الحرب الأهلية تشحذ انيابها

الصراع الدموي في سوريا يدخـل عــامه الثـالث

فضيلة دفوس

تدخل سوريا هذه الأيام عامها الثالث وهي تعيش أجواء العنف والاقتتال الداخلي والتدمير الذاتي، وتشهد صراعا محموما على السلطة بين نظام متمسك بشرعيته ويصر على الدفاع عنها بكل الوسائل والإمكانيات،  ومعارضة تائهة بين انقساماتها وولاءاتها لجهات خارجية متآمرة، تظهر ملامحها بشكل واضح، وهي تحرك هذه المعارضة من وراء الستار كما تحرك؛ الدمى، وتصب الزيت على النار لتحرق بلاد الشام وشعبها...

عاشت سوريا سنتين كاملتين في جحيم ما يشبه الحرب الأهلية، وهي اليوم تدخل عامها الثالث دون أن يظهر في الأفق أمل لحل الأزمة التي تعصف بها رغم سلسلة المبادرات التي طرحها هذا المبعوث الأممي والآخر، وهذا الطرف وذاك، والتي كانت تصطدم بتعنت النظام حينا وبشروط المعارضة التعجيزية في أحابين كثيرة، ليبقى المشهد السوري دراماتيكيا يطغى عليه القتل والهدم والتهجير القصري للناس، وإصرار جنوني على التدمير الذاتي الذي ستجني ثماره بكل تأكيد الجهات التي يهمها التخلص من كل من يرفع لواء المقاومة حتى وإن كان بخطابات سياسية جوفاء.
ليل سوريا طويل وحالك ولا ضوء يبزغ في الأفق، طبعا فالكل هنالك متمسك بموقفه، ولا أحد يريد أن يقدم التنازلات المرجوة لاخراج السفينة إلى بر الأمان، لتبقى هذه الأخيرة بين الأمواج العاتية تلطمها ذات اليمين وذات الشمال فتغوص حينا وتطفو آخر، ويحبس الجميع أنفاسه خشية أن ينتهي بها المطاف في أعماق بحر الحرب الأهلية التي بدأت ملامحها ترتسم بوضوح، بل وصورتها تكتمل خاصة وأن المجموعات الارهابية دخلت على الخط، وفرضت نفسها في الميدان لتنفذ عملياتها القذرة من تفجيرات واغتيالات وخطف، وآخرها احتجاز 21 جنديا فلبينيا من قوات حفظ السلام الأممية في منطقة الجولان.
فإلى أين وصلت سوريا بعد عامين من التدمير الذاتي؟ وإلى أين يقودها جنون أبنائها الضالين، ومن يقف وراءهم ويمولهم بالمال والسلاح ولأي غرض؟
عود على بدء
بدأ الصراع الذي يدخل عامه الثالث في سوريا كامتداد لما شهدته ما تسمى ببلدان »الربيع العربي« ، حيث انتقلت إليها حمى الاحتجاجات والمظاهرات واعتقد كثيرون أن الأسد سوف لن يصمد طويلا أمام الأعاصير التي تهز أركان نظامه وأخذت السيناريوهات ترسم ملامح نهايته تباعا، بين من يراها مشابهة لنهاية بن علي أو مبارك، أو علي عبد الله صالح، أو القذافي، وهي الأكثر دموية ومأساوية، لكن لا أحد توقع  صمود الرجل طول هذه المدة في وجه المعارضة التي أخذت توسع مطالبها وتمدد نفوذها وتعزز قدراتها بدعم من أنظمة غربية وعربية على وجه الخصوص همها الوحيد هو الإطاحة بالرئيس السوري كونه الذراع الأيمن لايران العدوة اللذوذ لأكثر من طرف...
لقد أجهض الأسد كل سيناريوهات الاطاحة به، واستطاع بفضل التفاف الجزء الأغلب من الشعب حوله، ووقوف الجيش إلى جانبه، أن يكبح »تسونامي« التغيير ليس في بلاده فقط بل وفي البلدان العربية التي كان يهدد باحتياجها، إذ تراجعت شعوب هذه الأخيرة عن مشاريع »الثورة« ضد أنظمتها خشية أن تنزلق بها الأوضاع إلى ما تشهده بلدان »الشتاء العربي«  من توتر أمني وفوضى سياسية وتراجع اقتصادي وأوجاع اجتماعية.
لكن صمود الرئيس السوري لسنتين كاملتين، وإن حفظ نظامه من الانهيار حتى الآن، فإنه لم يمنع بالمقابل من سقوط بلاد الشام في براثن صراع دموي ذو طابع طائفي واقليمي وحتى دولي، خلف أزيد من 70 ألف قتيل ودفع بمليون شخص للجوء إلى دول الجوار حيث يعيشون ظروفا مأساوية، ودمر البنى التحتية وفتت الوحدة الشعبية، وفتح ابواب جهنم على أبناء الشام الذين لايدرون إلى حد الآن من أين ولما حلت بهم هذه المصيبة، ولا يستوعبون، كيف أن دولا شقيقة تصر على شحذ سكاكينها وتمريرها على جراحه النازفة لتعميقها والرفع من درجة الألم والمعاناة.
إبن ضال وشقيق متآمر
لقد رهنت بعض البلدان العربية وسائل اعلامها وأموالها وآلتها الدبلوماسية لدعم المعارضة السورية المسلحة صراحة، ودخلت طرفا في أزمة كان بالإمكان حلها من خلال تنازلات يقدما هذا الطرف أو ذاك، ومنذ البداية ظهر جليا أنها لا تريد للوضع في سوريا أن ينفرج، بل على العكس تماما حيث أخذت تعمق الخلافات وتوسع الشرخ بين أبناء الشعب الواحد، وأخطر ما تفعله هذه الدول  التي نراها منذ سنتين تنفذ بدقة مهمة مرسومة لها لضرب استقرار بعض البلدان العربية، هو تسليحها وتدريبها للمعارضة السورية بدعم من الغرب، وبهذا الخصوص كشفت مجلة »ديرشبيغل« الألمانية يوم الأحد أن أمريكيين يدربون مقاتلين من المعارضة السورية في بلد عربي مجاور، وحسب الاسبوعية فقد تلقى نحو 200 معارض تدريبات مماثلة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، وهناك خطط لتدريب 1200 معارض آخر في معسكرين بذات البلد المجاور الذي يستقبل مئات الآلاف من اللاجئين.
إن الدور التدميري الذي تقوم به بعض البلدان العربية لصالح جهات عربية، والتي لا يهمها سقوط بشار بقدر ما يهمها انهيار بلاد الشام ودخولها في حرب أهلية قاضية لا يتوقف على تزويد المعارضة بالسلاح وتدريبها على استعماله، وإنما تعمل هذه البلدان بدون هوادة على عرقلة كل محاولة لجمع طرفي الصراع السوري حول طاولة مفاوضات تفضي إلى حل سلمي للأزمة، إذ أنها تصر على وضع العقدة في المنشار والعربة أمام الحصان وتدفع المعارضة إلى رفض أي مفاوضات قبل رحيل الأسد في سلوك يظهر بشكل واضح إصرار هذه الدول المؤثرة ومن يقف وراءها على  تمديد وتعفين الصراع السوري الذي تحول إلى صراع اقليمي بل ودولي يستعرض فيه الجميع عضلاته وخبث مؤامراته على حساب شعب يريء يستعجل الخلاص من هذا الكابوس عبر تفاهمات بين النظام والمعارضة توقف اراقة الدماء وتعيد لبلاد الشام عافيتها، فمتى يتحقق هذا الحلم،  بل وهل يمكن أن يتحقق  والجامعة العربية وهي الخاضنة التي يجب عليها أن تداوي جراح كل أعضائها، بدل أن تلعب دور رجل المطافىء فإنها على العكس تماما أخذت موقعها إلى جانب المعارضة، ولا تكتفي بالدعم المعنوي فقط، بل إنها لا تتردد في إصدار قرارات شادة لتسليحها؟
المأساة السورية آخذة في التوسع والنيران آخذة في الانتشار لأن النافخين فيها كثر،ُ ُ فمتى تنتهي معاناة اهل الشام؟

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018