“الشعب” في مخيمات اللاجئين

الصحراويون يتحدون الظروف حياة الصعبة ويتمسكون بالعودة إلى الارض المغتصبة

مبعوث “الشعب” إلى المخيمات الصحراوية عمار حميسي

بمجرد اختياري للسفر إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين لتغطية الماراطون الدولي في طبعته أل 13 و الذكرى أل 37 لتأسيس الجمهورية العربية الصحراوية ...
 سكنني فضول كبير للتعرف عن قرب على طبيعة الشعب الصحراوي واكتشاف عاداته وتقاليده إضافة إلى معرفة سر صموده رغم الظروف الصعبة التي يمر بها وللسفر إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين كان يجب المرور  عبر مدينة تندوف التي وصلناها بعد رحلة طيران استغرقت ثلاث ساعات

و ضمت إلى جانب الوفد الصحفي الذي كلف بتغطية تظاهرات الذكرى 37 لتأسيس الجمهورية الصحراوية وفد من الكشافة الإسلامية إضافة إلى عدد كبير من العدّائين الجزائريين الذين كانوا معنيين بالمشاركة في الماراطون .
 و بعد ان حطت بنا الطائرة الرحال في المطار
  وجدنا المكلف بالاتصال في سفارة الجمهورية العربية الصحراوية بالجزائر في استقبالنا ..
 لتقلنا  بعد ذلك سيارات رباعية الدفع  عبر طريق محوري يتجنب دخول مدينة تندوف  التي بدت لنا  في الأفق هادئة كغيرها من مدن الجنوب الكبير...
 مدينة منبسطة  بطقس جاف و هواء نقي أما  الشمس التي تركناها تشرق في الجزائر العاصمة فقد كانت هنا تشع بقوة ...
 و بعد مسيرة نصف ساعة أو أكثر بقليل صادفنا أول حاجز امني للدرك الصحراوي  فعرفنا أننا اقتربنا من الوصول إلى مخيم بوجدور و هو مقصد رحلتنا.
أكديم ايزيك شاهد على الجريمة المغربية
مباشرة بعد وصولنا إلى مخيم بوجدور تم  توزيع  الصحفيين إلى مجموعتين كل  واحدة ضمت سبعة أفراد وتم توجيهها للإقامة في “الخيمة” أو كما يسمى دار الاستقبال حيث حل كل واحد ضيفا على عائلة معينة تتكفل بك إلى غاية مغادرتك للمخيم....
و بعد وصولنا إلى المنزل الذي سنقيم فيه خرجت امرأة صحراوية مرحبة اسمها “فطيمتو” وقد كان  باب البيت حديديا أما أرضيته فهي من زليج أبيض يميل إلى الاصفرار...
 أول ما يصادفك مباشرة بعد ولوجك المنزل قاعة الاستقبال وقد تم فرشها على الطريقة الصحراوية حيث يجلس الجميع إلى أرضية متساوية...
 وككل البيوت الصحراوية كانت عدّة الشاي جاهزة وصوت التلفزيون يضفى نوعا من الدفء على وحشة المكان بالنسبة لشخص ما زال يستكشف محيطه الجديد ...
  وعلى عادة أهل الصحراء سيفاجئ المرء كل مرة بشخص امرأة أو رجل أو طفل يدخل ويلقي التحية قبل أن ينسحب أو يأخذ مكانه بين الجلوس ...
 و بعد أن أخذنا قسطا من الراحة عادت صاحبة المنزل مرة أخرى إلينا وأخذنا نتبادل  أطراف الحديث حيث أخبرتنا أن زوجها غائب لأنه يعمل سائق سيارة أجرة (وهي عبارة عن سيارة رباعية الدفع) حيث يقوم بنقل الركاب إلى غاية موريتانيا وتستغرق رحله ذهابه و عودته أربعة أيام كاملة ...
و بعد تناولنا لوجبة الغذاء سمعنا أن تجمعا احتجاجيا سيقوم به بعض الشباب تضامنا مع النشطاء الـ24 الذي حوكموا عسكريا في المغرب أو ما يعرف بقضية مخيم اكديم ايزيك  و كان  التجمع الاحتجاجي سلميا و معبرا عن حقيقة مشاعر الصحراويين تجاه إخوانهم الذين كان همهم الوحيد التعبير عن رأيهم بطريقة سلمية .
لكنهم ككل مرة قوبلوا بالة البطش التي لم تترك لهم أي فرصة للتعبير السلمي عن مطالبهم.
جيل المخيمات.. الأرض قبل كل شيء
 مع نهاية التجمع كان النهار يشارف على الزوال و كانت هذه فرصتي  للتعرف  عن المخيم من خلال التجول فيه و قد لفت انتباهي انه مكون من منازل مبنية بالطين و الطوب و مغطاة بالقش أو القصدير لتقي أهلها قساوة برد الشتاء و حرارة الصيف... و قد جمع مخيم بوجدور  أو “الـ27” كغيره من المخيمات فئات مختلفة تضم الكهول و الشيوخ الذين يعيشون على ذكريات وطن  هجروه مرغمين على أمل العودة  الحتمية
 أما الشباب والأطفال الذين ولدوا  في المخيم ولم ينعموا برؤية منبت الآباء والأجداد فلا تقل حماستهم عن غيرهم من سكان المخيمات  للعودة  إلى أرضهم التي حرموا منها ومن خيراتها بسبب الاحتلال الغاشم ...
و في هذا المقام قال لي ولد السالك بابا وهو شاب لم يتجاوز الـ25 سنة.... “الاحتلال زائل لا محالة ولا بديل لنا سوى تحرير الوطن لننعم بالسلام والحياة الكريمة”...
 و من فوق التلة الصغيرة التي ينتصب تحتها بيت “فطيمتو” المتواضع بدا السطح مغطّى بصفائح القصدير وقد طليت بطين أبيض لتخفيف الحرارة في النهار والرطوبة في الليل ...
 وعلى مرمى البصر وفي ليلة مظلمة تضيئها النجوم المتلألئة في سماء صافية تضفى على المكان نورا أزرقا سحريا ... بدت بيوت المخيم متناثرة تدل أضواءها على شساعة المخيم الذي يطلق عليه “27 فبراير” أو مخيم بوجدور ....
 و قد قال لي احد سكانه بأنه كان في الأصل مدرسة للإناث تحمل الاسم الذي يدل على تاريخ الإعلان  عن قيام “الجمهورية الصحراوية” .
 لكن بعد وقف إطلاق النار عام 1991  واكتظاظ باقي المخيمات سمح لبعض الأسر بالإقامة فيه . ..
وميزة هذا المخيم عن باقي مخيمات اللاجئين الصحراويين هو توفره على الكهرباء و الانترنت وقربه من مركز القيادة التي تسمى  .....” الرابوني” ...
لذلك فأغلب سكانه من موظفي وإطارات جبهة البوليزاريو ولا يوجد في ذلك أي امتياز لسكان هذا المخيم مقارنة بسكان المخيمات الأخرى وإنما باعتباره مقرا عمليا بالنسبة لإطارات  الجبهة  و موظفيها ...
 كنت بذلك قد قضيت يوما كاملا  بنهاره وليله  أتجول في المخيم  حتى بدأت أتلمس بعض جغرافيته وأستأنس إلى حديث أهله ..
 وفي هدوء الليل لفت انتباهي الصمت الذي يخيم على المخيم الذي تلفه الظلمة من كل مكان  فحتى نباح الكلاب هنا غير موجود ... فقط برد قارس ...يلسع الجلد....  
لأعود بعد ذلك إلى “الخيمة” أي “البيت” الذي أنزل بين أهله  لأجد غرفة الاستقبال  مزينة  كالعادة... بجلسة الشاي الصحراوي ...
رغم أن هناك العديد من الدول تتضامن مع الشعب الصحراوي من خلال مده بالمساعدات الإنسانية إلا أن الأمر الملاحظ هو غياب التواجد  العربي ...
فحتى عندما تم  برمجة ماراطون الرمال في طبعته أل 13 كان الملاحظ هو غياب العدائين العرب فقد كانت الجزائر هي المشاركة العربية الوحيدة  ...
و عن الغياب العربي سالت وزير الشباب والرياضة الصحراوي مولود محمد فاضل  على هامش فعاليات الماراطون...
 فقص علي حكاية ادهشتني اذ  قال أن بعض الجمعيات الشبانية الصحراوية تلقت دعوة للمشاركة في تظاهرة شبانية احتضنتها مدينة اربيل العراقية ..
و خلال سفرها كان لزاما عليها المرور عبر دولة عربية  لأنها الوحيدة التي تملك خطا مباشرا نحو اربيل لكن المفاجأة أن هذه الدولة رفضت قدوم  الشباب الصحراوي...
 و ادعت عدم وجود خط مباشر إلى اربيل  و يعكس هذا الأمر غياب الدعم العربي أو تغييبه لكن رغم ذلك هناك بصيص من الأمل لاح في الأفق حسب الوزير محمد فاضل ...
 بفضل الربيع العربي الذي افرز نخب حكم جديدة و ما على القيادة الصحراوية إلا توطيد العلاقة معها وهو الأمر الذي تقوم به حاليا ...
 وفي صبيحة اليوم الموالي غادرت البيت صحبة  زملائي الصحفيين إلى مقر “إتحاد الصحافيين والكتاب الصحراويين” وهو عبارة عن غرفتين صغيرتين بهما طاولتين صغيرتين لحاسوبين...
 وداخل المبنى الصغير كان بعض الشباب يجلس أمام شاشة صغيرة يتابع أحد الأفلام الغربية على الـ”دي في دي”...
 النقاش هنا يدور حول آخر الأفلام وآخر برامج الكمبيوتر وعن آخر تقليعات الموضة...
 “الكلاسيكو”... بأعين الصحراويين
بقدر ما كنت سعيدا لأنني سأسافر إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين بقدر ما كنت حزينا لان موعد المهمة تزامن مع إياب نصف نهائي كأس ملك اسبانيا بين الغريمين ريال مدريد و برشلونة ....
 لقد كدت اقطع الامل في مشاهدة المباراة لكنني التقيت بأحد الشباب الذين ربطتني بهم صداقة بمجرد وصولي للمخيم ...
وكان اسمه احمد و هو متحصل على شهادة في علم النفس من جامعة الجزائر و هنا سألته ....هل تشاهدون مباريات الدوريات الأوروبية ؟ ...فأجاب ... “نعم.... من خلال تلفزيون الجمهورية العربية الصحراوية....” .....  واعتقدت انّه يمازحني .
لكنه ضرب لي موعدا قبل بداية المباراة بنصف ساعة عند..”القوس” ... وهو مدخل الساحة الكبيرة التي تتوسط المخيم و عندما ذهبت   وجدته في انتظاري أين اصطحبني إلى إحدى الخيم التي تم نصبها خصيصا لمتابعة “الكلاسيكو” بين “البارصا” و”الريال”....
 داخل الخيمة كانت هناك مجموعة من الشباب  اتت خصيصا لمتابعة المباراة ...
  المفاجأة أن التلفزيون الصحراوي كان بالفعل يبث المواجهة لكن من خلال قرصنتها...
 و بخصوص هذه الخيم أكد احمد انه يتم نصبها خصيصا خلال المباريات الكبيرة و هو الأمر الذي حدث خلال كاس العالم و كاس أوروبا و بدرجة اقل كاس إفريقيا.  
لكن ما سر شعبية “البارصا” في المخيمات ؟ يحظى فريق برشلونة الاسباني بشعبية كبيرة في مخيمات اللاجئين الصحراويين عكس فريق ريال مدريد....
و رغم أنني كنت اعتقد أن سر شعبية “البارصا” يعود لامتلاكه  الجوهرة الأرجنتينية ميسي أو لاعبين آخرين مميزين على غرار تشافي أو فابريغاس ....
إلا أن شعبية برشلونة الطاغية في المخيمات ليس لها أي علاقة بتعداد الفريق أو النجوم الذين يضمهم ...
 فالسبب يكمن في أن اغلب الجمعيات الخيرية و الإنسانية التي تأتي إلى المخيمات لمساعدة اللاجئين هي من إقليم “كاتالونيا” الاسباني .
الذي يمثله فريق برشلونة بينما يعود كرههم لريال مدريد  لتمثيله العاصمة الاسبانية ....أي “النظام”.... المعروف حسبهم بموالاته للمغرب في جميع أطروحاته الاحتلالية ....
    إشادة بالدور الجزائري
في اليوم الأخير قام سفير الجمهورية العربية الصحراوية في الجزائر إبراهيم غالي بتنظيم  مأدبة عشاء على شرف الصحفيين الجزائريين الذين غطّوا الماراطون الوطني و الذكرى أل 37 لإعلان الجمهورية  العربية الصحراوية ....
و استغل المناسبة ليؤكد بان تنظيم مثل هذه التظاهرات   امر في غاية الاهمية لانها تساهم في اعطاء بعد دولي للقضية الصحراوية من خلال الحضور الاعلامي المكثف لتغطيتها ....
و قال .....”تشكل هذه التظاهرات اهمية كبيرة بالنسبة و الماراطون مثلا هو تظاهرة رياضية لكن له بعد واهمية كبيرتين من اجل التعريف بالقضية الصحراوية و حشد الدعم لها و من المكتسبات التي نحققها من خلال برمجة هذا الماراطون سنويا هو الحضور الاجنبي الكبير سواء من اجل المشاركة او من الجانب الاعلامي لتغطية هذا الحدث”....
و بخصوص رايه في قضية المعتقلين السياسيين الخاصة يمخيم اكديم ايزيك ابدى السفير اسفه لهذه الاحكام قائلا ...
.....”نندد ونشجب هذه الاحكام الجائرة التي تعبر عن طبيعة المحتل و الغريب ان هذه الاحكام صدرت عن محكمة عسكرية و نتمنى ان تستجيب المجموعة الدولية من اجل اطلاق سراح المعتقلين” ....
اما عن المستجدات الدبلوماسية فاضاف غالي ....
....”حاليا يقوم المبعوث الاممي كريستوفر روس بجولة الى بعض العواصم الاوروبية من اجل تبادل وجهات النظر و نبقى في انتظار الجديد الذي  يتمخض عن هذه الجولة”...
ولم يفوت السفير الفرصة للاشادة بالدور الجزائري الداعم للقضية الصحراوية لنغادر في اليوم الموالي مخيمات اللاجئين الصحراويين ....
....على أمل .......العودة إليها مرة أخرى.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018