القبّعات الزرقاء قريبا إلى مالي

فرنسا تُلقي المهمّة في حِجر الأمم المتّحدة

فضيلة دفوس

في ظرف سنة واجهت مالي العديد من الأحداث والتطورات الخطيرة، بدءا بالانقلاب العسكري الذي أطاح في 22 مارس 2012 بالرئيس “أمادو توماني توري”، والذي أجهض انتخابات ديمقراطية كانت مقرّرة بعد شهر،  وانتهاءً بتدخل عسكري قادته فرنسا في 11 جانفي الماضي لدحر المجموعات الارهابية من الشمال.وبين الحادثين شهدت هذه الدولة الافريقية المغلوبة على أمرها حركة انفصالية قادها توارق أعلنوا في 6 أفريل 2012 إنشاء “دولة الأزواد” في الشمال، ثم دخلت الجماعات الارهابية التي كانت تتّخد من المنطقة مستقرا لها على الخط لتزحزح الانفصاليين وتصبح الآمر والناهي في هذه المنطقة المترامية الأطراف، حيث أصبحت تمارس طقوس عنفها وجرائمها ضدّ المدنيين الأبرياء، الذين اضطر الكثير منهم للفرار إلى دول الجوار، مشكّلين كارثة إنسانية لم يعد أحد للأسف الشديد يلتفت إليها.

خلال سنة واحدة، توالت الأحداث وتسارعت في مالي، وإذا كان التدخل العسكري الفرنسي قبل نحو ثلاثة أشهر مكّن من تحرير المدن الشمالية من قبضة الارهابيين، الذين فرّوا إلى أقصى الشمال واستقروا بمرتفعات “أفوغاس”، فإنّه بالمقابل لم يحل المشكلة سواء الأمنية أو السياسية،  فالمجموعات الارهابية وإن كانت أخْلَت المدن التي كانت تحتلها وفرّت بجلدها قبل أي مواجهة مع القوات الفرنسية والافريقية، فإن خطرها لازال قائما ونستشفّه يوميا من خلال الهجومات الخاطفة التي يشنّها عناصرها على أهداف عسكرية أو مدنية أو من خلال العمليات الانتحارية، وهي الأساليب التي تعتمدها التنظيمات الارهابية في كل مكان وزمان، إذ تلجأ إلى الهجومات المباغثة لتحقّق أكبر  الخسائر في صفوف من تصفهم بالأعداء والطّغاة.
لهذا فإن التدخل العسكري الذي فرضته باريس بشكل شبه منفرد، قد يكون مكّن مالي من ربح معركة ضد الارهاب، لكنه لم يمكّنها من ربح الحرب التي يجزم كثيرون بأنّها لم تبدأ بعد.

باريس تلقي المهمّة في حجر الأمم المتحدة
 

 فرنسا التي أعلنت الحرب في مالي في 11 جانفي الماضي، أوردت على لسان رئيسها “فرانسوا هولاند” قبل أيام، بأنّها ستشرع في سحب قواتها مع نهاية أفريل، وبحلول جويلية كما أضافت لن يبقى إلا 2000 عسكري ليتم خفضهم تدريجيا، ومع نهاية السنة سيبقى ألف فقط لمحاربة الارهاب، وينضمون إلى القوة الدولية المزمع تشكيلها تحت عنوان قوات حفظ السلام.
وبغض النظر عمّا إذا كان القرار الفرنسي فرارا من مهمة تبدو شاقة ومكلّفة ماديا وبشريا، أم أنّه يدخل ضمن استراتيجية ترمي إلى إلقاء المهمة على عاتق الأمم المتحدة، فإن الكثير من الخبراء والمراقبين السياسيين  متخوّفون من نتائج الخطوة الفرنسية، ويتساءلون عن الدور الذي ستتولاّه القوة الدولية، وعن قدرتها على تحمل وأداء مهمة في حجم محاربة الارهاب، وقبل ذلك وبعده عن حظوظها في إعادة الأمن والاستقرار إلى مالي وفي دفع العملية السياسية.
الفراغ الذي سيتركه الانسحاب الفرنسي، ستملأه الأمم المتحدة الذي أوصى أمينها العام “بان كي مون” الأسبوع الماضي بضرورة تحويل القوة الافريقية المنتشرة في مالي إلى عملية لحفظ السّلام تضمّ 11 ألف من القبّعات الزرقاء، وبالموازاة سيتم ــ كما قال ــ تشكيل قوة قتالية منفصلة لمواجهة تهديدات الارهابيين، ومن المرتقب أن تلتحق القوات الفرنسية المتبقية بعد نهاية السنة إلى هذه القوة التي ستشمل أيضا الوحدات الافريقية لتواصل العمليات القتالية ضد الارهابيين، في حين ستعمل القبّعات الزرقاء على إرساء الاستقرار وضمان أمن المدنيين خاصة في المناطق المعرّضة أكثر من غيرها لخطر المجموعات  الارهابية.
الأمين العام للأمم المتحدة صرّح قبل أسبوع بأنّ “الأمم المتحدة تنوي نشر قوة حفظ سلام دولية في شمال مالي بهدف استتاب الأمن في هذه المنطقة، وتنفيذ عمليات كبيرة على صعيد القتال ومكافحة الارهاب”.
وأورد تقرير لـ “بان كي مون” أنه بالنظر إلى مستوى التهديد وطبيعته، ثمّة حاجة مؤكدة إلى قوة موازية تنشط في مالي إلى جانب بعثة الأمم المتحدة بهدف تنفيذ عمليات كبيرة على صعيد القتال ومكافحة الارهاب”.
وتشير المطالبة “بقوة موازية” إلى رغبة المنظمة الدولية في إبقاء وجود فرنسي داعم لقوتها في مالي، خاصة وأنّ تقرير الأمين العام الأممي لفت إلى أنّ انتشار هذه القوة ضروري لفترة معينة، ما يعني أنّ الحرب على الارهاب ستتواصل.

أيّ مهمّة للقبّعات الزرقاء؟

بعيدا عن التعليقات التهكمية لبعض المحلّلين الذين كتبوا بأنّ “بان كي مون” يريد “قوة موزاية” لحماية قبّعاته الزرقاء، من الضروري الوقوف عند السؤال الأهم، وهو هل بإمكان القوة الدولية لحفظ السلام أن تحقّق الأمن والاستقرار في مالي وتساعد على وضع قطار العملية  السياسية على السكة الصحيحة، وقبل ذلك وبعده أن تضمن إقرار مصالحة وطنية تحفظ الوحدة الترابية التي نسفها الانفصاليون بالتحالف مع الارهابيين قبل سنة؟
الجواب نستشفّه من تصريحات الأمين العام الأممي في تقريره الموجّه الى مجلس الأمن، والذي يشترط تأمين الظروف السياسية والزمنية لنشر القوة الدولية، وهي مفقودة طبعا ممّا يطرح أكثر من علامة استفهام عن امكانية نشر هذه القوة وعن نجاح مهمتها.
لقد أبدى “بان كي مون” تشاؤما كبيرا بشأن هذه الظروف السياسية والأمنية، وقال: “حتى لو تمّت استعادة السيادة الكاملة لأراضي مالي، فإن أخطارا عديدة لا تزال ماثلة مثل الهجمات الارهابية وانتشار الأسلحة وتهريب المخدرات، وأنشطة إجرامية أخرى”.
ويلاحظ الأمين العام أنّه ينبغي درس الأخطار التي تهدّد القوات الدولية بإمعان قبل أن يضيف بأنّ “العملية السياسية في مالي تشهد تأخرا”، معتبرا أنّ “الظروف لم تتّضح بعد لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في أجواء هادئة”.
ويتابع: “مع انعدام المصالحة، ثمّة هامش محدود للنقاش السياسي البناء، والانتخابات قد تؤدي إلى تجدّد عدم الاستقرار وصولا حتى إلى أعمال عنف”.

العملية السياسية...آمال وتحديات

من خلال تقرير “بان كي مون” يدرك الجميع مدى تأزّم الوضع في مالي سواء على الصعيد الأمني أو السياسي، وإذا كانت الحرب ستتواصل في الشمال ضد الجماعات الارهابية حتى بعد الانسحاب الفرنسي، فإنّ التطبيع السياسي لن يكون بالسهولة التي نعتقد، وهناك من يذهب بعيدا في تشاؤمه ليتوقّع صعوبة تنظيم الاستحقاقات في موعدها (الرئاسيات مقرّرة في 7 جويلية، تليها بأسبوعين التشريعيات)، ومن هؤلاء مساعد الأمين العام لعمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة “إدمون موليه” الذي رسم ــ إثر زيارة لمالي استمرّت أسبوعا في منتصف مارس الماضي ــ بدوره مشهدا قاتما مستبعدا أن تجري الانتخابات بحلول جويلية كما هو مقرّر.
وفي التقرير السري عن مهمّته، اعتبر “موليه” أنّ “النفوذ المستمر للقيادي الانقلابي السابق “أمادو سانوغو”،  سيجعل إجراء إصلاحات كبيرة عملية أكثر تعقيدا”.
وخلص إلى أنّ “الأمم المتحدة تستعدّ لمواجهة أخطار غير مسبوقة في مالي، ولم يسبق أن صادفتها ضمن إطار لحفظ السّلام”.
الوضع قاتم في مالي إذن والخروج من النّفق لن يكون سهلا وآمنا إلاّ إذا تكاثفت الجهود الداخلية والتفّت حول هدف واحد، هو إقرار المصالحة وإشراك الجميع في عملية سياسية تتوّج بانتخابات نزيهة يلتزم الجميع بنتائجها، وسيمكّن هدوء واستقرار الجبهة الداخلية من حسم الحرب على الارهاب وتطهير الشمال من كل المجموعات الاجرامية، وطبعا لن تتحقّق هذه النتائج الوردية دون مساعدة مادية على وجه الخصوص من المجموعة الدولية التي عليها النهوض باقتصاد دولة مالي، والرفع من المستوى المعيشي لشعبها، والالتفات إلى معضلة اللاّجئين.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018