أكثـر مـــن 40 تدخلا فرنسيـا

منذ موجــة استقــلال افريقيــــا

أمين بلعمري

 ارتبط تاريخ فرنسا فترة ما بعد الاستعمار للقارة الإفريقية بسلسلة من التدخلات في شؤونها، من خلال عمليات عسكرية مباشرة لإبقاء أنظمة موالية لها أنتجتها جيوش إفريقية تكوّنت على يد القوات الفرنسية إلى درجة أنّ عقيدتها العسكرية متشابهة إن لم تكن نفس عقيدة القوات الفرنسية اتجاه القارة بقيامها على مبدأين أساسين: الحرب الثورية ومحاربة العصيان التي كانت تعتمدها أثناء استعمار دول القارة الإفريقية.
هذا الوضع خلق نوعا من عدم الرضى لدى الشعوب الإفريقية التي كانت ترى في هذه الجيوش امتدادا ووريثا للجيش الفرنسي، وأدّت حالات التذمر تلك إلى مواجهات رامية من أجل تغيير هذا الواقع الموروث وتدخل فرنسا لحماية مصالحها عبر القارة السوداء، فما عدا بعض الدول الإفريقية التي تمكّنت من إحداث قطيعة وإنشاء جيوش وطنية بعقيدة عسكرية مخالفة لتلك الفرنسية، كانت الأغلبية بشكل امتدادا للجيش الفرنسي.
والحكومة الفرنسية التي لم تستطع التخلي عن عقدها الإستعمارية بعد خمسين سنة من استقلال دول القارة السوداء بداية بالكاميرون المستعمرة الأولى التي نالته سنة 1960.
وشنّت فرنسا عهدا جديدا مع القارة أو ما عرف بمرحلة ما بعد الاستعمار الحافلة بالتدخلات الفرنسية التي فاق عددها 40 تدخلا على مدى خمسين سنة أي بمعدل تدخل عسكري كل سنة ونصف، ففي سنة 1961 تدخّلت فرنسا عسكريا في تونس من أجل استرجاع القاعدة البحرية بنزرت. وحملت العملية اسم شاري لونغ، وبعد ثلاثة سنوات أي في سنة 1964 كان المسرح هذه المرة الغابون لإعادة الرئيس (ليون امبا) بعد تعرّضه لانقلاب عسكري، وفي نهاية الستينات وبداية السبعينات تدخّلت القوات الخاصة الفرنسية لإخماد ثورة (التيبستي) في التشاد،
ودائما لحماية الديكتاتوريات التي نصبتها فرنسا في إفريقيا ثم التعاون بين فرنسا والمغرب خلال عملية (قارفان) لدعم (موبوتو) لإخماد الإنتفاضة التي عرفتها الزائير سنة 1977 ضده، وبين سنتي 1978 وسنة 1980 تدخّلت القوات الفرنسية في كل من الزائير والتشاد، ومن أشهر العمليات الفرنسية في القارة الإفريقية التي رافقتها حملة دعائية شرسة ضد امبراطور إفريقيا الوسطى (بوكاسا) التي تمّ إسقاطه خلال عملية (باراكودا) ونصّب (دافيد داكو) لتتدخل القوات الخاصة الفرنسية تشاد سنة 19833 لمساندة الرئيس حسن جري ضد ثوار غونوكي ديوادي.
في العام 1985 استهدفت طائرات حربية فرنسية القاعدة الليبية في شمال التشاد، وإنزال قوات خاصة في الطوغو بعد محاولة انقلابية استهدفت الإطاحة بالرئيس (أياديما).
وفي سنة 1986 واجهت القوات الخاصة الفرنسية القوات الليبية المؤيدة للرئيس مسلسل التدخلات العسكرية الفرنسية في القارة السمراء بداية بجزر القمر بعد اغتيال الرئيس أحمد عبد اللّه واستلام جماعة (بود دينار) مقاليد البلاد، ثم تلتها (الغابون) ثم (رواندا) ثم الصومال بين سنتي 1992 و1994، ثم التدخل في الزائير مرة أخرى لإجلاء رعايا فرنسيين بعد اندلاع مواجهات مسلحة لقى على إثرها السفير الفرنسي حتفه.
ثم المهمة قامت بها في رواندا مع بداية أكبر المجازر ذهب صحيتها أكثر من 000 . 800 قتيل اتّهمت على إثرها القوات الفرنسية بالتواطؤ مع (الهوتو) بإنقاذهم ثم السماح لهم بالفرار إلى الزائير المجاورة، ثم التدخل في كل من جزر القمر مرة أخرى، هذه المرة من أجل القضاء على (بوب دينار) وتلتها التدخل في جيبوتي و(كوت ديفوار)، وفي جمهورية الكونغو الديمقراطية وصولا إلى التدخل في ليبيا سنة 2011 لإسقاط نظام معمر القذافي والتدخل العسكري الأخير مسرحه اليوم مالي الذي بدأ الجمعة الماضية.
إنّ السلوك الفرنسي اتجاه القارة الإفريقية يؤكّد أنّها لم تتخلّص من تراكمات الأساليب الإستعمارية رغم التطور الذي عرفته الشرائع والقوانين الدولية التي تنبذ هذه التصرفات المشينة التي تحمل كل معاني الإهانة والإستخفاف بالكائن البشري، حيث ومهما كان جنسه أو لونه أو دينه ولكن فرنسا لازالت تكبلها عقدة النموقية على كل ما هو إفريقي غير الناضج وغير الواعي، ولا يستطيع التطلع إلى المستقبل ولا بعقل وعيون فرنسا، وعقدة التدخل في شؤون الآخرين دفعت بوزير خارجيتها سابقا إلى اختراع نظرية التدخل الإنساني.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17799

العدد 17799

الأحد 18 نوفمبر 2018
العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018