لقطع الطّريق أمام أي تدخّل أجنبي محتمل

دول الجوار مطالبة بدور محوري في حل الأزمة اللّيبية

أمين بلعمري

 لا تزال المعضلة اللّيبية تشكّل مصدر قلق للمجتمع الدولي عامة ولدول الجوار على وجه الخصوص باعتبار أن هذه الأخيرة تضرّرت جرّاء هذه الأزمة، وكل المؤشّرات تؤكّد أنّ نسبة هذا الضّرر ستزداد إن لم تجد هذه الأزمة طريقها إلى الحل عبر القنوات التّفاوضية السّلمية، خاصة وأنّ الجارة ليبيا تتهدّدها سيناريوهات قاتمة وفي مقدمتها سيناريو تقسيمها إلى ثلاثة مناطق على الأقل - لا قدّر الله - وثمّة أطراف تستثمر بقوة في هذا السيناريو الخبيث، وتعمل على تغذيته من خلال العمل على تأجيج الخلافات بين الفرقاء الليبيين أو من خلال دعم أطراف على حساب أخرى خدمة لأجندات ضيّقة وتدخّلات سلبية في المشهد الليبي زادت من تعقيد الوضع، وتعطيل العملية السياسية التي أطلقتها الأمم المتحدة المكلّلة بإنشاء حكومة وفاق وطني مدعومة من المجتمع الدولي، ولكنها لم تتمكّن بعد من السيطرة على الوضع بسبب غياب جيش وطني ليبي قوي يمكنه أن يبسط هيبة الدولة.
دول الجوار وبحكم الحدود التي تربطها مع الشقيقة ليبيا كانت ولاتزال الأكثر تضرّرا من الوضع الذي آلت إليه، خاصة مع ازدياد الخطر الإرهابي في هذا البلد الذي وجد فيه تنظيم داعش الإرهابي وجماعات إرهابية أخرى البيئة المثلى للتواجد، سيما في ظل غياب الدولة ورموزها في الكثير من المناطق ممّا سهّل من مهمّة تلك الجماعات المتحالفة مع جماعات التهريب والجريمة المنظّمة، التي وجدت هوامش كبيرة للاستقرار والتمدد في الأراضي الليبية، ومن أراضيها استهداف أمن واستقرار دول الجوار، ونتيجة لذلك تحوّلت ليبيا إلى قاعدة خلفية لتنفيذ الكثير من العمليات الإرهابية في الجزائر، تونس، مصر والنيجر.
كان التدخل العسكري الأجنبي في ليبيا سنة 2011 سببا مباشرا في تعفّن الوضع وازدياد حالة الفوضى والتسيّب، خاصة بعد استغلال الناتو للائحة 1973 التي نصّت على إقامة حظر جوي في ليبيا (لحماية المدنيين) ليطلق عملياته العسكرية، التي تبين أنّها تستهدف بشكل مباشر رموز ومؤسسات الدولة الليبية، وتمّ بالفعل تصفية القذافي وإسقاط نظامه على أيدي الثوار الليبيين المدعومين من الناتو. في تلك الأثناء كانت الجماعات الإرهابية ترسم الخطط وتعد العدة لتنفيذ أجنداتها بعدما وجدت أخيرا فرصتها السّانحة، ولم يمر الكثير من الوقت حتى تفطّن العالم إلى حجم الخطأ الفادح الذي ارتكب في ليبيا، وكانت البداية بسقوط شمال مالي في أيدي تلك الجماعات، والجميع يعرف بقية ما حدث.
إنّ الرّهان الحقيقي الذي يجب أن ترفعه دول الجوار هي أن لا تصبح مجرّد أطراف متفرّجة على المشهد الليبي، إذ لا يجب أن يتكرّر السّيناريو السّوري في ليبيا أين فقدت الفواعل الداخلية دورها تماما لصالح الفواعل الإقليمية والدولية، وهذه المخاوف جعلت دول الجوار اللّيبي تعقد الكثير من الاجتماعات وتطلق المبادرات المتتالية لإنهاء الأزمة الليبية التي كان آخرها المبادرة الثلاثية الجزائرية، التونسية المصرية مع الحرص الشديد على أن يكون الحل سياسيا وليبيا خالصا يتوّج حوار بيني ليبي - ليبي يكون برعاية أممية وبدعم من دول الجوار التي لا يجب أن يكون لها مجرد دور ثانوي في مسألة تعنيها بالدرجة الأولى أو بمعنى آخر عليها قطع الطريق أمام أي تدخلات أجنبية سواء كانت عسكرية أو سياسية لكي لا تتحول ليبيا إلى حلبة لتصفية حسابات وتنفيذ أجندات تدفع ثمنها، كما حدث في سوريا لأن الوضع في ليبيا لا يتحمّل أي تدخّل أجنبي آخر قد يفتح الأبواب مشرعة أمام الجماعات الإرهابية التي لا تريد لحالة الفوضى والتسيب أن تنتهي في ليبيا.
إنّ التطورات الأليمة التي شهدتها ليبيا والمعاناة التي يكابدها شعبها الشّقيق كانت المبرّر الوحيد لمواقف الجزائر الرّافضة للتدخل الأجنبي في هذا البلد الجار، وهذه هي المعركة التي لا تزال ترافع من أجل كسبها في كل المنابر الدولية والإقليمية لتجنيب ليبيا شبح تدخل عسكري ثاني يقضي نهائيا على كل آمال الحل السّلمي في ليبيا، ويغرقها ويغرق كل المنطقة في المجهول.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018