العلاقات الرّوسية الأمريكية

بين الرّهان على التّطبيع والتّحلي بالحذر أرضية التّفاهمات الثّنائية ما تزال هشّة

جمال أوكيلي

عشية استلام الرّئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب لمهامه يوم ٢٠ جانفي، يتساءل المسؤولون السياسيّون الرّوس عن آفاق العلاقات الثّنائية، على ضوء فوز الجمهوريّين كونهم يرونها مخالفة جذريا عن التي سار على دربها الدّيمقراطيّون.

كل القادة الرّوس يراهنون على عهد متألّق مع الولايات المتّحدة، وهذا من خلال التّصريحات الأخيرة المركّزة بالأساس على السّعي لفتح الملفّات التي أغلقها الرّئيس المنتهية ولايته باراك أوباما وإدارته، الذين وقعوا ضحيّة أخطاء لا تغتفر منذ خطاب القاهرة الذي التزم فيه هؤلاء التزاما صارما بتسوية النّزاعات القائمة هنا وهناك خاصة الفلسطينية منها، ورويدا رويدا يمتد ذلك إلى القضايا الأخرى.
والجمهوريون يرغبون في محو آثار الدّيمقراطيّين من السّاحة الدولية، وهذا بتطبيع الأواصر مع أطراف أخرى منها بالأخص روسيا. وفي مقابل ذلك هناك تجاوب متبادل تجاه التطلع إلى سقف أحسن في صناعة أرضية للتّفاهمات بين البلدين، تكون على أسس استثنائية، لذلك فمن السّابق لآوانه توقّع بنية هذا التّقارب الرّوسي - الأمريكي لأنّ القرار ليس في يد الأشخاص بل الكلمة الأخيرة تعود إلى ما يصدر عن المؤسّسات، لذلك نسجّل تحفّظات في كلام الرّجال الذين عيّنهم ترامب في تولّي حقائب معيّنة خاصة منها الخارجية السيد ريكس تيلرسون، الذي يلاحظ في خرجاته أنّه لا يعطي الإجابات الواضحة للطّرف الآخر ما دام لم يشرع في تأدية مهامه بشكل رسمي، في حين أنّ رسائل الرّوس السياسية لا غبار عليها، استنادا لما يؤكّدونه يوميا.
وفي هذا السياق، أكّد المتحدّث باسم الرّئاسة الرّوسية ديمتري بيسكوف أنّ الكرملين ينظر بإيجابية إلى المرشّح لمنصب الشّؤون الخارجية في الإدارة الأمريكية انطلاقا من امتلاكه للقدرات والمهارات. وبالتّوازي مع ذلك أشارت وكالة أنباء «سبوتنيك» أنّ تيلرسون قد يعتمد سياسة متشدّدة لكنّه سيصغى إلى حجج روسيا.
وضمنيا، فإنّ الرّوس لا يغازلون هذا الشّخص، اعتقادا منهم بأنّ السياسة تتنافى مع هذا العمل غير الواقعي، وإنما الهدف من كل هذه الأوصاف هو إبداء الأمل في رؤية حدوث تغيير في السياسة الخارجية الأمريكية في غضون المراحل القادمة، وهذا من خلال مراجعة جذرية في التّعامل مع مسائل ذات الصّلة الوثيقة بين البلدين، ما تزال آثارها بادية إلى غاية يومنا هذا، بدليل أنّ الرّوس يريدون التخلص منها إن آجلا أو عاجلا.
وأبعاد هذا الحديث هو عزم الرّوس على عدم ترك الحابل على الغارب بعد ٢٠ جانفي، وهذا من خلال إظهار تلك النّوايا الحسنة في قلب صفحة أوباما والتوجه نحو مواعيد مخالفة عمّا كانت عليه في السّابق، من توتّر دائم وتباعد في وجهات النّظر، وعدم التّطابق في تحليل الوقائع، والإستشراف لما هو قادم.
وأولى مؤشّرات هذه الإدارة هو الخطاب الذي سيلقيه ترامب الجمعة القادم، والذي سيكون بمثابة الإطار العام لعمل الإدارة الأمريكية خلال هذه العهدة الأولية، ومن هنا تتّضح الخطوط العريضة والمحاور الكبرى للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه روسيا، الدول الغربية، الصّين وإيران، وغيرها من البلدان الأخرى.
من هنا تكون تلك الإنطلاقة المرجوّة في وضع أسس هذه العلاقات الأمريكية - الرّوسية بالكيفية المنتظرة من قبل الجانبين.
الدبلوماسية..اليقظة
وتتابع الأوساط الرّوسية كل صغيرة وكبيرة تصدر عن الأمريكيّين خاصة ما تعلّق بمسألة القرم، وردّا على ما قاله تيلرسون أمام لجنة الشّؤون الدولية بمجلس الشّيوخ أنّ الطّريق الوحيد الذي قد يمكنّا من الاعتراف بتبعية القرم لروسيا هو التّوقيع على اتّفاقية واسعة النّطاق تحترم مصالح الشّعب الأوكراني، وبدون مثل هذه الإتّفاقية لا يجوز أن نعترف بانضمام القرم لروسيا أبدا.
هذا التّصريح أقلق كثيرا الرّوس الذين سارعوا إلى عدم ترك هذه الفرصة تمر دون الرد، وكذا رفضت روسيا ما أسمته بـ «العبارات والشّروط»، ولم تكتف بهذا بل أبدت مرونة في هذا الأمر، عندما أوردت أنّ موسكو تنوي مواصلة توضيح جوهر مسألة القرم لواشنطن مستقبلا. وفي هذا الشّأن تتّضح مصطلحات جديرة بالمتابعة من ناحية بناء منظومة تفاهمات واقعية تتفادى انزلاقات وتشنّجات أخرى لا يرغب فيها الطرق، وهكذا يطرح الحوار العقلاني و»علاقة طيّبة»، وهي عبارة عن رسائل للقادة الجدد في البيت الأبيض على عدم السّير في طريق المغادرين لهذه «القلعة»، الذين إلى آخر لحظة من حكمهم يواصلون خلط الأوراق والضّغط على جماعة ترامب في عدم السّقوط في أحضان روسيا، كان آخرها الكشف عن تقرير مفصّل مفاده التّأثير المباشر لدوائر وشخصيات أمنية روسية في الانتخابات الأمريكية بتفضيل جماعة ترامب. هذا الاتّهام ينعته الرّوس بـ «الهيستيريا» ومزاعم سخيفة ومفبركة ومعلومات وهمية غير مهنية، وفي نفس الاتجاه فإنّ ترامب لم يهضم ما أثارته المصالح الأمنية الأمريكية بخصوص هذه القضية، ويحاول قدر الإمكان التّقليل أو التّهوين ممّا يلوح به الدّيمقراطيّون من أنّ الأوضاع ليست بتلك الخطورة التي يتحدّث عنها جماعة أوباما، وهم يحزمون أمتعتهم تأهّبا لتوديع مؤسّسات كانت بحوزتهم وتحت سلطتهم. والكثير من المتتبّعين يتساءلون عن كل هذا الحماس الفيّاض الصّادر عن المسؤولين الرّوس في إعادة ترميم علاقاتهم مع الأمريكيّين، وما يميّز هؤلاء أي الرّوس هو التّفاؤل دون إبعاد التّذكير بالاحتمالات التي قد تكون معرقلة لأي تقدّم. وفي هذا الإطار كشفت النّاطقة باسم الخارجية الرّوسية ماريا زاخاروفا أنّ بلادها على استعداد لتحسين علاقاتها مع الولايات المتّحدة، غير أنّها لا تتوقّع أن يكون ذلك أمرا سهلا، مؤكّدة أنّ النّظرة الواقعية هي سيّدة الموقف خلال الآفاق القادمة.
هذه الرّغبة العميقة لدى الرّوس يظهر وأنهّا أحادية الجانب، كوننا نلاحظ أنّ هناك صمتا أمريكيا مطبقا لا نلمس فيه أي تجاوب أو تفاعل بخصوص ما يعرب عنه الرّوس من الإسراع في ترقية هذه العلاقات إلى مستوى أعلى وأقوى، انطلاقا من أنّ الفريق السياسي لترامب لا يحوز على التّجربة الكافية لمواجهة قوّة أداء الدبلوماسية الرّوسية.
لذلك سيكون تحرّك هذا الطّاقم الجديد بحذر وهدوء، وبخاصة التّواصل مع القيادات الأمنية خاصة التي دعت ترامب مؤخّرا إلى قراءة التّقارير التي تصله من عندها والأخذ بها، وهذه رسالة قوية إلى الرّئيس الأمريكي الجديد بضرورة العمل مع أجهزة بلاده وعدم القفز عليها، أو إحجام الثّقة عنها، وهذا تذكير لهذا الرّجل بأن المؤسّسات أقوى من الشّخصيات أو نتائج الإنتخابات.
وفي هذا السياق، فإنّ المنطق السياسي في العمل الدبلوماسي الذي يسير عليه الرّوس يعدّ واضحا، يدركون جيّدا بأنّ الآلة الأمريكية أصابها خلل وهي غير معطّلة، خاصة بعد خسارة الدّيمقراطيّين وانطلاقتها تتطلّب وقتا كبيرا لإعادة احتلال المواقع المفقودة في عهد أوباما وكيري وكلينتون، وفي هذه الحالة لابد لهم من مرافقة لتجاوز مرحلة العودة إلى إدارة الملفّات الكبرى.
وهكذا دعا المسؤولون الرّوس إلى استئناف نشاط عمل اللّجنة الرّئاسية الرّوسية الأمريكية التي جاءت كإطار سياسي لضبط المشاكل القائمة بين البلدين، خاصة ما تعلّق بالملفّات الكبرى غير أنّ الأمريكيّين انسحبوا منها ممّا أدّى إلى تعطيل أدائها، ويحتمل جدّا أن تعاد لها الروح بعد ٢٠ جانفي، وهذا أمل الرّوس لطرح العديد من القضايا على بساط البحث بين الطرفين فقط، في حين أنّ الجهات الأخرى كفرنسا وبريطانيا وألمانيا غير موجودة بعد أن أخذ منهم الرّوس أحداث سوريا، ليضع المفاوضات التي يريدها في الأستانة بكازاخستان وطرح مسائل حسّاسة جدّا برؤية جديدة عقب عهدة أوباما، فكيف سيكون الحضور الأمريكي في هذه المنابر؟ هل لتزكية ما يفرضه الرّوس أم هناك توجّه جديد في السياسة الخارجية الأمريكية؟

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17798

العدد 17798

السبت 17 نوفمبر 2018
العدد 17797

العدد 17797

الجمعة 16 نوفمبر 2018
العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018