الأستاذ رابح زاوي لـ«الشعب»:

الإضراب ضد قانون التقاعد.. الشجرة التي تغطي حجم الاحتقان الاجتماعي في فرنسا

حوار: فضيلة دفوس

 ماكرون فشل في إدارة الملفات الكبرى داخليا وخارجيا

تتوقّف «الشعب» اليوم مع السيد رابح زاوي أستاذ العلوم السياسية بجامعة مولود معمري بتيزي وزو، عند أجواء التوتر والغليان الاجتماعي الذي تعيشه فرنسا  بسبب الإضرابات التي مسّت جميع القطاعات احتجاجا على إصلاح قانون التقاعد، ورفضا لسياسة الرئيس إمانويل ماكرون.
الاستاذ رابح زاوي خلص إلى أن فرنسا تعيش واحدة من  أصعب الفترات في تاريخها ما بين جبهة اجتماعية ساخنة وغير مستقرة تماما، ووضع اقتصادي يشتدّ صعوبة، وسياسة خارجية فقدت الكثير من بريقها، وأرجع كل هذا إلى الضعف الذي أبانته السلطة الحاكمة على كلّ المستويات.

«الشعب» تعيش فرنسا حالة ضغط اجتماعي غير مسبوقة بفعل الإضرابات التي تشل البلاد، ماهي قراءتكم للمشهد العام في فرنسا اليوم؟
الأستاذ رابح زاوي: صحيح، للمرة الأولى تقريبا ومنذ فترة طويلة تتواجد فرنسا في حالة ضغط اجتماعي كبير جدا بالنظر إلى حالة الغليان التي تعرفها الجبهة الاجتماعية، بطبيعة الحال نقطة البداية كانت احتجاجات ما عرف بالسترات الصفراء والتي مازالت مستمرة غلى غاية اليوم، كما أن طريقة تعامل النظام الفرنسي معها ومع مطالبها كان محفزا ليس فقط لاستمرارها وإنما لتوسعها أكثر.
حاليا الاحتجاج أصبح مركزا بشكل أكبر على سياسات إصلاح قانون التقاعد التي تتخذها الحكومة، ما قد يشكل تحديا كبيرا لها وقد يترتب عليه عواقب وخيمة على الاقتصاد الذي يعاني من صدمات الاحتجاجات الاجتماعية، كما أن الملاحظ من جهة أخرى هو توسع الإضراب ليشمل قطاعات أخرى حيوية على غرار وسائل النقل (السكك الحديدية والمترو الأنفاق)، التعليم، القضاء، الصحة، الطاقة، الأمن وعمال النظافة، استجابة لدعوات أطلقها الاتحاد العام للعمال، والقوة العاملة الفرنسية، والاتحاد النقابي الوحدوي المعني بالمهن التعليمية، وذلك بالتزامن مع دعوات لناشطين من حركة «السترات الصفر»، رفضا لقانون إصلاح التقاعد.

- السلطات الفرنسية وعلى رأسها إيمانويل ماكرون، كانت تدرك جيدا بأن إصلاح نظام التقاعد بالشّكل المطروح سيثير نقمة الشارع ومع ذلك تصرّ على تمريره، فهل هي فعلا مضطرة إلى هذا الإصلاح مهما كانت العواقب؟
فيما يتعلق بمشروع القانون المثير للجدل الذي يطلق عليه قانون «ديلوفوا»، فهو مشروع قانون تقدم به وزير فرنسي سابق جون بول ديلوفوا، ويتضمن إصلاح قانون المعاشات التقاعدية، وينص على إنشاء نظام اشتراكي اجتماعي بالنقاط للحلول محل الاشتراكات السنوية، فضلاً عن رفع سن التقاعد الكامل من 62 إلى 64، مع الإبقاء على السن القانونية 62 لكن يحصل المتقاعد على معاش أقل، ويتم تخييره ما بين الانتظار للسن القانوني أو الحصول على معاش غير مكتمل، كما أنه من الجيد معرفة أن فرنسا حاليا تنفق حوالي 14% من الناتج المحلي الإجمالي على التقاعد، وهو من بين أعلى المعدلات في العالم، وهو رقم كبير جدا، بالنظر إلى وجود توقعات بأن يعاني النظام من عجز يتجاوز 17 مليار يورو، أو 0.7 %من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025 إذا لم يحدث تغيير جذري.
إذن من وجهة نظر الحكومة، قانون التقاعد الجديد من شأنه أن يحسن الأوضاع الاقتصادية نوعا ما، كما أنها ترى فيه أكثر عدلا إذا ما قورن بالنظام الحالي، مثلما سبق للرئيس ماكرون أن أشار إليه، حيث قال بان النظام القائم على النقاط سيكون أكثر عدلاً وبساطة و سيحسّن تمويل التقاعد مع تقدم العمر.

الاقتصاد الفرنسي يعاني من صدمات قاتلة

- ضغوط في الداخل وإنهاك عسكري في الساحل، ورئيس يتلقّى التهكّم والإزدراء من ترامب وحتى من أردوغان،ما تعليقكم على هذا الوهن الذي تعيشه  فرنسا؟
 تعتبر تقريبا من أصعب الفترات التي عرفتها فرنسا منذ مدة طويلة، ما بين جبهة اجتماعية ساخنة وغير مستقرة تماما، إلى جانب تنامي ظاهرة العنف بشكل كبير جدا، وهذا ما لاحظناه من خلال تعامل الأمن الفرنسي مع المحتجين بطريقة أقل ما يقال عنها أنها لا تمت بأي احترام لحقوق الإنسان ولا قيمه، عكس ما يتم الترويج له دائما على أنها دولة الحقوق والحريات والمساواة، أما بالنسبة للجبهة الخارجية فالأكيد أن فرنسا تدفع ثمن التدخل العسكري في مالي والذي إلى غاية الآن لم يحقق أهدافه المعلنة على الأقل، فلا الاستقرار عاد لمالي ولا التنظيمات الإرهابية تم تجفيف منابعها، إذن الأكيد أن كثيرا من الأمور أصبحت مكشوفة وواضحة بكون رعاية المصالح والأهداف أقوى بكثير من أي اعتبار آخر، كما أن هناك رغبة في فتح نقاش عمومي يفسّر للفرنسيين جدوى وجود عسكريين فرنسيين في دول الساحل والصحراء، والذين تجب عودتهم حسب دعوات أطلقتها بعض الحركات السياسية، والتي أصبحت تطالب بعودة العسكريين الفرنسيين الذين تقدر أعدادهم بحوالي 4500 عسكريي. وما يعزز هذا الطرح بشكل كبير هو ما أكده الرئيس الفرنسي، من خلال استعداده لـ»مراجعة كل صيغ تدخل القوات الفرنسية»، وهو ما فسرته وزيرة الجيوش الفرنسية، فلورنس بارلي، في حوار لها مع صحيفة «لوجورنال دي ديمانش»، بأن «كل الخيارات موضوعة على الطاولة، من أجل منح كل الفعالية لهذه العملية الكبرى ضد الإرهاب في الساحل».
أما بالنسبة لتهكم الرئيس التركي والأمريكي على الرئيس ماكرون فقد كانت كفيلة بخفض شعبية هذا الأخير وجعله في موقف حرج أمام الجبة الداخلية المتصدعة بالأساس، وأكثر من ذلك حينما تشير تصريحات الرئيس التركي مثلا للتعليق على ما قاله الرئيس ماكرون أن تركيا لا يجب أن تنتظر شيئا من حلف الناتو الذي يعاني من شلل دماغي، أنه من الأفضل أن تجيب فرنسا على الأسئلة التالية: ماذا تفعلون في مالي أو بمناطق أخرى في إفريقيا؟ وما الغاية من عملياتكم التي نفذتموها دون قرارات أممية؟».

- هل يعود هذا الوهن إلى ضعف النخبة التي تقود فرنسا اليوم أم إلى المتغيرات الدولية؟
 أعتقد أن الأمر مرتبط بعاملين اثنين، الأول مرتبط بشخصية الرئيس ماكرون، وكلنا نعلم أنه لم يحظ بإجماع كبير حول خياراته السياسية بعدما عانى في سبيل الوصول إلى الحكم بعد منافسة شرسة مع الجبهة الوطنية بزعامة ماري لوبان، وبعدها طريقة تعامله مع الملفات الكبرى خاصة الاقتصاد والتقاعد، والخارجية، كلها أبانت ضعفا كبيرا مرتبطا بطريقة اتخاذ الخيارات وعدم الإصغاء للجبهة الاجتماعية التي تدفع نحو مزيد من الضغوط، ومن جهة أخرى لدينا العامل المهم وهو طريقة إدارة العلاقات الخارجية وعدم السير في طريق تعديلها بالشكل الذي يضمن مراجعة الاختلالات السابقة التي عرفتها في فترة حكم الرئيس هولاند، والدليل ما يحصل معها في مالي وما تتلقاه من انتقادات واسعة من قوى

أخرى على غرار تركيا والولايات المتحدة الأمريكية، وحتى بعض الدول الإفريقية التي تسير في نفس الطريق.

ماكرون يجازف بحظوظه في ولاية ثانية

- ألا تعتقدون بأن ماكرون يجازف بحظوظه في ولاية ثانية بإصداره لقانون التقاعد الجديد؟
 في الظرف الحالي أعتقد أنه من المستبعد جدا أن يحوز على فرصة أخرى لتجديد ولايته، خاصة مع ضغط الجبهة الاجتماعية، وتراجع شعبيته من جهة أخرى، كما أنه وفي حالة إصراره على إصدار قانون التقاعد الجدي أكيد أنه ينهي بذلك أية حظوظ قائمة في هذا الاتجاه.

- هل تكون الغلبة في رأيكم للشارع أم للسلطة في هذا الامتحان؟
 بالنظر إلى الاستجابة الواسعة للإضراب العام وتوسعه على مجالات حيوية في الدولة، يمكن القول أن النقابات العمالية في فرنسا قد حسمت موقفها لصالح رفض مشروع قانون التقاعد بشكل كبير جدا، وبالنظر كذلك على إصرار الحكومة الفرنسية على المضي قدما في سبيل ذلك وتعاملها العنيف مع المحتجين، أعتقد جازما أن هذه الأخيرة سوف تتراجع مجبرة لا مخيرة للتقليل من حدة الإضرابات التي سيكون لها تأثير كبير على الاقتصاد الفرنسي الذي يعاني هو الآخر اختلالا كبيرا جدا، ولن يكون بمقدوره الاستمرار بنفس الوتيرة.
- في كلمة أخيرة، الوضع في فرنسا..إلى أين؟
نحو مزيد من التأزم والتعقيد، الأمور يمكن لها أن تتطوّر بشكل سريع نحو الاتجاه السلبي، خاصة مع السياق العام الداخلي والخارجي الذي يدفع بضغوط متزايدة على النظام الفرنسي.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18220

العدد18220

الأحد 05 أفريل 2020
العدد18219

العدد18219

السبت 04 أفريل 2020
العدد18218

العدد18218

الجمعة 03 أفريل 2020
العدد18217

العدد18217

الأربعاء 01 أفريل 2020