الأزمة الكورية

مساعي التهدئة تتحرك والجوار يحتاط

فضيلة دفوس

ما أن يهدأ لبعض الوقت حتى يعود ويتصاعد ويتخذ أشكالا من التهديد والوعيد يصل مداه في غالب الأحيان إلى التلويح بحرب نووية تنسف المنطقة وتحرق العالم.
إنه التوتر الذي يخيم على شبه الجزيرة الكورية منذ أن نسفتها الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي الراحل قبل أزيد من ستة عقود والتي انتخبت دولتين عدوتين تعيشان في حالة حرب نظريا إلى الآن، وتتعايشان وفق هدنة تم توقيعها عام 1953 والتي أنهت صراعا دمويا دام ثلاثة أعوام.

عادت شبه الجزيرة الكورية هذه الأيام إلى قلب الأحداث لتزاحم أخبارها، الحدث العالمي الذي تصنعه المعضلة السورية، خاصة وأن التصعيد إمتد إلى التلويح بحرب نووية حرارية من جانب بيونع يانغ وإلى تحرك الجوار الذي وضع قواته الدفاعية في حالة طوارئ، خاصة اليابان التي نشرت في قلب العاصمة طوكيو صواريخ باتريوت وبارجات طاردات مجهزة بنظام رادار ايبيس ووساءل رصد في البحر لتدمير أي صاروخ كوري شمالي قد يهدد أراضيها كما قالت.
التصعيد الذي حرك وزير الخارجية الأمريكي »جون كيري« على عجل إلى المنطقة قصد نزع فتيل أي حرب محتملة، بدأت فصوله منذ عملية الإطلاق الناجحة لصاروخ فضائي كوري شمالي في ديسمبر الماضي اعتبرها الغرب تجربة لصاروخ باليستي، وتفاقم الوضع وتدهور بعد تجرية نووية ثالثة، أجرتها بيونغ يانغ في فيفرزي الماضي، وزادت المناورات العسكرية المشتركة بين أمريكا وكوريا الجنوبية من صب الزيت على النار، حيث أشارت مخاوف وغضب كوريا الشمالية التي قالت بأن أمريكا تاجرة الحروب ودميتها كوريا الجنوبية تحضرت لغزوها، وهددت بما سمته اللهيب النووي وحتى تظهر بعض الجدية لتهديداتها، دعت الأجانب المقيمين في الجارة الجنوبية إلى المغادرة ووجهت تحذيرا للسفارات الأجنبية في عاصمتها أكدت فيه عدم قدرتها  على ضمان سلامة موظفيها في حال اندلاع حرب.
آلة التهدئة مازالت تتحرك لتطويق هذه الأزمة التي وإن اتفق الجميع على اعتبارها إحدى رواسب الحرب الباردة، فإنه يختلف في إمكانية تحولها إلى حرب، إذ أن الكثير من الخبراء المختصين في الشأن الكوري يجزمون بأن التوتر الحالي ماهو إلا زوبعة في فنجان تقصد منه بيونغ يانغ انتزاع بعض المساعدات والمكاسب المالية والمادية من الغرب مقابل الجنوح إلى التهدئة واستئناف المفاوضات النووية بسبب هؤلاء الخبراء، فإن كوريا الشمالية دأبت على أسلوب المساومة هذا كلما ضاق حالها الاقتصادي المختنق في الأساس بفعل العقوبات والحصار الذي تفرضه عليها المجموعة الدولية منذ أن أدرجتها أمريكا على قائمة الدول الراعية للارهاب عام 1988 رفعتها عام 2007 ثم حشرتها في محور السر عام 2002.
والتجارب كثيرة كما يضيف هؤلاء، حيث أن الأزمة الكورية مافتئت تصعد إلى الواجهة لكنها سرعان ما تحل باتفاق يمنح بيونغ يانغ بعض المساعدات مقابل تنازلات نووية سرعان ما تتراجع عنها كلما ضاق حالها وحال شعبها الذي يعتبر من أفقر وأغلب شعوب المعمورة.
لكن مقابل هؤلاء الخبراء، كثيرون يرفضون حصر القضية في تصعيد تفرضه كوريا الشمالية عمدا قصد المساومة للحصول على مساعدات تخفف مصاعبها الاقتصادية ويؤكدون بدورهم أن القضية أكثر من مجرد استعراض للعضلات إنها في الأساس ـ كما يضيفون ـ واحدة من بؤر التوتر المزمن التي خلّفها الصراع بين الشرق والغرب، بل إنها مازالت ساحة لهذا الصراع الذي امتد إلى “ذبح” دولة واحدة وشعب واحد وخلق منهما دولتان وشعبان كلّ واحد يسبح في إتجاه مناقض للآخر ويتبادلان العداوة والبغضاء.
الأزمة أكبر من مجرد سباق نحو التسلح أو تهديد من كوريا الشمالية باللهيب النووي حتى وإن كان استعراضيا القصد منه توفير الغذاء لشعبها الجائع، إنها في الأساس معضلة نسف الدول وتفتيتها والتي لا تعود إلا بالبلاء والتوترات المزمنة. فتقسيم الدول ونسف وحدة الشعوب لا يمكن أن يثمر غير المتاعب والحروب والصدامات الدموية المستمرة.
لهذا لن تكون تهدئة وتطبيعا وسلاما في شبه الجزيرة الكورية إلا بعد إعادة توحيد شطريها، والأكيد أن كوريا الموحدة ستكون دولة قوية مزدهرة مهابة الجانب. ومن الضروري على العالم أن يساعد الشعب الكوري على تحقيق هذا المبتغى كما ساعد الألمانيتين اللتين انطلقتا بعد توحدهما كالسهم في سماء التطور والتقدم.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018