الأزمة السّورية تدخل عامها السّابع

هل تقود جهود التّسوية إلى الانفراج؟

فضيلة دفوس

طوت الأزمة السّورية الدّموية عامها السّادس وهي اليوم  تدخل عامها السّابع دون أن تظهر للنّفق المظلم نهاية، ودون أن يتحقّق الانفراج الذي توقعناه على أرض الواقع  رغم الجهود السّلمية التي تسعى لإنهاء فصول هذا  المسلسل الدراماتيكي، الذي أغرق أرض الشام في دماء أبنائها وحوّلها إلى موطن للموت والارهاب والنزوح والتشرد.
ستة أعوام بمآسيها وآلامها، مرّت على اندلاع الأزمة السورية، التي تشكّل بالفعل واحدة من أعقد وأفظع المعضلات التي حصدت أرواح مئات الآلاف من الأبرياء  وتسبّبت في نزوح الملايين، فيما شهدت البنية التحتية والاقتصادية للبلد انهيارا تاما، دون الحديث عمّا ألحقته من دمار بالوحدة الوطنية وبرابط الثقة الذي ظل يجمع لعهود وأزمة طويلة أبناء الشعب الواحد في كيان متجانس برغم اختلافاته الدينية، العرقية والطائفية.
الأحداث التي طبعت المشهد السوري خلال الست سنوات الماضية، كانت مليئة بالمآسي والمد والجزر على مختلف أصعدتها، وقد بدأت الأزمة صغيرة بمظاهرات واحتجاجات تفجرت في مارس 2011، كامتداد لما شهدته بلدان «الرّبيع المريع» من انتفاضات، وككرة الثلج أخذت الأزمة تكبر وتأخذ منحنيات تصاعدية خطيرة حتى وصلت إلى ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» الارهابي وجماعات دموية أخرى حوّلت الأرض السّورية إلى مسلخ بشري رهيب، كما حولت دول بعينها ذرة الشام إلى ساحة لحرب تخوضها عن بعد دون رأفة بحال من يدفع ثمنها الباهظ.
بداية الكابوس
لم يكن أسوأ المتشائمين يظن بأنّ المظاهرات التي شهدتها مدينة درعا منتصف مارس 2011، ستتحوّل بعد أشهر إلى  حرب طاحنة تمتد لسنوات وتحصد الأرواح وتدمّر المدن وتعصف بالأمن والاستقرار، فقد سارعت القيادة السّورية إلى احتوائها من خلال الاستجابة لمطالب المحتجين المشروعة، وأقرّ الرّئيس بشار الأسد في خطابه الأول بعد الاحتجاجات في 31 مارس إصلاحات عميقة إلى جانب تشكيل حكومة جديدة رفعت حالة الطوارئ المعمول بها منذ عام 1963، وأطلقت سراح عدد من المعتقلين السياسيّين.
لكن اليد الممدودة للأسد اصطدمت بجدار من التعنّت والتصعيد، وتجلّى بوضوح مند البداية بأنّ الذين حرّكوا الشّارع السّوري كما في شوارع عدة بلدان عربية أخرى،كان هدفهم الوحيد هو إحراق ذرة الشام بحرب أهلية مدمّرة.
وبحلول شهر ماي كانت الأزمة السورية قد دخلت أول فصولها الدموية، لتتوالى الفصول ترسم مشاهد العنف والدّمار، وأمام هذا التّصعيد اللاّمتناهي، بدا العالم وكأنّه متواطئا، فلم نسجّل أي مبادرة جدية أو محايدة لتسوية هذه المعضلة، وكل السّاعين للسّلام ظاهريا، كانوا في الباطن يؤجّجون الحرب بانحيازهم لأحد أطرافها، أما بكاءهم على أوضاع الشّعب السّوري فلم تكن في الواقع غير دموع تماسيح لا أكثر ولا أقل.
ولم تتوقّف مؤامرة هؤلاء عند تأجيج الصّراع بين أبناء الوطن الواحد، بل زرعوا تنظيما إرهابيا تحت مسمّى «داعش» حتى تكتمل لعنة تكالبهم على سوريا.
نقطة التّحوّل
قبل نحو سنة ونصف عرفت الأزمة السّورية تحوّلا كبيرا بدخول روسيا عسكريا إلى جانب النّظام كرد فعل على تعاظم خطر الارهاب، الذي بات تهديدا مفتوحا على المنطقة بأسرها، وأيضا لتحقيق بعض توازن الرعب أمام الدعم الغربي والاقليمي المفرط للمعارضة المسلّحة، وقد دفعت الانتصارات الكبيرة التي حقّقتها القوات السورية  على الأرض إلى تغيير الخطاب الذي كان متداولا من طرف المجتمع الدولي، فلم يعد رحيل الأسد مطلبا لأحد ولا حتى للذين رفعوا السلاح في وجهه، وزجّوا بالبلاد في أتون الحرب، كما دفعت أيضا إلى اجتماع فرقاء الأزمة لأول مرة حول طاولة مفاوضات واحدة في «جنيف4» قبل أسابيع.
وفي هذا الشّأن كتب أحد الخبراء قائلا: «لا شك في أنّ السنة ونصف السنة المنقضية على التدخل الرّوسي قد طوت أسوأ أنواع السيناريوهات التي كانت مرجّحة التحقق آنذاك. المقصود بذلك احتمال سيطرة قوى إرهابية على سوريا ذي الموقع والأهمية الاستراتيجيّين، كاد ذلك يحصل (وهو حصل جزئياً) بسبب خطأ قاتل في حسابات قوى دولية وإقليمية كان هدفها الأساسي الإطاحة بسلطة الرئيس بشار الأسد، ولو عن طريق قوى إرهابية (سرعان ما تبين أنّها خارجة عن كل رقابة ذاتية أو عامة).
 نشاط القوى الإرهابية نفسها، هو ما فرض أجندة جديدة جعلت محاربة الإرهاب ذات أولوية: جزئياً بالنسبة إلى البعض وكلياً للبعض الآخر.
الاختراق الروسي، الأساسي في هذا الحقل، كان في استغلال الأزمات التركية من أجل إحداث تعديل في موقف حكومة أردوغان وبناء علاقة تعاون وتنسيق معها، قادت  سريعاً إلى اجتماعات أستانة. أثبتت هذه التبدلات أهميتها، ما دفع الأمم المتحدة (في شبه غياب لواشنطن المستنزفة بأخطاء وهفوات رئيسها الجديد) إلى الانتقال من دور المراقب في أستانة، إلى دور الراعي والمبادر في جنيف.
الانفراج ليس غدا
لكن التحول الذي نتكلم عنه لم يأت بأي ثمار الى حدّ الآن، فتعقيد الصراع - كما يضيف نفس الخبير- يتطلب بذل جهود دولية تشارك فيها واشنطن من موقع سليم ومتعاون وجدي، كما ينبغي أن تشارك في إنجاحها القوى الإقليمية المعنية بعد إدخال تعديلات جوهرية على مواقفها، وخصوصاً في مجال الاندفاعات المذهبية المتفاقمة التي يستفيد الإرهابيون منها إلى أبعد الحدود. هذه ليست تمنيات، فخطر الإرهاب لم يستثنِ أحداً، والتصدي له واجب الجميع.
وفي امتداد ذلك، ينبغي للقوى السورية نفسها، في السلطة والمعارضة، أن تعتمد مقاربات جديدة تواكب مساعي التسوية فتوفر الكثير  من الوقت والمعاناة والخسائر، فضلاً عن أهميتها الخاصة في الدفاع عن وحدة سوريا أرضاً وشعباً ومؤسسات.
وتزداد أهمية ذلك، مع جسامة المخاطر القائمة بسبب كثرة اللاّعبين والطّامعين والمغامرين على المستويين الدولي والإقليمي. ليس من دون معنى أن يحذر كثيرون  من «سيناريوات تقسيم إذا ما فشلت التسويات». واقعياً، التقسيم قائم، حالياً، في سوريا وفي غيره من بلدان الأزمات العربية. تكريس التقسيم هو ما يُخشى منه في حال استمرار الصّراع وسقوط التسويات».
الحل السياسي
 مهما اختلفت الرؤى والمواقف من الأزمة السورية وأطرافها، فلا بد للجميع أن يدعّم ويؤيّد الحل السياسي لوقف آلة القتل وسفك الدماء، ويعمل لأجل إقرار التوافق والتعايش حفاظا على وحدة التراب السوري وشعبه.
 ومهما طال أمد الأزمة، فالوصول إلى حلّها آت لا محالة، فلبنان خرج من حرب أهلية طاحنة استمرّت 15 عاما، والشيء نفسه حصل في اليمن بصورة أو بأخرى، ولا نرى أي عائق يحول دون تكرار هذه التجارب إذا ما قرّر السّوريون في جانبي الصراع تقديم مصلحة سورية ووحدتها على جميع الاعتبارات الأخرى

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17754

العدد 17754

الثلاثاء 25 سبتمبر 2018
العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018