الوهم الفدرالي الأوروبي

جدل عقيم على خلفية الواقع المتأزّم

محمــد العربــي

ليس من السهل بالنسبة لأنصار فكرة تحقيق اتحاد فدرالي في أوروبا الدفاع عن مشروعهم الذي يريدون تغليبه، بدعوى قدرة الأوروبيين على تخطّي العقبات كيف ما كانت حدّتها وهي التي مكّنتهم من التقدم بثبات، منذ ستين سنة، عندما قرّر أسلافهم العمل على محو آثار الحرب العالمية الثانية، متّجهين بحق نحو الخيار الاقتصادي بتأسيس الهيئة الأوروبية للحديد والصلب ثم تنسيق المصالح في العديد من المجالات والتوصل إلى اتفاق لروما سنة 1957، الذي أقام المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ثم تعزيز المساعي لإقامة الاتحاد الأوروبي الذي يضم الآن 27 دولة من أوروبا الغربية والوسطى والشرقية والاسكندفاية.والواقع أنّ هذا الإتحاد المتمحور حول الثنائي الفرنسي ــ الألماني يعاني من التسرع في إقامته، ممّا أدّى ببعض المراقبين إلى القول على مصداقية وجدية التوجه، وقد سمح لبلدان ضعيفة الاقتصاد خاصة من أوربا الشرقية،  بالدخول إلى عضوية الاتحاد، علما بأنّ الرهان كان على إرادة حكومات هذه البلدان الضعيفة في تحقيق تأهيل وتطوير هياكلهم الاقتصادية والارتقاء بها إلى مصاف بلدان أوروبا الغربية، وقد أضحى هذا الأمر مستحيلا، نظرا للبون الشاسع الذي يفرّق بين النظم الاقتصادية شرقا وغربا.
وسرعان ما اصطدم البناء الأوروبي بجدار المفارقات المتزايدة، ذلك أنّ بلدان الكتلة الشرقية سابقا فشلت في تسيير المرحلة الانتقالية من النظام الشيوعي المتميز بالاقتصاد المسيّر إداريا إلى النظام الليبرالي الذي يفرض الانفتاح الكامل للأسواق وخوصصة الشركات العمومية، بحكم انسحاب الدولة من مجالات الانتاج والتسيير الاقتصادي، لينحصر دورها في التنظيم والضبط.
وبالطبع، فشل الأوروبيون في كل الجهود الرامية إلى تغليب التضامن مع الضعفاء منهم، ليس فقط في شرق القارة بل كذلك في جنوبها، نظرا لاستفحال الأزمات المالية والاقتصادية والارتفاع الجنوني للمديونية   اليونانية وحتى الايطالية والاسبانية، فضلا عن الفرنسية وحتى الألمانية.
ويبرز في هذا المضمار تشدّد المسؤولين الألمان ومضيّهم في توخّي الصرامة الأقصى مع بلدان جنوب القارة ورفضهم الكامل لأيّ تنازل خارج الأطر المرسومة للبنك المركزي الأوروبي، والتي لا تسمح بهامش مناورة حقيقي، باستثناء بعض الآليات المالية التي تصطدم في الواقع، بعدم قبول سياسي البلدان الجنوبية لانتهاج سياسات التقشف والصرامة الاقتصادية وحجّتهم: الخوف من ردود الفعل الشعبية العنيفة، بعد تفاقم الأزمات والسقوط الحر للقدرة الشرائية للفئات من الطبقة المتوسطة والنتيجة إسقاط الحكومات، على غرار ما جرى في اليونان وإيطاليا وإسبانيا.
وحتى فرنسا ترفض تحمّل عبء الأزمات الأوروبية، بفعل أوضاعها الصعبة على الأصعدة المالية والصناعية وديونها المتزايدة هي الأخرى، وانحصر دورها في التنسيق مع ألمانيا لإيجاد حلول مالية انتقالية لا تسمح في الواقع، إلاّ بفكّ الخناق لمدة محدودة جدا.
وهذا الوضع مستمر منذ أكثر من أربع سنوات أي منذ إفلاس البنوك الأمريكية والأوروبية، الذي أدى إلى كساد اقتصادزي واسع لم يشهد له العالم مثيلا منذ الانهيار الاقتصادي لعام 1929.
ويستمر مسلسل الاجتماعات الدّورية والاستثنائية لرؤساء الدول والوزراء دون الاتفاق على بداية مخرج من الأزمة المتعددة الأبعاد.
بالاضافة إلى الخلافات المستفحلة بين الحكومات، يركّز المراقبون على شلل هياكل الاتحاد الأوروبي وخاصة منها المفوضية الأوروبية التي تبقى حبيسة النصوص المسيرة لها، مكتفية بالتّنبيه من بروكسل في كل مرة إلى ضرورة تحفيض عجز الميزانية، مثلا، أو احترام قواعد التنافسية بين المجموعات الصناعية والتجارية.
كذلك البرلمان الأوروبي تميّع في مناقشات بيزنطية ينفر منها حتى النواب الذين قلما يشاركون في الجلسات، وهم يفضّلون استغلال صفاتهم ومراكزهم لتحقيق مكاسب لا علاقف لها، أحيانا، بمهامهم ولا بأوطانهم.
وكما هو معروف في كل الأزمان تؤدي الأزمات إلى انبعاث النزعات القومية المتطرّفة ويظهر ذلك، بصفة خاصة، في ألمانيا حيث أتباع النازية الجدد لم يندثروا وكذلك في فرنسا حيث عادت أحزاب وشخصيات يمينية للمطالبة ليس فقط بالتمسك بالهوية الوطنية، بل كذلك بالانسحاب من الاتحاد الأوربي ومنطقة اليورو، وبعث الدولة الوطنية التي تحمي مصالح مواطنيها والتعامل مع الجيران الأوروبيين يما يخدم الفرنسيين فقط.
ولا يرى المراقبون الأوروبيون أنفسهم أي بصيص أمل، بل إنّ الأوضاع المالية والاقتصادية تزداد سوء يوما بعد يوم ويذهب بعضهم إلى احتمال انفجار الاتحاد الأوروبي إذا ما قررت اليونان، مثلا، الخروج من منطقة العملة الموحّدة: اليورو، فكم نحن بعيدون الآن عن حلم الاندماج؟!
ويبقى المراقبون يتأرجحون بين ما يسمّيه بعضهم غياب “الزعامات” التي ألصقت خطأ منذ أكثر من نصف قرن برجال دولة أقوياء مثل الجنرال شارل ديغول وكونراد
أديناور وونستون تشرشل، وضرورة تدارك العجز الديمقراطي في هياكل الاتحاد.
والواقع أنّ الحديث عن الزعامات في أوروبا كلام غير صحيح ولا ينطبق على الممارسات الديمقراطية في البلدان الاوربية التي تقوم أساسا على الانتخابات على كافة المستويات، خلافا لما يجري في بلدان العالم الثالث، وما ديغول وأديناور وتشرشل سوى سياسيين ذوي كاريزما عالية جدا استغلوها لخدمة أوطانهم وقد انسحبوا من الساحة السياسية، ويذكر الجميع استقالة شارل ديغول، في شهر يونيو 1969، بعض رفض مشروع اللاّمركزية الواسعة التي اقترحها في ذلك الوقت وتمّ تبنّيها وتطبيقها فيما بعد.
ولتدارك العجز الديمقراطي، يقترح رئيس المفوضية الأوروبية (البرتغالي) جوزي مانويل بازوزو أن تعمد الأحزاب الأوروبية، خلال الانتخابات القادمة للبرلمان الأوروبي إلى تكوين عائلات سياسية تؤيّد ترشيحا مشتركا لرئاسة المفوّضية وهو يريد بذلك، حسب تفسير البعض، تحميل المواطنين النّاخبين المسؤؤلية المباشرة في اختيار المسؤول الأول “للحكومة” الأوروبية التي يؤكد البعض الآخر أنّها لا تملك، في واقع الأمر، أيّة صلاحية حقيقية لفرض قراراتها التي تصطدم في كل وقت بسياسات الحكومات التي تمارس صلاحياتها كاملة في كل بلد عضو وترفض أن تداس سيادتها.
من الأكيد أنّ فكرة الفدرالية الأوروبية على طريقة الولايات المتحدة الأمريكية لم تنضج بعد.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018