تكتّلات عسكرية لمحاربة الإرهاب وآليات سياسية لتسوية الأزمات

افريقيا تتولى علاج مشاكلها بقرار المستقبل

فضيلة دفوس

 تنفّس الغامبيون الصعداء ومعهم أفريقيا بعد أن استسلم الرئيس المنتهية ولايته يحي جامع لهزيمته في السباق الرئاسي، وقرّر تحت الضغط الداخلي والخارجي  مغادرة البلاد فاسحا المكان لخليفته آدم بارو ليتولى مقاليد الحكم في هذه الدولة الغرب افريقية الصغيرة.
وإذا كان المسار السلمي الذي سلكته الأزمة السياسية في غامبيا قد نزع فتيل التوتّر وحال دون انزلاق الوضع إلى ما لا يحمد عقباه، فهو قد أبان عن حقيقة طالما تطلعت إليها شعوب القارة السمراء وتتمثل في قدرة افريقيا على حلّ مشاكلها بنفسها دون تدخل من الخارج الذي تكون تحركاته ومساعيه مدفوعة في الغالب بمصالح وحسابات خاصة.

اندلعت الأزمة السياسية في غامبيا شهر ديسمبر الماضي بعد فوز مرشح المعارضة، آدم بارو، في الانتخابات الرئاسية، لكن الرئيس السابق يحيى جامع وبعد أن كان قد أقرّ بهزيمته تراجع ورفض تسليم السلطة الذي تولاها لازيد من 22 عاما، ما وضع البلاد أمام مصير مجهول ودفع بالعديد من الغامبيين الى حزم حقائبهم والفرار من البلاد خشية وقوع المحظور والدخول في احتراب داخلي.
والحقيقة أن مخاوف الغامبيين من انزلاق الوضع في بلادهم لم تكن مبالغ فيها، لأن القارة الافريقية عرفت طول العقود الماضية حروبا وصراعات مريرة على السلطة،  فالرئيس في الغالب يتشبث بمقاليد الحكم ولا يسلّمه إلا عبر انقلاب عسكري أو أنهار من الدماء، لكن هذه المرة الأمر اختلف تماما، فأفريقيا نضجت وأصبحت تمتلك القدرة والمؤسسات والإرادة  لحماية ديمقراطيتها الناشئة ولحل أيّ أزمة تعصف ببلدانها، من هنا كان التحرك الافريقي العاجل والفعّال الذي أنقد غامبيا من حرب أهلية وشيكة.
فما أن بدأت أزمة الرئاسة بها تأخذ منعطفات خطيرة، حتى تحرّكت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «ايكواس» التي تضم 15 بلدا وتقودها  السينغال قصد تطويقها قبل أن تنفجر، ملوحة بالخيار العسكري في حال إصرار جامع على التعنت، وبالفعل تحرك جنود سنغاليون إلى الحدود مع غامبيا، وبالموازاة قاد الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز ونظيره الغيني ألفا كوندي وساطة أثمرت في النهاية حلا أنهى الإنسداد وقاد الى الإنفراج، ليتأكد بأن أفريقيا لم تعد ذلك القاصر الذي يستنجد دائما بالغرب ليحل مشاكله، بل على العكس تماما فهي اقتنعت بأن الحلول الخارجية تؤجج في الغالب الأزمات ولا تحلها، كما أدركت بأنها قادرة على مداواة جراحها بنفسها.
إجماع على حلّ الأزمة الليبية سلميا
والواقع أن حل الأزمة الغامبية بجهود أفريقية ليس النموذج الوحيد في القارة السمراء، إذ تتكاثف المساعي وتتواصل المحاولات لتسوية الأزمة الليبية، حيث عقدت نهاية الأسبوع قمة اللجنة رفيعة المستوى للاتحاد الافريقي بالعاصمة الكونغولية برازافيل بمشاركة رؤساء دول وحكومات بلدان جوار ليبيا، إضافة إلى ممثلي البلدان الأعضاء في اللجنة لبحث «تطورات الملف الليبي وسبل التوصل إلى حل عاجل وتوافقي لهذا النزاع المتواصل منذ عام 2011.
ويبدو جليا أن افريقيا قررت أن تضطلع بمسؤوليتها كاملة لحل الأزمة الليبية بإشراك الجميع لإيجاد توافق ينهي الفوضى ويعيد الأمن ليس لليبيا فقط بل للمنطقة والإقليم ككل.
والحل الذي تسعى إليه افريقيا في ليبيا سيكون محكوما بصيانة وحدة ومصالح الليبيين وليس مثل الحلول الجاهزة المستوردة من الخارج التي تكون محكومة بمصالح هذا الخارج وفي الغالب تزيد من تأجيج الأوضاع وتفجيرها، والجميع يعلم أن الأزمة الليبية هي بالأساس نتاج تدخل الناتو الذي أسقط النظام ومعه أسقط أرض شيخ الشهداء عمر المختار في متاهة العنف والفوضى.
تكتّل لمحاربة الإرهاب
الأكيد أن افريقيا نضجت وأصبحت عازمة على حلّ مشاكلها بنفسها ليس السياسية فقط بل حتى الأمنية وفي هذا الإطار، نسجل تشكيل العديد من التحالفات العسكرية لمحاربة الإرهاب وإعادة الأمن، آخرها القوة التي  قررت النيجر ومالى وبوركينا فاسو إنشاءها لمكافحة غياب الأمن فى قطاع يقع بين الدول الثلاث «حتى لا يتحوّل إلى ملاذ للجماعات الإرهابية.
وستكون القوة الجديدة مثل «القوة المتعددة الجنسيات المختلطة» التى انشأتها النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون وتقاتل منذ 2015 جماعة بوكو حرام الإرهابية في حوض بحيرة تشاد.
وقد تمكّنت هذه القوة من إلحاق ضربات موجعة ببوكوحرام، ما يؤكد أن المجموعة الافريقية أدركت طريق خلاصها من الدمويين بالاعتماد على امكانياتها وقدراتها  وتجربتها المتراكمة في مواجهة الظاهرة الإرهابية التي تشكّل أحد أكبر تحدياتها.
«ما حكّك غير ظفرك»
لا شكّ أن الجهود التي تبدلها أفريقيا لحلّ الأزمات التي تتفجّر من حين لآخر بدولها  جديرة بالتثمين والإشادة، وقد كانت في مجملها مثمرة، حيث مكّنت من تسوية العديد  من القضايا، ونذكر بالمناسبة المساعي التي قادتها الجزائر وأنهت الأزمة السياسية التي كانت تعصف بدولة مالي.
  وهذه النتائج المشجعة تبيّن أن أفريقيا التي تعلمت من تجاربها أن مشاكلها يجب أن تحلها بنفسها وبإشراك الجميع، تكون قد أدركت طريق خلاصها من مصاعبها ومعضلاتها من جهة، ومن التدخلات الخارجية المدمرة من جهة أخرى، فالغرب لا يتدخل إلا بثمن، ولتحقيق أجنداته ومصالحه الخاصة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018