قدماء المحاربين الفرنسيين يكشفون الحقيقة

أسلحة محظورة استخدمت في حرب الخليج الثانية

م. نجيب بوكردوس

يظل استعمال الأسلحة المحظورة في الحروب، أمرا محرما دوليا، تنبذه الانسانية والقيم والأخلاق نظرا للآثار المدمرة لهذه الأسلحة الفتاكة على الصحة وما تخلّقه من تشوّهات خلقية تمس آلاف المواليد الجدد لمدة سنوات طويلة، ناهيك عن التأثيرات السلبية على المحيط والبيئة.

قدماء المحاربين الفرنسيين أثاروا ضجة كبيرة في بلادهم لمخلفات حرب الخليج الثانية عليهم، لكن كالعادة، وكما حصل مع جرائمها في الجزائر تسعى باريس لطمس الحقيقة ودفن القضية.

وشهد شاهدُ ُ من أهلها

ومنذ أن وضعت هذه الحرب أوزارها في شهر فيفري 1991،  مافتئ ضحاياها من قدماء جنود فرنسيين ومدنيين شاركوا فيها يطالبون بحقوقهم وبتعويضات جراء الأضرار الجسيمة التي لحقت بهم من خلال دعاوى قضائية رفعها بالنيابة عنهم 30 منهم وجمعية تبنت الدفاع عنهم.
وقد أوكل الملف إلى القاضية »ماري اوديل برتك غوفري« التي توصلت  في سنة 2001 ـ بعد سنوات طويلة من التحقيق والتدقيق ـ إلى دليل ملموس يثبت استعمال الجيش الفرنسي لأسلحة فتاكة محظورة، وهذا ما جعل  ـ ربما ـ  حافظة الأختام وزيرة العدل السيدة »كريستين توبيرا« تسحب الشهر الماضي ملف القضية من القاضية بحجة أن هذه الأخيرة عمّرت طويلا في منصبها بالقطب الصحي لوزارة العدل؟!
وتطعن ذات الجمعية في قرار الوزيرة الذي يرمي لطمس الحقيقة، خصوصا وأن القاضية كانت قداستجوبت عدة مسؤولين بوزارة الدفاع، وعدد من الضباط السامين بالجيش الفرنسي، إلى جانب شهود عيان، وربطت ذلك بعد كشف صحيفة (اليوم في فرنسا) بأن ضباطا سامين اعترفوا للقاضية باستعمالهم ذخيرة تحتوي على اليورانيوم المفقر، وهو ماسبق للجمعية أن قدمت في فيفري 2001، دليلا ملموسا على ذلك.
وكانت القاضية قد أمرت ـ استجابة لطلبات الشاكين ـ بإجراء تحاليل على ملابس وحقائب أو أي متعلقات أخرى لقدماء الجنود ماتزال بحوزتهم لمعرفة ما إذا كانت لها آثارا  للسموم أم لا، وبالفعل بينت أنها تحتوي على آثار معادن ثقيلة وكذا اليورانيوم  فسرها بعض الأخصائيين  في علم الأمراض بأنها مؤشرات أو أعراض ظهرت على من هم على قيد الحياة، إذ أن ما يزيد عن 30  ممن شاركوا في تلك الحرب الخاطفة (ما بين جانفي وفيفري 2001) أصبحوا اليوم في عداد الموتى.
وفي الواقع لقد اعترض طريق القاضية صعوبات وعراقيل للحيلولة دون وصولها إلى كشف الحقيقة، ويتعلق الأمر هنا بالخصوص بوثائق طلبتها من سلاح الطيران  الفرنسي ولم تحصل عليها إلا بشق الأنفس، ولكن ليس كل ما كانت تحتاجه للتحقيق. هذا ما تضمنه محضر صادر عن الدرك الفرنسي رقم  17 مؤرخ في 12 نوفمبر 2004، أشير فيه صراحة إلى رفض المصلحة المعنية تسليم الوثائق التي طلبتها القاضية، وبصفة خاصة ما كان يهمها بشأن القاعدتين الجويتين “بالرياض”


و”الاحساء”،  بالمملكة العربية السعودية، وكذا وجود محاضر تتحدث عن إتلاف 200 وثيقة مصنفة  »سري ـ دفاع«، علما أن قانون العقوبات الفرنسي ينص في مثل هذه الحالات على عقوبة سالبة للحرية قد تصل مدتها إلى 7 سنوات وغرامة مالية قدرها 10 آلاف أورو لكل من يتلف وثائق من هذا النوع.
والغريب في الأمر أنه لم تصدر إلى حد اليوم أية عقوبة مهما كان نوعها، بالرغم من أن الملف المقدم من طرف قدماء المحاربين في الجيش الفرنسي والجمعية المدافعة عنهم ثقيل ودسم بآلاف الوثائق والشهادات والأدلة والخبرات حول مشاركتهم في عمليات »دروع الصحراء وثعلب الصحراء« لتلك الحرب وكيف أن العديد منهم ما يزال يعاني متاعب صحية ونفسية خطيرة.

باريس تحاول دفن القضية وإسكات الشهود

والأهم بالنسبة لضحايا هذه الحرب هو الحصول على اعتراف رسمي باستعمال الجيش الفرنسي لأسلحة محظورة ضد الشعب العراقي بغرض تجريبها، وهذا بالرغم من آثارها الوخيمة على الصحة وعلى البيئة التي خلفتها، إلا أن الحكومة الفرنسية ترفض ذلك وتتمسك بإنكارها وتعنتها، بخلاف الولايات المتحدة الأمريكية  التي لم تجد حرجا في ذلك، وبريطانيا التي تعترف بمسؤوليتها حتى ولو كان جزئيا.
ومثل هذا الموقف هو في الواقع تقليد فرنسي قوي جدا وشائع بشكل واسع في مجموع القوى السياسية التقليدية، الهدف منه حماية هيئاتها العسكرية التي تسمى  بـ »الصامتة الكبرى«،  ولا يبدو أن الأمر سيتغيرلا  هذه المرة ولا في المستقبل، وبالتالي يشكّك محاربون قدامى وضحايا مدنيين من هذه الحرب في قدرة من  سيخلف القاضية »ماري اوديل« على التحكم في ملف ثقيل جدا، وعلى قدر كبير من الأهمية بالنسبة إليهم.
ويرى متابعون للملف أن »تحويل« القاضية هو تمهيد ـ بل خطوة ـ لدفن ملفات أخرى حقق فيها قضاة من القطب الصحي لوزارة العدل الفرنسية، خاصة ما تعلق منها بضحايا الاشعاعات النووية و«الاميانت “و”الدم الملوث”، حيث كانت السيدة “ماري اوديل” وجهت في هذا الإطار الاتهام رسميا “لماري أوبري” في هذا الملف الأخير الذي يعد بمثابة فضيحة كبيرة في الأوساط الطبية بفرنسا.
والسؤال المطروح، ماذا ينتظر قدماء المحاربين بعد هذه التطورات وطول المدة؟
 يرّد »هارفي  دسبلاط« العريف السابق في الجيش الفرنسي ـ  الذي تأسست على يده الجمعية المذكورة قائلا: »لا ندري ماذا سيحدث في المستقبل، ومهما يكون مصير القضية، فقد سمحت الدعاوى المرفوعة والتحقيق الذي جرى بصفة قانونية ورسمية بجمع أدلة ووثائق، وشهادات وغيرها حول حرب الخليج الثانية، وهو ما لم  يكن ممكنا لولا ذلك، نظرا لممارسات وجحود وزارة العدل، ولجنة الدفاع بالجمعية الوطنية، ولهذا السبب أيضا تقدمت جمعيتنا كطرف مدني في القضية«.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018