الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي

توجّه نحو دبلوماسية متعددة الأبعاد

حمزة محصول

تضاف الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، إلى أدوات العمل الدبلوماسي الهادف إلى بعث  الدور المنوط بدولة بحجم الجزائر، وتعكس سرعة إنشاء هذه الهيئة وتنصيب مدير عام لها، وجود الإرادة السياسية للتوجه نحو الدبلوماسية المتعددة الأبعاد وبالأخص في بعدها الإنساني.
في السنوات الأخيرة، أثيرت تساؤلات كثيرة عن دور الجزائر في محيطها الإقليمي والقاري وكذا العالمي، وما عدا صفة الشريك الاستراتيجي والبلد المحوري بحكم الجغرافيا والتاريخ والمكانة، لم تكن الإجابات واضحة بالشّكل الدقيق سواء للداخل أو الخارج.
لقد قدمت الجزائر طيلة العقود الماضية، الكثير لصالح العمل الدولي المشترك، على غرار تكريس الحلول السلمية للنزاعات، والتنبيه المبكّر لخطر الظاهرة الإرهابية العابرة للأوطان وتحالفها مع الجريمة المنظمة، ورفض التدخلات الخارجية في الشؤون الداخلية للدول، والدفاع عن مبادئ سيادة ووحدة البلدان ورفض الانخراط في الأجندات الهدّامة المتاجرة بدماء الأبرياء.
كل هذه المكاسب التي توشّح صدر الدبلوماسية الرسمية الجزائرية، بحاجة إلى دفعة قوية للخروج من دائرة «الموقف»، إلى عهد «الدور الفعال والمؤثر»، فالأحداث الدولية المتغيرة والمتسارعة بشكل رهيب خاصة في العقد الأخير، جعلت الاكتفاء بتسجيل المواقف استنادا إلى عقيدة السياسة الخارجية وثوابتها ومراقبة الأحداث، لا تتلاءم أبدا مع دولة بحجم الجزائر، خاصة تجاه القضايا الإقليمية والقارية.
وحتى الحركية المتسارعة للعلاقات الدولية، وارتفاع حدة التنافس بين الدول وتوظيف كل طاقات القوة السلمية والناعمة، وضعت الدول التي تختار المراقبة وتسجيل مواقف من حين لآخر، على الهامش، وأي دولة تتطلع إلى نيل الاحترام والمهابة لدى نظرائها من الدول، عليها أن تندمج في حركة التاريخ وفق إستراتيجية تقوم على «الدور» الذي تريده لنفسها.
هذا الدور لم يكن واضحا بالنسبة للجزائر في السنوات الماضية، لقد كانت تبدو وكأنها ترفض أن تتحمل مكانتها الطبيعية في منطقة شمال إفريقيا والساحل الإفريقي كقوة توازن وتأثير، ولطالما عبر خبراء الشؤون الإستراتيجية في دول إفريقيا جنوب الصحراء عن قناعاتهم وتحاليلهم التي تفيد بأن الجزائر «يمكن» أن «تكون» ضامن السلم والاستقرار والتنمية وقاطرة الاندماج القاري.
لقد لعبت بلادنا خلال  السنوات الأخيرة، ورقة «تصدير الاستقرار» إلى المنطقة القريبة منها، لكن الطبيعية المعقدة التي أخذتها جل الأزمات، كانت تتطلب منها عملا  وجهدا أكبر، يتجاوز الجانب الدبلوماسي الرسمي، لأن عديد اللاعبين الدوليين دخلوا بقوة على الخطة ورموا بكل ثقلهم موظفين عدة أدوات.
الانطلاقة
حسمت الجزائر منذ ديسمبر الماضي، خياراتها بشأن السياسية الخارجية، حيث رأت بعد تشخيص، أنه من الواجب الإسراع في الانتقال من إسداء النصح والمساعدة للدول الشقيقة والصديقة إلى «الفعل» والعمل وفق مشروع ومبادرات حثيثة تؤكد الحضور والتأثير.
لقد كانت عبارة رئيس الجمهورية في خطاب التنصيب بأن «الجزائر أول المعنيين باستقرار ليبيا أحب من أحب وكره من كره»، كافية لجعل الصحف الدولية تكتب وبالبنط العريض:»عودة الجزائر لإدارة الملف الليبي».
وأكد المستشار المكلف بالاتصال الناطق الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، محند أوسعيد بلعيد، في آخر ندوة صحفية على النهج الجديد، حينما قال بأن « الجزائر تتجه نحو أداء دورها الإقليمي أحب من أحب وكره من كره»، وذلك في إجابة على سؤال بشأن الهجمات الإعلامية الأجنبية التي تستهدف الجزائر منذ أسابيع.
وقال أوسعيد بلعيد، أن «تصريحات رئيس الجمهورية باستعادة الجزائر لدورها الإقليمي أزعجت بعض الدول والأنظمة التي كانت تريد أن تستمر الجزائر مثلما كانت في السابق بصوت خافت».
هذه الدبلوماسية الهجومية (النشيطة) السلمية، وكي تؤدي أهدافها بنجاح على أكثر من صعيد تحتاج إلى أدوات إضافية مساعدة للقنوات الرسمية للسياسة الخارجية التي تعجز عن استيعاب الكم الهائل من الروابط الإنسانية والثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية بين دولة وأخرى.
لذلك، جاءت فكرة إنشاء الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، من قبل رئيس الجمهورية، الذي حرص على تجسيدها في وقت وجيز للغاية، مع إيلائها أهمية قصوى.
ونلحظ ذلك، في أن الإعلان الرسمي عن إنشائها كان في 09 فيفري الماضي بقمة الاتحاد الإفريقي بأديس أبابا، ليصدر المرسوم الرئاسي الخاص بها في 12 من نفس الشهر،والأسبوع الماضي عين رئيس الجمهورية محمد شفيق مصباح مديرا عاما لها.
وبموجب المرسوم، فإن الوكالة توضع تحت وصاية رئاسة الجمهورية، وتزود بمجلس توجيه رفيع المستوى يرأسه مدير ديوان رئاسة الجمهورية، وأعضاءه الدائمون هم، وزير الشؤون الخارجية، وزير الداخلية، وزير المالية والأمين العام لوزارة الدفاع الوطني.
الدور والمهام
كل تأكيدات الخبراء وتطلعات المتعاملين الاقتصاديين، تعتبر إفريقيا العمق الاستراتيجي للاقتصاد الجزائري، وقد شكلت رغبة اقتحام أسواق القارة عن طريق تصدير السلع والخدمات والخبرات في عديد المجالات من بين المشاريع الطموحة التي طال انتظارها.
وقد يبدو للوهلة الأولى، إن إنشاء وكالة للتعاون الدولي تعطي أولوية قصوى في المرحلة الأولى من دخولها حيز الخدمة لمنطقة الساحل الإفريقي خصوصا، يصب في توجه الانتشار الاقتصادي الجزائري في الخارج.
لكن التمعن في مهامها المحدود قانونا، يكشف أن «العمل الإنساني والتضامن الإنساني»، مع الدول الأخرى يشكل ركيزة أساسية لنشاطها، فهي إذن ليست هيئة ربحية، وإنما آلية مساعدة للجهاز الدبلوماسي تتولى تسيطر وتنفيذ برنامج التعاون الدولي بكفاءة وفعالية، وأداة توحد الجهد الوطني لدعم الدول الشقيقة والصديقة.
ومن بين أهم المهام الموكلة لها، الاستثمار  في المورد البشري النوعي، فهي ستنسق تكوين الأجانب في الجزائر وتكوين الجزائريين في الخارج، إلى جانب «إنجاز دراسات اليقظة الإستراتيجية والاستكشاف وكذا كل التحاليل التي تساعد على فعالية السياسة في التعاون الدولي».

عوامل النجاح
ويقوم نجاح عمل الوكالة، على عدة مرتكزات، فهي تجمع بين الكفاءة العلمية الرفيعة، والأداء الناجع في الداخل والخارج لتنفيذ البرامج والمشاريع، خاصة وأنها ستقوم بربط شبكة تواصل مع الأدمغة الجزائرية بالمهجر وإرساء تعاون بناء مع مجموعات علمية أجنبية.
وستساهم الهيئة في وضع البصمة الحضارية للجزائر في كثير من الدول التي تتقاسم معها الحدود والتاريخ والمرجعية الدينية والثقافية والاجتماعية، كبناء المدارس والمراكز الثقافية وتقديم مساعدات في الرقي بالتعليم والصحة والتنمية بهذه الدول التي هي بحاجة ماسة إلى من يمدها يد العون.
وكالة التعاون الدولي، وعند شروعها في العمل بكامل طاقتها، ستضمن التجسيد الفعلي للدبلوماسية بمقاربة شاملة، من خلال وضع التضامن والعمل الإنساني ضمن أدوات السياسية الخارجية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد18263

العدد18263

الأربعاء 27 ماي 2020
العدد18262

العدد18262

الثلاثاء 26 ماي 2020
العدد18261

العدد18261

الإثنين 25 ماي 2020
العدد18260

العدد18260

الجمعة 22 ماي 2020