الشرق الأوسط وحل الدولتين:

الأمم المتحدة والدور المفقود

محمد العربي

لقد بات من الحتمي لتسوية مشكلة الشرق الأوسط أن يعهد لمنظمة الأمم المتحدة بأداء الدور الرئيسي مجددا لفرض حل الدولتين على أرض فلسطين.
فكل السياسات المتبعة والمساعي المتوخاة حتى الآن، آلت إلى طريق مسدود وإلى تجميد مسار السلام الذي افتتح بالعاصمة الاسبانية مدريد في مطلع التسعينات، بفعل تعنّت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة والتحايلات الجارية دون أي رد من الراعي الأمريكي لمسار السلام لإيقافها ودفع العملية بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي لبلوغ مرحلة الوضع النهائي، وصولا إلى إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة على أرض الواقع.
ومما لاشك فيه أن قبول فلسطين كدولة مراقبة في منظمة الأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر 2012، يفتح الباب أمام استعادة هذه الأخيرة  لدورها الرئيسي، ليس فقط كضامن للسلام والأمن في العالم وخاصة في الشرق الأوسط، بل لكونها تتحمل مسؤولية كبيرة في هضم الحقوق المشروعة والتاريخية للشعب الفلسطيني، حيث إنها منحت خلال عملية تقسيم فلسطين إلى دولتين عام 1947، شهادة الميلاد لاسرائيل، ثم تخلت عن تفعيل الشق الثاني بإنصاف الشعب الفلسطيني.
والواقع أنه منذ البداية، تم تحييد الأمم المتحدة في كل ما يتعلق بالشرق الأوسط والقضية الفلسطينية، خصوصا لفائدة تكفل الدول العظمى بهذه المنطقة الهامة من العالم وتقسيمها إلى مناطق نفوذ وتبعية للشركات المتعددة الجنسية.
فلطالما ظلّت منطقة الشرق الأوسط خاضعة للعبة التجاذب بين واشنطن وموسكو، ضمن سياق الحرب الباردة وسعت كل واحدة منها لاحتواء أجزاء من الوطن العربي الذي فرزت اقطاره، زعما، بين “محافظين” و “تقدميين” هم في الواقع توابع للمعسكر الغربي أو الشرقي، بفعل المساعدات العسكرية والمالية وغيرها.
وقد تلا ذلك إقامة عملية السلام منذ مرحلة مدريد وتساهلت منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة رئيسها ياسر عرفات ومند بدايتها، وضعت قواعد حصرية للتفاوض لوضع كل الأوراق في أيدي الاسرائيليين، خلافا لكل منطق والحال أنّه كان من الأجدر وضعها في أيدي الفلسطينيين، الطرف الأحق في المعادلة.
ومع ذلك، مضى الفلسطينيون مطالبين بحقوق مشروعة وتاريخية وراسخة، إن بالتفاوض السري أو العلني وتمكنوا من التوصل، عام 1993، إلى “اتفاق أوسلو : غزة ـ أريحا أولا”، المبرم بين ياسر عرفات عن الجانب الفلسطيني واسحاق رابين وشمعون بيريز عن الجانب الاسرائيلي وقد تمت مباشرة الخطوات الأولى المنصوص عليها بإقامة السلطة الوطنية الفلسطينية وتحويل بعض الفصائل إلى شرطة وتنصيب هياكل الحكم المحلي.
غير أن العملية بدأت تتعثّر باغتيال اسحاق رابين الذي قيل أنه أراد أن يفي بوعوده ويصل إلى الغاية المنشودة وهي إقامة الكيان الفلسطيني إلى جانب الكيان الاسرائيلي.
ثم ازداد الوضع خطورة بمناورات الحكومة العمالية برئاسة يهود براك التي أجهضت وساطة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون والرئيس الفرنسي جاك شيراك في نهاية التسعينات وأضحى اتفاق “واي بلانتيشن” حبرا على ورق، بعد إصرار ياسر عرفات وتمسكه بحق عودة اللاجئين والتفاوض الكامل واللامشروط بشأن الوضع النهائي وإقامة الدولة الفلسطينية على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، أي ضمن حدود 4 يونيو 1967.
كما تلت ذلك مناورات من نوع آخر، أي بإعادة تشكيل الساحة السياسية الاسرائيلية وإنشاء حزب »كاديما« ثم مضي الجنرال أريل شارون في عجرفته التي أدت إلى محاصرة ياسر عرفات بمقر رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية بمدينة رام اللّه ومحاولة إهانته بطرده إلى المنفى، وهو ما رفضه عرفات، مؤكدا إرادته في المقاومة والاستشهاد إن لزم الأمر وهو ما حصل بالفعل.
ولم يتوان الاسرائيليون، بمختلف تياراتهم، عن الاستمرار في سياسة الاستيطان وزرع المزيد من المستوطنات بضم الأراضي الفلسطينية لخلق أمر واقع جديد يحول دون استقبال اللاجئين الفلسطينيين الذين يكفل لهم حق العودة إلى وطنهم.
والواقع أن الاسرائيليين سوف يمضون على هذا النهج الاستيطاني وما انتخابات 22 يناير 2013، إلا مسرحية جديدة ثم إخراجها لإظهار بن يامين ناتنياهو وكأنه معتدل أمام متطرفين على غرار أفيكدور ليبرمان. أو أرياح كينغ، أو نفطالي بينيت، الذين يرفضون التنازل عن شبر واحد من “ايرتز اسرائيل” (الكبرى) للفلسطينيين ولسوف يستمرون في هذه العجرفة إذا توجه ناتنياهو، الحاصل على أغلبية بسيطة في الانتخابات، أي 31 مقعدا في البرلمان الاسرائيلي، إلى التحالف مع الأحزاب الدينية الحاصلة على مقاعد تعد على أصابع اليد الواحدة وتوفر له الأغلبية الحقيقية.
لكن بعض المراقبين الغربيين يلاحظون وجود خيار آخر أمام ناتنياهو بالتحالف مع أحزاب الوسط “المعتدلة” لتشكيل حكومة جديدة من شأنها استئناف المفاوضات مع الطرف الفلسطيني وحجتهم تمكين ناتنياهو من الإفلات من ضغوط الأحزاب الدينية التي بالإضافة إلى عدائها الصارخ للفلسطينيين، تعمل على الدفع إلى ضرب المنشآت النووية الايرانية لتدميرها وهو ما ترفضه الولايات المتحدة الأمريكية والرئيس باراك أوباما، لأنه سيسفر عن وقوع حرب مدمرة في الخليج العربي والشرق الأوسط، بما في ذلك توسيع رقعة الحرب إلى العراق والأردن، فضلا عن سوريا وهو ما يفتح الباب أمام كل الاحتمالات المدمرة للسلام والأمن في الشرق الأوسط والعالم.
إنه حان الوقت لنزع فتيل هذه الحرب المدمرة ودفع الأمم المتحدة للتكفل بالعملية السلمية بدعم من الدول الأجنبية وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وكذلك الدول العربية التي يجب عليها، أكثر من أي وقت مضى، أن تحشد صفوفها وأن لا تتوانى في تغليب الحل الذي تقترحه منذ مؤتمر القمة العربية ببيروت عالم 2002 والذي يعدّ ورقة رابحة من الممكن جدا أن تؤتي أكلها، فالمجال الأممي مفتوح واللعبة ممكنة وربما تكون هذه الأخيرة وسيلة للإفلات من دوامة الفوضى العارمة والتسيب وانحلال الهياكل الحكومية في الأقطار التي طالها ما يسمى بالربيع العربي.
مع العلم أن الجميع متأكد ـ  والاسرائيليين أكثر من غيرهم ـ أن أكبر ضامن لوجود وأمن اسرائيل هو الكيان الفلسطيني الحقيقي في إطار دولة قائمة ومعترف بها ولها حدود واضحة المعالم وتفتح الباب على مصراعيه للعمل مع اسرائيل والدول المجاورة وخاصة منها الأردن في المجالات الاقتصادية والاجتماعية التي لاشك أن تنميتها ستخلق اندماجا حقيقيا.
وكم نحن بعيدون الآن عن هذا التصور المثالي، بالنظر إلى الأخطار المحدقة والتي يخشى أن تؤدي إلى تقسيم بعض أقطار المشرق العربي والتي نأمل أن يتم دحرها.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018