الدكتور محمد حسان دواجي لـ «الشعب»:

جائحة كورونا تضع مستقبل الإتحاد الأوروبي على المحك

حاورته: إيمان كافي

مشروع التكامل في مهبّ الريح والمستقبل للدولة الوطنية

بعيدا عن أعداد الضحايا الذين يفتك بهم يوميا، وعن الخسائر الجسيمة التي يكبّدها لاقتصاديات الدول، يعمل كورونا على إحداث زلزال قوي على مستوى العلاقات الدولية من شأنه أن يغيّر ليس فقط المفاهيم السياسية التي تسود العالم، بل حتى التكتلات الوحدوية التي لطالما شكّلت قوّة الدول ومصدر رفاهيتها فأصبح وجودها على المحك، كالاتحاد الأوروبي الذي تشير بعض التوقعات إلى قرب انفراط عقده، حيث أظهرت أزمة كورونا، الذي انتشر بشكل كبير في دول القارة العجوز، ضعفاً في مبدإ «التضامن» الذي تشكل من أجله هذا الاتحاد، كما أظهرت مؤسساته في حل هذه الأزمة الخطيرة، مرجحة المنافع القومية على مصالح الاتحاد.
مستقبل الإتحاد الأوروبي، على ضوء ما يواجهه من تحدّيات، عكسها عجزه الكبير عن مواجهة الفيروس القاتل، وانكفاء كلّ دولة من دوله على نفسها، بعيدا عن روح التضامن والوحدة التي يقوم عليها أقدم تكتّل وحدوي في العالم، «الشعب»، حاورت الدكتور محمد حسان دواجي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة مستغانم، الذي خلص إلى أنه بظهور كورونا فتح العالم أعينه على حقائق لم تكن ظاهرة ومرئية، أهمها زيف شعارات الوحدة والتضامن الأوروبي.

«الشعب»: أظهر فيروس كورونا وهن الاتحاد الأوروبي وهشاشة وحدته بل زيفها، حيث انكفأت كل دولة من دوله على مشكلاتها الذاتية، فما مستقبل هذا الاتحاد؟
د. محمد حسان دواجي: في الحقيقة سبق ظهور بوادر لتفكك هذا النموذج الوحدوي في العالم حتى قبل ظهور هذا الوباء الفتاك وذلك بانفصال بريطانيا وخروجها منه، ولعل الإجراء البريطاني يعد حلقة ضمن عدة حلقات لأزمات عاشها الاتحاد الأوروبي ضربت دوله في عدة مناسبات بدرجات مختلفة لعل أبرزها اليونان واسبانيا والبرتغال.
وبظهور فيروس كورونا فتح العالم أعينه على حقائق لم تكن ظاهرة ومرئية، أهمها زيف شعارات الوحدة والتضامن الأوروبي التي كانت عنوانا لهذا التكتل منذ تأسيس المجموعة الأوروبية للحديد والصلب سنة 1951 تتويجا لما يسمى بمعاهدة باريس والتي ضمت في البداية ست دول أهمها فرنسا وألمانيا الغربية وايطاليا، لكن رغم تطور هذا النموذج من اتحاد اقتصادي يملك عملة موحدة وعلاقات تجارية متحررة من حيث التبادل والرسوم، إلى اتحاد سياسي يملك مؤسسات سياسية كبرلمان ومؤسسات أخرى موحدة، إلاّ أنه لم يملك الفاعلية الحقيقية والنجاعة المطلوبة في مواجهة وباء كورونا الذي انتشر بشكل كبير في عدة دول خاصة ايطاليا واسبانيا.
والوضع الذي تعيشه ايطاليا واسبانيا في مواجهة الوباء يبين أن هذا الاتحاد لم يعط أي إضافة لهذه البلدان بعد أن تخلت عنها باقي الدول ولم تقدم لها أي دعم أو مساندة تساعدها على مواجهة الوباء الذي فتك بآلاف الضحايا ويهدد حياة عشرات الآلاف.
 باختصار، لقد سقطت كل الإجراءات الوحدوية والاتفاقات الموقعة، سواء المتعلقة بفتح الحدود وحرية التنقل وتوحيد التأشيرة لأفراد التكتّل التي رسختها اتفاقية شينغن الموقعة في 26 مارس 2005 أو المرتبطة بالتضامن الصحي والاقتصادي بعد أن تخلت بلدان الاتحاد الأوروبي عن الدول الأكثر تضررا كإيطاليا، وأغلقت الحدود ولم تمدّها بأي مساعدات تقنية أو طبية، بحيث أرجعت هذه الصدمة شعوب هذه الدولة إلى الإحساس بالانتماء للدولة الوطنية ذات الحدود المضبوطة والمعلومة والمحددة وجعلت حكومات دول كانت تقدم نفسها كدول أوروبية كفرنسا وألمانيا تتصرف وفق منظور الدولة الوطنية وفي إطار حدودها الإقليمية وسكانها وفقط.
لذا فإن هذه الأزمة أثبتت أن هذا النمط من التكتلات أصبح غير مجدي في مواجهات تحديات كبرى وأنه تكتل أثبت ظرفيّته.
ألا تعتقدون بأن عقد هذا التكتل القاري سينفرط لتسير كل دولة على خطى بريطانيا؟
إن مستقبل الاتحاد الأوروبي أصبح على المحك ليس في مواجهة القوى الصاعدة الجديدة كالصين والهند وتركيا، بل في مواجهة شعوبه التي دفعتها أزمة كورونا لإعادة النظر فيه ورأينا صورا وفيديوهات لمواطنين إيطاليين وإسبان ينزلون علم الاتحاد الأوروبي المرفوع بجانب أعلامهم الوطنية، ورفعوا مكانه رايات الصين وروسيا كرد فعل يعبر عن إحباط سكان هذه الدول من تصرف باقي دول الاتحاد ومؤسساته معهم لمواجهة هذا الفيروس القاتل، وهذه ظاهرة اجتماعية يمكن أن يستنتج منها اتساع القاعدة الشعبية الرافضة لهذا النمط من الاتحاد، إضافة الى مشاكل أخرى كتصاعد الأحزاب اليمينية المتطرفة مما قد يجعل ما حدث مع بريطانيا بداية لمسلسل تفكك هذا الصرح الأوروبي.
لقد غطى الوضع الدولي كتفكك الاتحاد السوفياتي وحرب الخليج الثانية في بداية التسعينيات على هشاشة الاتحاد الأوروبي الذي كان يراد منه إحداث توازن ضد هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على ميزان القوى الدولي، لكن مع مرور الوقت والأحداث الدولية تيقن العالم وحتى الشعوب الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي لم يكن سوى تابع للولايات المتحدة الأمريكية في جميع حروبها وسياساتها في العالم، خاصة العسكرية منها والاقتصادية ولعل القضية الفلسطينية واحتلال العراق كانا أحسن دليل.
وبالرجوع لتاريخ دول الاتحاد الأوروبي، فهي في مجملها دول استعمارية قديمة لم تنفصل عن مستعمراتها وعملت على استمرارية نفوذها داخلها، وحالت دون استقلالها التام واستمرت في استغلال مقدراتها الاقتصادية ولعل التأخر الاقتصادي في إفريقيا يعكس هذه الحقيقة.
ما تعليقكم على من قال بأن أزمة كورونا أظهرت أوروبا ضمن العالم الثالث، حيث عجزت بعض دولها عن توفير أبسط الحاجيات من قفازات وكمامات وأجهزة تنفس؟
لقد كتب عديد الكتاب والمفكرين أن دول أوروبا هي دول متخلفة اقتصاديا بدون مستعمراتها السابقة، وهناك من يصنف هذه الدول ضمن دول العالم الثالث، لكن سر تقدمها يرجع بالدرجة الأساس لسيطرتها على ثروات مستعمراتها القديمة وتعطيل عجلة التنمية بها لتبقى عبارة عن أسواق لها ولمنتجاتها.
فمعظم المنتجات الأوروبية تعتمد بالدرجة الأساس على المواد الأولية القادمة من مستعمراتها السابقة، كما أن جل إنتاجها يحوّل إلى هذه الدول. فثلثا حلقة الإنتاج والتوزيع والاستهلاك مرتبطة بهذه المستعمرات القديمة، وعلى سبيل المثال فرنسا وإسبانيا والبرتغال وهولندا لها مستعمرات قديمة في إفريقيا خاصة تمثل واقعا لما نتحدث عنه.
من جانب آخر، في أول تحدّ حقيقي ظهرت حقيقة هذه الدول التي تعتمد بالدرجة الأساس على مستعمراتها القديمة، فحتى الكوادر الطبية الأوروبية وخاصة في فرنسا، تتشكل في غالبيتها من الجالية الجزائرية والمغربية ودول أخرى.

توازنات عالمية جديدة

كيف ستكون العلاقة الأمريكية - الأوروبية ما بعد كوفيد-19؟
فيما يخص العلاقات الأوروبية- الأمريكية، لابد من الإشارة إلى أنه ومنذ وصول إدارة الرئيس ترامب ظهرت ملامح علاقات جديدة بين الطرفين. فأمريكا أصبحت أكثر براغماتية وأكثر وضوحا في التعامل مع دول الاتحاد الأوروبي بحيث أصبح ترامب يعتمد معاملة هذه الدول بنوع من الحدة وعدم الاهتمام وفق مقاربة جديدة قائمة على القوة الاقتصادية والنفوذ. ففي نظر ترامب إن جل الدول الأوروبية ليست في مستوى ندية الولايات المتحدة الأمريكية بالاستدلال بمستوى الناتج القومي والقوة العسكرية، وهذا ما ظهر في أكثر من مناسبة وخاصة تجاه فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون.
وبالرجوع لتطورات الوضع الحالي، أظن أن هذه العلاقات ستتسم أكثر من أي وقت مضى بالتباعد واقتراب عدة دول أوروبية من الصين كإيطاليا مثلا، واقتراب دول شرق أوروبا من روسيا من جهة أخرى في محاولة لخلق توازنات عالمية جديدة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18266

العدد18266

الأحد 31 ماي 2020
العدد18265

العدد18265

السبت 30 ماي 2020
العدد18264

العدد18264

الجمعة 29 ماي 2020
العدد18263

العدد18263

الأربعاء 27 ماي 2020