تضارب في المصالح وفي التعاطي مع القضايا المصيرية

حتمية لم الشّمل العربي وتحديات الـعصــر

بقلم: الأستاذ الــدكتـور عبد الرحمـان دراجــي

إنّ واقع الدول العربية، والذي كان يوما وطنا عربيا مرتبطا عقائديا - ونسبيا - مصلحيا وإيديولوجيا أصبح حقيقة اليوم عالما عربيا جد متضارب ليس في المصالح فحسب بل في التعاطي مع القضايا المصيرية أيضا. فمن المحيط إلى الخليج العربي، فإن وضع الدول العربية جد مزري ونقدي بامتياز.
فبؤر الصّراع والأزمات البينية أصبح مؤشّرا على انهيار كل السمات، والصفات وحتى الروابط التي كانت يوما تؤكّد السند القوي والمشترك بين هذه الدول، كما كانت تدور في إطار ومحيط أخوي. الصّراعات والنّعرات البينية تكاد الآن تخرج عن المعقول والرّزانة.
فلا الدبلوماسية المحنكة القديمة، ولا الوساطات القومية والجهوية الأخوية استطاعت أو نجحت في دفع عوامل التسوية بين أطراف النزاع في داخل الأسرة العربية. فأزمة ليبيا، أزمة العراق، سوريا، عرقلة لبنان واللاّاستقرار في مصر وفي تونس وفشل كل الوسائل في السودان حتى بعد تقسيمه، وفي الصومال بقيت كلها عالقة.
الأخطر من هذا تأصّل بعضها ولم يتحقّق شيء فعليا اسمه تسوية بينية عربية / عربية. فالمخجل كل الخجل أنّ هذه القضايا العربية، والتي كان بالإمكان حلّها عربيا وفي محيط عربي، أحيلت إلى قوى كبرى وصغرى، هي في غالب الأحيان غريبة وغربية، وفي بعض الأحيان الأخرى ساخرة وحتى ناقمة في داخلها على كل ما إسمه عربي ومسلم، والبعض من هذه القضايا، بالمقابل تكفّلت بها الأمم المتحدة «العاقمة»، والتي لربما قد حان الوقت لإعادة هيكلتها أو حلّها كليا لكونها أسّست بغرض إنهاء الحرب العالمية الثانية ليس إلاّ.

جامعة في حالة عجز مزمن

قوميا وعربيا، فعقم الجامعة العربية هو أيضا لوح على أن هذا التنظيم قد عجز شاخ وولى ويجب الآن النظر فيه وفي أهدافه الحقيقية التي أسس من أجلها. فالجامعة كما هي الآن لا تستطيع تحقيق حلم الشعوب العربية، والوحدة ولا التكامل العربي ولا الدفاع عن قضاياها العادلة، ولا حل قضية فلسطين، ولا حتى إيقاف المؤامرات التي أدّت إلى تفكيك بعض الدول العربية مثل: ليبيا والعراق والآن سوريا، وقبلها السودان والصومال، بل ولم تتجرّأ حتى أن تناقش قضية الصحراء الغربية بالرغم من رؤية بعض أعضائها بعدالتها وأنه أصبح معترف بها إقليميا ودوليا.
القضية الفلسطينية التي تعتبر حجر الزاوية في منطقة الشرق الأوسط والقضايا العربية والبينية مازالت إلى حد الآن عالقة، وبعد فشل المقاومة من تحقيق تحرير فلسطين كل فلسطين، أصبح العرب عامة والفلسطينيون خاصة يطالبون بجزء منها فقط إلى جانب جزء شرقي من القدس ليس إلا. هذا الفشل توّج بفشل أكبر منه ألا وهو دبلوماسية التفاوضات التأجيلية، والتي يراها الكثير الآن «تضليلية» إلى جانب سلسلة من تورط بعض أقطاب منظمة التحرير نفسها في قضايا فساد أو تخابر أو حتى تهم بعاملات غير مباشرة إلى صالح الكيان الصهيوني.
ولربما الكل الآن، من المحيط إلى الخليج، ورغم الاختلافات في الطروحات وجهات النظر إلى معظم القضايا العربية المصيرية، ينتظر الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب  إن كان سيعلن فعلا عن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني» إسرائيل» وإن فعل هذا، فماذا هم فاعلون؟ فهل سيبعثون ببرقيات تهنئة له أو يتبادلون بطاقات تعازي فيما بينهم أم يعلنونه جهادا عربيا مقدسا..؟؟! فإنّ التحديات القادمة، قومية أو جهوية أو دولية ستفرض حتما نمطا جديدا وأشكالا جديدة قد يصعب التعامل معها، والتعاطي مع أساليب جديدة هو أيضا سيحتم على كل الدول العربية أن تتحاش بعض النزاعات والنعرات البينية الضيقة لتتفرغ إلى ما هو جد مصيري و اسمي.
فمثلا تهويد القدس الذي كان بالإمكان أن تقوم له قيامة في الفضاء العربي والإسلامي لم يحرّك له ساكنا سوى بعض الإعلانات المندّدة المتواضعة، فسياسة التهويد للأرض الفلسطينية قد استبقت مصيرها، وتهويد القدس الآن في طور جد متقدّم، وقد حدث هذا بشعور وبدون شعور عربي، كما أنّ تأصيل سياسة المستوطنات زادت من حدّتها إلى درجة جعلت حليف «إسرائيل» الأبدي، الولايات المتحدة الأمريكية يمتنع عن التصويت لصالحها في الأمم المتحدة هذه المرة، ويفاجئ حتى الكيان الصهيوني نفسه وحلفائه في الغرب والعالم.
الاستثمار في المصير الواحد

حقيقة إنّ الدول العربية يتحتّم عليها الآن أن تختار إن أرادت أن تستثمر في مصيرها ككيان وكشعوب، وكثقافة عربية عريقة موحدة باختلافاتها وتركيبات أشكالها، والتي مازالت تستغل من قبل أيادي خارجية بعضها متطرف دينيا وبعضها الآخر علمانيا استئصاليا دخيلا.
إذن يجب الخروج من النظرة الجهوية الضيقة إلى دائرة قومية أوسع للنظر فيما هو مصيري ومستقبلي، وعليه فالسؤال يبقى موجّها إلى الأسرة العربية على أن «تكوني أو لا تكوني».
فالجزائر مثلا، الآن منشغلة بقضاياها الداخلية متصدية إلى أزمة اقتصادية بما يمكن تحصين الجبهة الشعبية،  وبقضايا أخرى أمنية على حدود حزامها الجغرافي الرابط من تونس، ليبيا، النيجر ومالي إلى جانب الحزام الساحلي الإفريقي ككل، وهي متمادية في مرافقة دول الجوار لتسوية أزماتها سياسيا اعتمادا على الاطراف الداخلية أولا وأخيرا. وتونس منشغلة بأزمتها الاقتصادية الحادة والناتجة عن»ثورتها الرّبيعية»، وهي الآن جد قلقة على وضعها الأمني وكيفية مقاومتها للمد الارهابي القاعدي والداعشي وتنظيمات أخرى إرهابية. وليبيا بعد محاولة تفتيتها هي أيضا الآن، غارقة بين حكومات مختلفة فشلت كلها في فرض قوانينها على ما تبقّى من الشّعب اللّيبي ومن بانوراما من الميليشيات المسلّحة والمتطرفة، وحتى القبلية إلى جانب جيشها لحكومة الوفاق دون المخاض في التحديات الاقتصادية الأخرى والصراع الحالي على مناطق النفوذ وآبار البترول. والمغرب بدوره مازال إلى حد الساعة جد منشغلا في كيفية إيجاد حلول لمشاكله الداخلية والتمادي في احتلال جزء من الصحراء الغربية رافضا كل تسويات الأمم المتحدة واستفتاء تقرير المصير، كما بادر إلى إقحام الجزائر في صراع مفتعل إلى جانب إغراقها بشتى أنواع المخدرات عسى أن تتراجع الجزائر عن سياستها الداعمة لحق تقرير مصير الصحراء واستقلالها  رغم إدراكها بأنّ هذه المسألة مبدئية في السياسة الخارجية للجزائر المساندة لحركات التحرر.
مصر منشغلة داخليا عبر أجهزتها لمحاولة صد بؤر الإرهاب ومكافحة الحركات الجهادية، ولبنان الآن وإلى وقت غير ببعيد كان منشغلا في البحث عن استقرار حكومي ورئيس ملائم بعد غياب دام أكثر من أشهر، وها هو الآن منقسم بين مؤيّد ومعارض لما تعرفه سوريا من وضع وصراعات.
ما يجري في العالم العربي من توتّر يستدعي التوقف عنده والتساؤل متى لمّ الشّمل والتّصالح؟ فالقضية هنا هي ليست من هو على حق أو باطل، ولكن السؤال يكمن في ماذا جنت الأطراف المتنازعة في هذه المعادلة؟
 تقول التقارير عن خسائر الحرب العراقية الإيرانية السابقة، أنها كانت قد تجاوزت قيمة كل خسائر الحرب العالمية الثانية، ضف إليه أن حرب الخليج الأولى والثانية فاقت ذلك بكثير وقبلها الحرب الأهلية في لبنان، إلى جانب ما جنته الدول التي كسرت مثل ليبيا وتونس، واللاإستقرار الذي حدث بمصر والآن بسوريا والعراق.

التّحذير من السّقوط الآتي بالتّداول

 كل هذه أدّت إلى تدمير اقتصاديات كان لو لم يحدث هذا كله لأهلها أن تصبح دولا قوية اقتصاديا ومتقدمة لأن الخبرات والأدمغة العربية من علماء ومفكرين كانوا جد متواجدين آنذاك، إلا أنه بعد هذا اللااستقرار اضطر الكثير منهم أن يهجر إلى دول غربية (كأوروبا، كندا وأمريكا).
المهم أن كل الخارطة العربية تقريبا كما يبدو للأنظار إما هي الآن ممزقة أو في طورها لربما إلى الهلاك، وحالة العالم العربي الآن أيضا أقرب إلى قصة «الثور الأبيض»،وإن لم يتحاش العرب نعراتهم البينية ومحاولة حلها عربيا، فسيكون سقوطهم، متزامنا وبالتداول. إذن لا وجود لحلول آنية إلا إذا تحاشت الدول العربية مشاكلها الضيقة وتنازلت عن بعضها لأن التحديات تتراكم بمرور الأيام وبتزايد أكبر وأخطر، كما أن التحالفات الغير عربية تتزايد بالمقابل - اقتصاديا، سياسيا وأمنيا - واضعة سلسلة من الأولويات مع ركز العرب في سلة واحدة خاصة إن كان الأمر بصدد قضية الإرهاب، والهجرة غير الشرعية  وانتهاك حقوق الإنسان، وقضية دمقرطة المؤسسات والديمقراطية كما تراها هذه الدول والمساواة بين المرأة والرجل، وحقوق الأطفال وغيرها.
يتوجّب على الدول العربية إذن النظر بتمعّن في القضايا المصيرية العالقة، والتي تخص وجودهم الحالي وكيانهم المستقبلي لأن تحديات العصر والمؤامرات والثورات المفتعلة، وحتى الحروب لا ترحم وقد رأينا كيف وماذا فعلت بسيادة الدول؟ وكيف دمّرت اقتصادياتها وأبقت الشّارات على الصدور؟
حقيقة أرى إنّ المد الإيراني والمد التركي يسعيان إلى فرض وجودهما في المنطقة أي منطقة الشرق الأوسط  (الذي هو الآن - وفي الحقبة القادمة - على وشك تغيير ولربما سيكون جذريا ليصبح الشرق الأوسط الكبير والممتد من أذربيجان وأفغانستان إلى شمال إفريقيا)، وكلاهما تنبّها إلى ذلك على إن الدور القيادي في المنطقة المعناة مستقبلا هو الفاعل وعليه ها هما الآن يسعيان بشتى الطرق والوسائل من التغلغل والتدخل العسكري، والسياسي، وحتى الدبلوماسي.
لعل أنّ الأزمة السورية الحالية واليمنية، إلى جانب أحداث مملكة البحرين دليل قاطع على هذا التغلغل والاهتمام الاستراتيجي المستقبلي، ولعل هذا ما يفسّر أيضا تنبّه دول الخليج وخاصة السعودية - حتى وإن جاء متأخرا- تصدّيها إلى ما تسمّيه بالمد الشّيعي بالنسبة لإيران إلى جانب ما اتفق على اصطلاحه أيضا بالمد العثماني الجديد في العمق العربي.
القضية ليست بالهيّنة خاصة وإنّ الدور الأمريكي غير واضح الآن، على الأقل في الآونة الحالية بحيث الكل ينتظر كيف تغدو أمريكا ترامب خارجيا، وهل رؤيتها إلى منطقة الشرق الأوسط سوف تتغير بالقدر الذي يتصوره أطراف النزاع في المنطقة والغير؟ أم أنّ الإدارة الجديدة ستعيد تفعيل مفهوم الشرق الأوسط الكبير والجديد (وهذا هو المرجّح)؟
فلم الشّمل إذن في تلكم التطورات والتنبؤات  جد حتمي وضروري لكي يتسنّى للدول العربية مجابهة القضايا المصيرية وبناء جدار دفاعي مشترك إلى جانب اندماج اقتصادي، أو على الأقل تكامل حقيقي يضمن اكتفاءً غذائيا ذاتيا، ويقلل من هجرة الأدمغة العربية والاستفادة منها كما سوف يقلل من النفور عن كل ما هو عربي. إن قضية فلسطين التي ستبقى الألم (إن لم تستقل) والأمل بين كل الدول والشعوب العربية وباختلاف الرؤى تبقى أيضا القلب النابض والمحرك ما دامت تحت رحمة الاستدمار الصهيوني.
وما دام الكيان الصهيوني متربّعا على كل فلسطين، فالدول الكبرى كانت وإلى زمن أصبح ببعيد الآن، قد أوهمت الطرف العربي عامة والفلسطيني خاصة بمقولة حل الدولتين وبعاصمتين، إلا أن فعلية دبلوماسية التفاوضات واللقاءات التأجيلية والعالقة أضحت كلها تضليلية، كما أنتجت جيلا عربيا وفلسطينيا رافضا لكل ما هو تفاوضي الآن. فبعد انتفاضة أطفال الحجارة وانتفاضة الدهس، وانتفاضة السكاكين، ها هي الآن شبه ضائعة بين مهاجر غير شرعي ومتطرّف بدون رؤية مستقبلية، والآن أمام كل هذا الانهيار النفسي والتشاؤمي، فلن يستغرب الكل إن أنتج هذا الظلم الصهيوني والتجاهل العربي جيلا مكافحا من طراز جديد في الحقبة القادمة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018