمراجعة شروط الترشح لعضوية المجلس الشعبي البلدي والولائي حتى يشرف على إبرام صفقات البلديات والولايات منتخبون يتمتعون بالكفاءة اللازمة.
وعلى المشرع أيضا تجريم إبرام الصفقات العمومية عن طريق إجراء التراضي خارج المجالات المنصوص عليها في المادتين 37 و38 من تنظيم الصفقات العمومية، وتطوير الرقابة الإدارية عليها.
ونشر التقارير السنوية لمجلس المحاسبة في الجريدة الرسمية، مع الدعوة إلى تشديد التجريم في مجال الصفقات العمومية ومواكبة تطور الجرائم في هذا المجال.
لابد من تغليظ العقوبات على المذنبين
 ما السبيل للحدّ من الفساد في الجزائر؟
 يجب تشجيع فعاليات ونشاطات المجتمع المدني والصحافة الحرة والاستقصائية بمختلف أنواعها من أجل الانخراط والمساهمة في ترسيخ ثقافة النزاهة والمواطنة، وكشف ونبذ كل أشكال الفساد.
ضرورة إعادة النظر في التكييف القانوني للجرائم المتصلة بالفساد وتشديد العقوبات إلى أقصى حدّ ممكن.
تبليغ وكشف آليات الفساد المستخدمة من طرف المفسدين.
إجبارية التطبيق الفعلي للنصوص القانونية الخاصة بالتصريح بالممتلكات.
ضرورة تطوير الأجهزة المكلفة بمحاربة الفساد على رأسها الشرطة، الدرك الوطني، الجمارك وذلك فكريا وتقنيا وعلميا بما يتلاءم والتطور الذي يعرفه الإجرام عبر العالم.
حتمية إرساء وتدعيم مبدأ الشفافية واعتماد نجاعة الأجور للحدّ من إغراء كل الموكلين لتسيير ورقابة المال العام (الأمرين بالصرف، أعوان الجمارك، أعوان الخزينة، المراقبين الماليين).
توافر الدعم الشعبي على نطاق واسع وهو الأمر الذي تستطيع مؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام الاضطلاع بدور مهم فيه عبر تنظيم حملات التوعية بالمخاطر الآتية والمستقبلية للفساد، وكذا حشد التأييد اللازم لدعم أجندة الإصلاحات.
إعداد برامج المكافحة بما يتوافق وأوضاع الجزائر، لأن فاعليتها تقتضي الأخذ بعين الاعتبار الخصائص التاريخية للمجتمع الجزائري وكذا أوضاعه الاقتصادية.
خطط تثقيفية تتيح توعية العامة بالآثار السلبية لعمليات الفساد على مستويات المعيشة وكذا أهمية تحملهم لمسؤولياتهم في مراقبة أداء الحكومة ورصد عمليات الفساد المحتملة.
مكافحة الفساد تبدأ من الداخل ومن الولايات وتتكامل مع محاربة الفساد ذي الطبيعة الوطنية ثم الطبيعة الدولية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019