رحابي في حوار مع “الشعب”

“تيقنتورين” عززت الجبهة الداخلية وقوّت التضامن الدولـي مع الجزائر

حاورته: فضيلة دفوس

توقف وزير الإتصال السابق، الأستاذ الجامعي عبد العزيز رحابي عند التطورات التي تشهدها الحرب في مالي، خاصة مع الإعلان عن تصفية رؤوس التنظيم الارهابي “القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي”، وشدّد على ضرورة التعجيل بإطلاق عملية الحوار والمصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة في باماكو، بإشراك أبناء الشمال الذين ينبذون العنف ويتمسكون بحقهم في التنمية والمشاركة السياسية.

وعاد الأستاذ رحابي إلى موقعة تيقنتورين التي أظهرت  من جهة قدرات الجزائر ومدى خبرتها في مواجهة الإرهاب، ومن جهة ثانية كانت نقطة تحول في الموقف الدولي الذي توحد حول هدف مشترك وهو محاربة الخطر الإرهابي الذي أصبح يهدّد أمن الساحل.
الشعب: نجحت الجزائر في القضاء على المجموعة الارهابية التي اعتدت على الموقع الغازي بعين أمناس، وأبانت عن قدرة وحنكة كبيرتين في مواجهة هذا الاعتداء الجبان، فما هي قراءتكم لهذا النجاح، وكيف تقيمون الإشادة الدولية بتحرير الرهائن في تيقنتورين؟
رحابي: كان هنالك اجماع دولي وبدون أي تحفظ على الإشادة بالتدخل الجزائري لحل الأزمة، وهذا أمر مفرح ومهم، لأننا لمدة طويلة أحسسنا بأنفسنا معزولين ونحن نحارب الإرهاب بمفردنا.. ظلت الجزائر وحدها تندّد بهذه الظاهرة البعيدة كل البعد عن الإسلام وتحذر من ألا أحد  بمنأى عنها، وبأنها عابرة للحدود ويمكنها أن تحط الرحال بأي دولة لتهدد أمنها وتنسفه.
إن أكبر “مكسب” من حادثة تيقنتورين على خطورتها هو الخروج بقناعة مفادها توحيد الموقف الدولي لمكافحة الإرهاب وهو هدف ظلت الجزائر تعمل من أجل بلوغه لمدة 20 سنة كاملة، كما حظيت الجزائر بمؤازرة خارجية لم تشهدها من قبل.
 والمكسب الثاني هو تعزيز الجبهة الداخلية التي أصبحت تتحدث لغة واحدة، فتقنتورين حققت اجماعا وطنيا على ضرورة الضرب بيد من حديد لاقتلاع  شوكة الارهاب.. لقد رأينا من خلال وسائل الاتصال الحديثة كيف أن الجميع وفي مقدمتهم الشباب، أثنوا على دور الجيش في عين أمناس، ومن خلاله الجزائر التي أصبحت بفعل تجربتها الطويلة قادرة على مواجهة خطر كبير مثل احتجاز مئات الرهائن وتحريرهم بأقل الخسائر.
أزمة معقدة متعددة الأوجه
❊ كيف يمكن للجزائر أن تواجه وتصد التداعيات الخطيرة للأزمة والحرب في مالي؟ وهل بإمكانها أن تقوم بذلك بمفردها؟
❊❊ الجزائر لها حدود مع سبع دول كلها تواجه مشاكل وتعيش أوضاعا متوترة.. أكثر من 6 آلاف كلم من الحدود كلها “ملغمة”، وهو وضع غير عادي لم تعشه الجزائر منذ الاستقلال ولأول مرة نواجه تداعيات أزمة ليست أزمتنا، وهذه التداعيات لها عدة أوجه، فهي ذات طابع انساني بفعل نزوح آلاف الماليين فرارا من الحرب وعسكري بفعل بفعل تسرب السلاح، ومادي يفعل تجنيد الجيش وتعبئته واستنفاره..
تداعيات الأزمة في مالي والحرب على الارهاب ذات تداعيات على الجزائر، لكن مبدئيا إذا اعتبرنا بأن الإرهاب ظاهرة دولية، فلابد أن يكون هنالك دعم وتعاون دولي لمحاربته، ولا يجب ترك الجزائر التي لها أولويات داخلية هائلة تحمل هذا العبء لوحدها، فالإرهاب ظاهرة خطيرة ومساحة تحرك الارهابيين واسعة وضمان أمن الحدود مسؤولية شاقة تستدعي تعاونا دوليا.
❊ كيف تقيّمون موقع الجزائر من حل الأزمة في مالي، وماهو الدور الذي يمكن أن تلعبه لإنجاح العملية السياسية.
❊❊ لقد حدّد قرار مجلس الأمن رقم 2085 مسؤولية كل الدول، وكل الدول لها مسؤولية لمساعدة مالي، وللجزائر ما يسمي بالارتباطات، وإذ أنها ملزمة مثل غيرها بتنفيذ القرار الأممي الذي أيدته والذي ينقسم إلى شقين، الأول يقضي بتدخل عسكري لدحر الجماعات الارهابية والثاني يقر عملية سياسية لإعادة الحياة الدستورية في مالي.
إن مشاركة الجزائر في تنفيذ الشقّ الأول من القرار تأتي من خلال تأمين الحدود وعدم ترك الارهابيين يفرون، والمؤكد أن تأمين الحدود هو مشاركة جبارة ومكلفة تقدرها مالي والمجموعة الدولية التي أثنت ولازالت على الايجابية التي تعاملت بها الجزائر مع الأزمة والحرب في البلد.
أما بخصوص الدور الذي يمكن للجزائر، أن تلعبه لمساعدة مالي على الانتقال السياسي، فهو مرتبط بالطرح الجزائري منذ البداية والذي كان مسؤولا وسليما لكنه يحتاج إلى وقت وإرادة.
وهي للأسف كانت مفقودة لدى الجماعات الارهابية الأمر الذي عجل بالحرب وفرضها كأولوية..
وميزة الحرب في هذه الظروف أنها توضح الرؤية وتظهر حقيقة المجموعات التي احتلت شمال مالي.
لقد بينت الحرب من هي المجموعات الارهابية الواجب محاربتها، ومن هي الأطراف التي تنبذ العنف والتي يجب محاربتها.
الحرب كانت ضرورية لحسم هذه المسألة، أما عن العملية السياية وإعادة إعمار مالي، فأعتقد بحكم الجيرة والترابط السكاني، فإن الجزائر سيكون لها دورها في هذا المجال، كما أعقتد بأن تطبيع الوضع في مالي سيأخذ بعض الوقت من سنتين إلى ثلاثة، والمرحلة الانتقالية ستكون للحوار والوفاق ولم شمل الماليين وحل الاشكالية الإدارية لتجاوز المركزية.
لا يوجد امتداد شعبي للإرهابيين
❊ دخلت الحرب في مالي الجزء الأصعب كما قال وزير الدفاع الفرنسي، وبدأت رؤوس الإرهاب “تقطف” تباعا، فكيف تقرؤون هذه المرحلة وكيف تتوقعون مسار الحرب؟
❊❊ لم أعتقد أبدا بأن لما يسمى بالقاعدة نفوذ في مالي، أو بأنها يمكن أن تفرض نفسها بالقوة وبالإرهاب، والدليل أنه بعد دخول القوات الفرنسية والتشادية إلى المدن الشمالية التي كانت تحتلها منذ مارس 2012، لم تجد أي مقاومة من الشعب هناك، فالارهابيين ليس لهم امتداد شعبي لهذا لن يكون لهم مكان شمال مالي.
وأجزم بحكم معاشرتي له، أن شعب مالي طيب، يحب الإسلام والسلام وهو معتدل ينبذ التطرف..
إن الجماعات الارهابية لا يمكن أن تفرض سيطرتها في منطقة ما إلا لفترة محددة وبالقوة والترهيب، ولم يكن لها اتباع أو امتداد في شمال مالي، لهذا فرّت إلى الجبال، وهناك اصبحت محاربتها سهلة خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي اكتسبت خبرة كبيرة في أفغانستان، أما عما يتداول عن تصفية رؤوس الإرهاب، ففي تقديري الشخصي لم يعد للنواة الصلبة من هذا التنظيم أي نفوذ، وقد كانت الجماعة الارهابية في اشارة إلى “أنصار الدين” لهم فرصة تاريخية للمفاوضات لكنهم أضاعوها وظنوا بأنهم بتخويفهم لباماكو يمكن أن يفعلوا الشيء نفسه مع العالم الذي توّحد في موقفه لمحاربتهم..
يدفعون الثمن غاليا، لأن من يريد حكم بلاد وشعب بالعنف والترهيب، قد يحقق ذلك لفترة محدودة، لكن الأمر لن يدوم طويلا.. لن يكون مستقبل للارهابيين في المنطقة مادام المجتمع  الداخلي والدولي تجند لمحاربتهم..
مراجعة النظام الإداري وإشراك
سكان الشمال في المعادلة الوطنية
❊ في كلمة أخيرة... إلى أين يتجه الوضع في مالي والمنطقة عموما؟
❊❊ الرّد الجزائري في تيقنتورين أظهر قوة الجزائر، وأكد بأنها الحلقة الأقوى في المنطقة وأنا متفائل بأن الجزائر ستكون بمأمن عن أي خطر إرهابي.
وبخصوص الوضع في مالي، فأعتقد بأنه يجب التعجيل بالخروج من المرحلة الانتقالية واطلاق حوار للمّ  الشمل وتجاوز الاختلافات وتحقيق الوفاق والمصالحة.
ومن الضروري حل الاشكالية الإدارية، فأساس المشكلة في مالي هو المركزية إذ أن الشمال يعتبر نفسه مهمش لهذا يجب إعادة النظر في النظام الإداري واشراك الشماليين في السلطة..
ومن الضروري أن تظهر باماكو جدية في حل هذه المشكلة، وأذكر بأنه وقبل أكثر من 20 سنة وتحديدا في عام 1991،  تم توقيع اتفاقيات تمنراست التي توصي بوضع حد للغبن الذي يعيشه الشمال، لكن لا شيء تحقق في الميدان  وهو عامل ساعد على تأزم الوضع وانفجاره الى الحرب التي تدور رحاها هناك، لهذا على باماكو أن تصحح أخطاءها السياسية السابقة لأنه الطريق الى الإنفراج.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018