الأمريكيون والطالبان يصنعون السلام

تخوفـات «صريحــة» من عـدم الالتــزام بالهدنــة

جمال أوكيلي.

إتفاق «تاريخي» في حوليات النزاعات المسلحة هكذا وصف الملاحظون ما حدث يوم ٢٩ فيفري بالدوحة بين الولايات المتحدة ووفد الطالبان إثر التوقيع على التزام ثنائي لوقف الأعمال العدائية بين الطرفين بعد 18 سنة من حرب ضروس قضت على الأخضر واليابس لا غالب فيها ولا مغلوب، وكرّ وفر.
وإن تعهّد المسؤول السياسي لدى الطالبان عبد الغاني باردار أمام المفاوض والسفير الأمريكي زلماي خليل زاد الذي كان رفقة وزير الخارجية مايك بومبيو باحترام ما ورد في مضمون تلك الحزمة من النقاط العسكرية والسياسية فإن هذا الأخير حذر من نسف هذا الإنجاز متوعدا بالعودة إلى نقطة الصفر محذرا من اعتبار ذلك انتصارا على الآخر، حتى وزير الدفاع مارك إسبر سار على هذا الدرب في إلغاء هذا الاتفاق ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أن الطالبان مدعوون إلى قطع علاقاتهم مع تنظيم القاعدة ولم يشر هنا إلى «داعش» بحكم سوابق المنطقة التي كانت تحت إمارة بن لادن.
وأولى بوادر تفعيل محتوى الاتفاق هو تقليص عدد قوات التحالف من 13 ألف جندي إلى 8600 في أجل لا يتعدى 14 شهرا يتبع ذلك بتبادل الأسرى وفق رزنامة تحدد لاحقا ويدعم هذا المسعى بانطلاق المفاوضات بين الطالبان والحكومة الأفغانية يوم 10 مارس القادم، بأوسلو..علما أن ممثلي الرئيس الأفغاني الحالي أشرف غاني كانوا موجودين بالدوحة لمحاولة جس نبض الطالبان في فتح مفاوضات مرتقبة في غضون الأسبوع القادم، غير أن قياديي هذا التنظيم يرفوضون حتى الآن، الدخول في أي اتصال مباشر مع الحكومة الحالية التي ترغب في إنهاء هذا الصراع المميت منذ عشريات ..قيل ما قيل عنه..وشهد محطات حاسمة،، كل الأنظار كانت مشدودة إلى مساحة بلد لا تتعدى 864 . 652 كيلومتر مربع..تحولت إلى مسرح للعمليات الحربية تميزت بالإبادة أنهكت الجميع بمن فيهم الطالبان.
هذا «الكيان» الواقع بآسيا الوسطى تحده من الشمال أوزبكستان والشمال الشرقي الصين وطاجكستان والجنوب الشرقي باكستان، والغرب إيران، والشمال الغربي تركمنسان زرع الرعب لدى الغرب الذي نقل في صور مخيفة عبر وسائل إعلامية على أنه بلد المجازر لن يسمح فيه بأي محاولة للتحرر من قبضة أمراء الحرب الذين حولوه إلى نار ودمار هذا ما ترسخ في ذهن الناس خاصة عندما وقع في حكم الطالبان إعدامات وتصفيات لكل من يريد الخروج عن طاعة هؤلاء ..مصيره الاستعراض المباشر رميا بالرصاص زيادة على حفظ عن ظهر قلب لمدن تعد جزءا لا يتجزأ من ديكور تلك المأساة كقندهار، كابول، هيرات، جلال أباد، قندوز، مازار الشريف.
هذه الرموز كانت لها علاقة مباشرة بمجريات الحرب القائمة لدى المتتبعين زادت في عنفوانها شخصيات مرتبطة ارتباطا بالمكان منها نجيب الله، شاه مسعود، عبد الرشيد رستم، جلال الدين حقاني، الملا عمر، برهان الدين باني، قلب الدين حكمتيار وغيرهم..الذين تداولوا على شن حروب تارة ما بينهم ، وتارة أخرى ضد من كان موجودا على تلك الأرض من أجانب.
هكذا تغلب التوجه الإديولوجي في إدارة الحرب في أفغانستان على الاعتبارات الأخرى ونعني بذلك أن ما كانت تتعرض له القوات الخارجية من هجمات في كمائن قاتلة كان باسم «الدين» لمحاربة الشيوعية عندما دخلت الطلائع السوفياتية إلى هذا البلد بطلب من الحكم آنذاك، وحدث ما حدث حتى انسحب هؤلاء من هذه الأراضي وكل ذلك كان بإيعاز من الأمريكيين..الذين شجعوا على محاربة السوفيات وتحوّلت أفغانستان إلى صراع مرير وحاد بين السوفيات والأمريكان في قمته الجيو - سياسية في احتلال الفضاءات الحيوية، خاصة بعد سقوط جدار برلين، وانهيار الحرب الباردة.
وبقي الوضع على حاله إلى غاية أن حل الأمريكان محل السوفيات عندما دمرت ناطحات السحاب في 11 سبتمبر 2001 وشرع هؤلاء في ملاحقة بن لادن في جبال تورابورا ومكثوا هناك لسنوات طويلة جدا بعد أن انتشروا بدعوى محاربة الإرهاب، وألقوا الأطنان من القنابل على الطالبان لحملهم على مغادرة الحكم.
وأكبر إنجازهم هو قتل بن لادن زعيم القاعدة انتقاما لما أقدم عليه من ضرب لقلاع الحلم الأمريكي في منطقة أبو أباد بباكستان ولا نستغرب أبدا من اشتراط بومبيو من الطالبان فك الارتباط بالقاعدة في أفغانستان خوفا من الوقوع ثانية في مخالب هذا التنظيم المعادي للأمريكيين وهذا بالتخلي عن الأعمال المسلحة واعتماد منهج جديد ألا وهو السلام..ودعوة هؤلاء لإجراء محادثات مع الرئيس أشرف غاني تندرج في إطار إعادة إدماج هذه الحركة في العملية السياسية كالمشاركة في الانتخابات.. والكف عن الاقتتال.
لطي هذه الصفحة من المأساة في أفغانستان يعني أن الأمريكيين استطاعوا تحييد منطقة بأكملها من التوترات المتواصلة التي لطالما أقلقت ما يسمى بقوات التحالف التي كلفتها باهضا من جميع النواحي خاصة المادية والبشرية، تفجيرات يومية بكابول وغيرها، الأمريكيون وحدهم خسروا 750 مليار دولار ..وحاول ترامب في أول الأمر إدخال رجاله إلى البلد لكنه لم يستطع وهكذا دخل في مفاوضات سرية مع الطالبان لوقف مهاجمة قواته ريثما يتم الإعداد للاتفاق المبدئي الحامل لآجال الانسحاب على سنة وشهرين.
ويأمل المتتبعون لهذا الإنجاز السياسي أن يتم احترام بنود هذا الاتفاق بابعاد كل الحجج التي قد تؤثر على مسار التنفيذ والتطبيق فبعد الأمريكيين يأتي التفاوض مع الحكومة القائمة ليكتمل مسار صناعة السلام في أفغانستان.


 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18217

العدد18217

الأربعاء 01 أفريل 2020
العدد18216

العدد18216

الثلاثاء 31 مارس 2020
العدد18215

العدد18215

الإثنين 30 مارس 2020
العدد18214

العدد18214

الأحد 29 مارس 2020