تحديات صعبة يفرضها «الحوثيون» والحراك الجنوبي

اليمن يجتاز مرحلته الانتقالية

فضيلة دفوس

على غرار ما يسمى ببلدان «الربيع العربي»، انتفض الشعب اليمني قبل ثلاث سنوات وثار ضد رئيسه علي عبد الله صالح، الذي تعنّت وتشبّث بكرسي الحكم ورفض التنحّي، الأمر الذي أغرق البلاد في حالة من التوتر والاضطرابات والمواجهات الدموية.
وأمام هذا التصعيد الخطير، سارعت بلدان الخليج للعب دور رجل المطافئ ولإخماد النيران الملتهبة في حديقتها الخلفية قبل أن تصل إليها.
فمدّت اليمنيين بما يسمى «المبادرة الخليجية» التي تقضي بتنحّي صالح وحصوله على الحصانة، فيُعفى ومقربوه من أية متابعة قضائية، ويتولى نائبه عبد ربّه منصور هادي السلطة لمرحلة انتقالية تبنى فيها المؤسسات ويصاغ دستور جديد وتجرى الاستحقاقات العامة.
وشددت المبادرة الخليجية، التي شكلت قشة نجاة أنقذت اليمن من السقوط في فخ احتراب داخلي، على ضرورة عقد مؤتمر جامع للحوار الوطني بقصد إنجاح التحول الديمقراطي.
وفعلا، وبعد عشرة أشهر كاملة من اللقاءات والاجتماعات، توّج مؤتمر الحوار الوطني قبل نحو أسبوعين بوثيقة اعتمدت صيغة الاتحاد لشكل الدولة اليمنية الجديدة بحيث تتكون من عدد من الأقاليم، وتشمل الوثيقة التقارير النهائية لفرق العمل والمعنية بقضايا الجنوب وصعدة في الشمال، والحقوق والحريات واستقلالية الهيئات ذات الخصوصية والحكم الرشيد والدفاع والأمن، بالإضافة إلى قضايا التنمية المستدامة والعدالة الانتقالية وبناء الدولة...
كما تتضمن الوثيقة عشرات الموجّهات الدستورية والقانونية التي تم الاتفاق عليها بشكل نهائي من قبل أعضاء المؤتمر والتي ستضمّ إلى مواد الدستور الجديد الذي سيطرح للاستفتاء الشعبي عقب الانتهاء من صياغته النهائية بعد حوالي ستة أشهر.

خارطة طريق لبناء دولة ديمقراطية

خلافاً لدول «الربيع المريع»، سلك اليمن طريق الحوار وحرص من خلاله على إنجاح الانتقال الديمقراطي السلمي، ورغم أن المهمة تبدو صعبة، بالنظر إلى التحديات الكبرى التي تواجهها هذه الدولة أمنيا وسياسيا واجتماعيا، إلا أنّ الإرادة في استعادة الاستقرار والالتفات إلى بعث التنمية وتحسين الظروف المعيشية للمواطن اليمني، الذي يعتبر من بين أفقر مواطني العالم العربي، مكّنت حتى الآن من استكمال مؤتمر الحوار الوطني بنجاح باهر أثار إعجاب العالم أجمع الذي أثنى على روح التصالح الذي ميّز أبناء اليمن الذين يتطلعون إلى بناء دولة حديثة تسع الجميع باختلافاتهم السياسية والمذهبية، من خلال إقامة نظام اتحادي يضمن إيجاد حل وسط لقضية الجنوب وصعدة.
وكان الرئيس اليمني، عبد ربّه هادي منصور، أعلن، قبل أسبوعين، أن مؤتمر الحوار الوطني أنهى أعماله على قاعدة «لا غالب ولا مغلوب»، وأن البحث جارٍ لإيجاد حلول لقضيتي الجنوب والشمال.
وأردف هادي في حفل اختتام أعمال المؤتمر، أن اليمنيين توصّلوا إلى وثيقة جامعة بعد استكمال الحوار تُخرجهم إلى برّ الأمان بعد أن تنازلت كل القوى السياسية عن مصالحها الخاصة لصالح اليمن الجديد.
وشدّد على أن النجاح الحقيقي لمؤتمر الحوار، يكون بإطلاق ورش البناء والتشييد والتخلي عن معاول الهدم، مؤكدا التزامه بالعمل على تنفيذ ما ورد في وثيقة مؤتمر الحوار بعد إقرارها دستوريا.
من جهته، أعلن المبعوث الأممي إلى اليمن، جمال بن عمر، أن القضية الجنوبية وإعادة بناء الوحدة تتم على أسس ديمقراطية في إطار دولة موحدة.
وقال، إن الوثيقة عبارة عن مجموعة مبادئ ستكون أرضية أولى لصياغة الدستور الجديد.
بدوره قال الأمين العام الأممي، بان كي مون، إن مؤتمر الحوار الوطني اليمني، عالج القضايا الصعبة وتحديدا قضيتي الجنوب وصعدة والتزم بدعم العملية الانتقالية.

ضرورة تنفيذ مقررات الحوار

الحوار اليمني كان شاملا وأحاط بجميع القضايا المطروحة وتوصياته تشكل خارطة طريق للخروج من الأزمة والالتفات إلى البناء والتنمية، لكن ما يهمّ الآن هو تنفيذ هذه التوصيات إلى غاية تتويجها بصياغة دستور جديد وتنظيم انتخابات نيابية ورئاسية.
وبخصوص الدستور المرتقب، أكد الرئيس اليمني أنه سيتضمن مبادئ وأسسا هامة لحماية الحقوق والحريات لكافة المواطنين.
وأوضح بأن المرحلة القادمة ستشهد تشكيل لجنة لصياغة الدستور ونزول أعضاء مؤتمر الحوار إلى المحافظات والمديريات لشرح وبلورة وثيقة الحوار الوطني لكافة الناس، حتى يسهل استيعابها والتصويت على الدستور الجديد والاستفتاء عليه.
هذا وقد أصدر الرئيس عبد ربه منصور هادي، قرارا يقضي بتشكيل لجنة تسمى لجنة تحديد الأقاليم برئاسته.
وبحسب القرار، تتولى اللجنة المكونة من ٢١ عضوا، بالإضافة إلى المقرر، القيام بدراسة وإقرار خيار ستة أقاليم، أربعة في الشمال وإثنان في الجنوب، مع ترك حرية اختيار أقاليم جديدة للحوار بين اليمنيين.
كما تتولى اللجنة تحديد عدد الأقاليم والولايات التي سيتشكل منها كل إقليم، مع مراعاة الواقع الحالي لتجاوز العامل الجغرافي وعوامل التاريخ والثقافة.
ومعلوم أن الرئيس اليمني وعد بمرحلة جديدة تسودها العدالة والمساواة بين كافة اليمنيين، في إطار دولة اتحادية عادلة تحافظ على وحدة وأمن واستقرار البلاد.
وقال، إن نظام الأقاليم في الدولة اليمنية الجديدة التي سيتم تشكيلها، سيكون ملبيا لطموحات الجماهير ويوفر الإمكانات الأمنية بصورة أفضل، حيث سيكون في كل إقليم برلمان ومجلس وزراء خدمي ماعدا وزارتي الدفاع والخارجية تمثلان السيادة الوطنية. وأضاف، أنه سيكون من حق كل يمني أن يتنقل أو يعيش أو يستثمر ويعمل في أي إقليم تتوفر له الفرصة فيه.

مشكل الحراك الجنوبي والحوثيين

ويبدو جليا أن نظام الأقاليم أو الاتحادي من شأنه أن يحلّ الكثير من مشاكل اليمن، خاصة بالنسبة للمشكلة الجنوبية وإصرار الحراك هناك على الانفصال بدولته المستقلة. لكن السؤال يبقى مطروحا، هل يقبل الجنوبيون الالتزام بمقررات الحوار الوطني، خاصة وأن قادة الحراك الجنوبي أكدوها صراحة، بأنهم لم يكونوا طرفاً في التوقيع على المبادرة الخليجية التي تعتبر الأساس الذي قام عليه حوار صنعاء، ولهذا فهم غير معنيين - كما أضافوا - بنتائجه أو بالوثيقة الصادرة عنه.
صحيح أن اليمن يتحسّس طريق الخلاص، وصحيح أيضا أنه تجاوز العديد من العقبات، لكن ثمة تحديات كبيرة عليه مواجهتها والتغلب عليها، والمؤكد أن ذلك لم يتحقق إلا بتنازلات قدمتها مختلف أطراف الأزمة، وبدعم مادي من الدول الخليجية حتى يبسط الأمن والاستقرار أجنحته في حديقتها الخلفية.
وتبقى مشكلة الحراك الجنوبي والحوثيين في الشمال والقاعدة والإرهاب، تحديات كبرى أمام اليمن.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018