في غياب آليات التسوية السلمية

الخيارات العسكرية بديل لحل النزاعـات الإفريقية

س. ناصر

قد تمثل الحلول العسكرية والأمنية خيارا أخيرا لا مفر منه في الواقع الإفريقي المزري وهو ما يعبر عن إخفاق وفشل الإجراءات الوقائية مثل الوساطة والتفاوض والخيارات السلمية.
كانت حصيلة السنة الماضية في إفريقيا كارثية بكل المقاييس، لاسيما في مجال تسوية الصراعات السياسية.

فقد تراجعت آليات التسوية السياسية السلمية كالوساطة والحوار والتفاوض أمام تفضيل الحلول العسكرية والأمنية المفروضة من الخارج أو الداخل أو من كلاهما معا. وتشكل الوضعية أحد تحديات الاتحاد الافريقي.
تمكن متمردو “سيليكا” في مارس ٢٠١٣ من الإطاحة بالنظام الحاكم في جمهورية إفريقيا الوسطى، الشيء الذي خلق فوضى عارمة وأعمال عنف واسعة النطاق، إذ تم خلالها توظيف البعد الديني بشكل واضح وتمت تصفية الكثيرين عرقيا خاصة المسلمين. حيث قامت ميليشيات مسيحية بمهاجمة المدنيين وأنصار “سيليكا” وهو الأمر الذي أدى بفرنسا إلى التدخل العسكري في هذه الدولة الإفريقية الحبيسة.
ولم تقتصر خبرة التدخل الأجنبي على هذه الحالة وحدها، إنما بدأت مطلع عام ٢٠١٣ عندما أرسلت فرنسا نحو أربعة آلاف جندي من قواتها إلى مالي لتقود تحالفا إفريقيا نجح في نهاية المطاف في القضاء على المجموعات الإرهابية بشمال البلاد.
كما أرسلت الأمم المتحدة كتيبة عسكرية تتألف من قوات جنوب إفريقية ومالاوية وتنزانية لدعم الجيش الكونغولي في القضاء على متمردي “أم ٢٣” نوفمبر ٢٠١٣.
الطابع الأعم في تسوية الصراعات الافريقية قائم على التدخل العسكري الذي تتولاه قوات إفريقية بمساندة دولية قوية وليس عن طريق حلول سياسية.
يتضح ذلك من خلال ما حدث في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية ودولة جنوب السودان والصومال ونيجيريا والكامرون، في مواجهة الجماعات الإرهابية، وكل ذلك يعبر عن فشل الإجراءات الوقائية والحلول السياسية التي لم يشجع على القيام بها. وعلى الرغم من التطور الذي حققته إفريقيا في مواجهة تدخل العسكريين في الحياة السياسية. فإنها لاتزال تفتقد وجود جهاز مهني محترف يقوم بعملية الوساطة والتفاوض في الصراعات الشائكة، رغم جهود الاتحاد الإفريقي عبر جهاز مجلس الأمن والسلم.
وإذا كانت تكلفة الخيارات العسكرية، سواء من الناحية المالية أو التقنية، عالية ولا تقوى عليها كثير من الدول الافريقية، لأزماتها الداخلية غذائيا وصحيا وتعليميا، فإن التعويل على آليات منع عسكرة الصراع يصبح هو الخيار الأفضل. ومما يضفي صعوبة على إدارة الصراعات الافريقية أنها ذات طبيعة معقدة ومتغيرة، مما يعني عدم إمكانية وضع حدود فاصلة بين أطراف الصراع وتحديد مطالبهم.
ولذلك على الوسطاء معرفة الطبيعة المميزة لكل صراع، فضلا عن تحديد الأطراف المتصارعة التي تمتلك مصلحة خاصة في استمرار النزاع وعدم الاستقرار.
وقد أظهرت مصر ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى فشل جهود الوساطة، ليس لضعف كفاءة المفاوضين والوسطاء، ولكن لتعقيدات مواقف الأطراف المتصارعة وصعوبة اختيار شركاء التفاوض، فعندما تتفاوض حكومة شرعية مع جماعات سياسية متنافسة قد تكون أحيانا مؤلفة من عناصر متمردة أو مافيا التهريب أو إرهابيين.
فتسويه الأزمة المصرية بعد عزل مرسي، سواء الوساطة المحلية أو الدولية، فشلت بسبب تمسك طرفي الأزمة بمبادئ المباراة الصفرية التي يخرج منها أحد الأطراف منتصرا، بينما يخسر الطرف الآخر كل شيء.
لقد أضحى المتغير الديني أحد عناصر تعقد الصراعات في الواقع الإفريقي المعاصر، كما لجأت الحكومات الإفريقية الى استخدام الحلول الأمنية والعسكرية لمواجهة وحسم هذه الصراعات العنيفة، فالحكومة النيجيرية تخوض حربا ضروسا مع جماعة بوكو حرام. ولعل هذا الصراع يختلف عما يحدث في مالي أو الصومال أو جمهورية افريقيا الوسطى، نظرا لرفض الحكومة النيجيرية أي تدخل أجنبي من قبل الإيكواس أو الاتحاد الإفريقي.
وهنا لا يخفى على أحد أن الحلول العسكرية والأمنية لا تستطيع الصمود والاعتماد عليها في الأمد الطويل لأنها تقوض دعائم التحول الديمقراطي وتنال من الحقوق المدنية والسياسية للمواطنين.
فالحسم العسكري فشل حتى الآن في تجارب نيجيريا والصومال والكاميرون، ولعل ذلك كله يدفع في اتجاه التسوية السلمية.
يمكن النظر إلى فشل النخبة السياسية في إفريقيا باعتباره أحد أسباب اللجوء إلى مؤسسة الجيش لتطرح بديلا قياديا لإنقاذ البلاد.
غير أن اللجوء إلى الحلول التوافقية والسياسية التي تتضمن إبرام صفقات وتقديم تنازلات من جميع الأطراف تمثل الخيار الأنجع لتحقيق السلام والاستقرار في ربوع القارة السمراء.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018