أصغر رئيس لفرنسا منذ نابليون بونابرت

ماكرون.. ظاهرة سياسية أمام تحديات كبرى

حمزة محصول

تحقّقت تنبؤات استطلاعات الرأي وفاز المرشّح الشاب إيمانويل ماكرون بالانتخابات الرئاسية الفرنسية، حاصدا ٠٦ . ٦٦ بالمائة من الأصوات مقابل ٩٤ . ٣٣ بالمائة لمنافسته مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية المتطرف، ليصبح بذلك أصغر رئيس في تاريخ فرنسا منذ عهد نابليون بونابرت.
كان واضحا منذ البداية أنّ احتمال تكرار سيناريو الانتخابات الأمريكية التي أجريت شهر نوفمبر من السنة الماضية ضئيلا جدا في فرنسا، وتأكّدت خيبة الذين راهنوا على بلوغ مارين لوبان سدة الحكم أسوة بما حصل ما الرئيس دونالد ترامب.
ولم تحدث المفاجأة في سباق المنعطف الأخير بين ماكرون ولوبان، وتفوق الأول بنسبة مريحة للغاية على من توّجت نفسها «عدوة الفرنسيين من الأصول الأجنبية والمهاجرين القادمين من البلدان الإسلامية على وجه الخصوص».
وبغض النظر عن النتيجة النهائية، فإن إيمانويل ماكرون يعتبر هو «المفاجأة» في حد ذاته، إذ اعتبر لدى الإعلام الفرنسي والعالمي «ظاهرة سياسية غير مسبوقة في البلاد»، أزاحت الأحزاب التقليدية التي تداولت على الحكم منذ 1958، وكبحت جماح اليمين المتطرّف المتنامي بشكل ملف للانتباه.
فاز ماكرون وجذب إليه العالم أجمع، حيث كان كل شيء فيه مثير للاهتمام، سنه (39 سنة)، حياته الخاصة، خبرته السياسية وقدراته المعتبرة في التسيير البنكي والاقتصاد وإنعاش المؤسسات.
وخصّصت صفحات الجرائد ونقاشات البلاطوهات حيّزا شاسعا لمعالجة فوز الظاهرة ماكرون بالانتخابات، وترافق الانبهار بما حقّقه مع مخاوف من قلة خبرته وضعف ثقة عدد من الفرنسيّين في شخصه بالنظر إلى نسبة الامتناع عن التصويت التي ناهزت 25 بالمائة ونسبة الأصوات الملغاة التي قاربت 9 بالمائة، إلى جانب سلوك بعض الناخبين الذين اختاروه ليس إعجابا ببرنامجه وإنما خوفا من فوز اليمين المتطرّف.
الأزمة تولد النّجاح
صنعت سنوات عمله بالقطاع البنكي مجد إيمانويل ماكرون، وجعلته في نظر كبار صنّاع القرار ذلك الشاب المتقد الذكاء، حيث برع وبشكل لافت في الاستثمار في الأزمات التي تمر بها المؤسسات التي يعمل بها.
وممّا يروى عنه أنّه أنقذ بنك روتشيلد من الإفلاس، وجنّب مؤسسة فرنسية خطر الزوال بعدما افتك لها عقدا بقيمة 15 مليار دولار مع مؤسسة صينية ما جعله يصبح في زمن قياسي رجلا غنيا.
ولم يخب ماكرون من اقترحوه مستشارا اقتصاديا للرئيس فرنسوا هولاند، الذي سرعان ما أسند إليه وزارة الاقتصاد خلال الفترة 2014 - 2016، قبل أن يتسبّب في إخراج الناس إلى الشارع لعدة أيام بسبب قانون العمل الذي قدّمه للبرلمان.
الاحتجاجات العارمة التي اجتاحت الشّارع الفرنسي بسببه، دفعته إلى رمي المنشفة والخروج من الحكومة، ليعلن عن تأسيس حزب سياسي، أسماه «حركة إلى الأمام»، والذي سرعان ما استقطب 200 ألف منخرط، وبعد سنة من النّشأة ترشّح للرّئاسة وفاز بنتيجة مريحة عن منافسيه من الحزبين التقليديين اليمين واليسار والحزبين المتطرّفين اليمين المتطرّف واليسار المتطرّف.
تحويل الأزمات والمشاكل العويصة، باتت ميزة خالصة في قدرات هذا الشاب المنحدر من عائلة ميسورة ومحيط نخبوي وسيقود فرنسا لخمسة سنوات قادمة.

 مستثمر جيّد في مشاكل الآخرين
تقاطعت التّحاليل كلّها، في أنّ بروز ماكرون إلى المشهد السياسي تزامن مع حالة الملل التي أصابت النّاخبين الفرنسيّين من إطارات الحزب الاشتراكي والحزب الجمهوري، ورغبتهم الجامحة في التغيير، ما جعله المستفيد الأكبر خاصة وأنّه اختار نهج الوسط والنموذج الجامع لمصالح المجتمع الفرنسي بكل أطيافه الداخلية وأبعاد ومصالح البلاد في الخارج وبالأخص على مستوى الاتحاد الأوروبي.
واستثمر ماكرون بشكل جيد في حالة الرعب التي أثارتها زعيمة اليمين المتطرّف مارين لوبان، لدى الفرنسيين من الأصول الأجنبية والمهاجرين الذين يمثّلون نسبة معتبرة من الهيئة الناخبة، ومخاوف ساسة اليمين واليسار من انهيار قيم المجتمع الفرنسي المنفتح على المجتمعات والممتدة نحو التكامل الأوربي. وساندت شخصيات عالمية بارزة على غرار الرئيس الأمريكي باراك أوباما والنجم العالمي لكرة القدم زين الدين زيدان ماكرون، ولم يكتفوا بذلك حيث حذّروا من خطر وصول لوبان إلى الحكم.
وكتب رئيس الوزراء الأسبق وصديق جاك شيراك آلان جوبي مقالا يصف فيه الجبهة الوطنية «بالخطر الكبير الذي يهدّد مبادئ الجمهورية التي أسّس لها الجنرال ديغول».

خبرة ضئيلة وتحديات كبرى

لم يكتفي ماكرون بسحق الأحزاب التقليدية والمتطرّفة، بل كسّر تقليديا فرنسيا راسخا في الوصول إلى الحكم، حيث كان وزراء الداخلية الأوفر حظّا لبلوغ الرئاسة بينما جاء هو من قطاع البنوك والاقتصاد، ما جعل البعض يتشاءمون من قدرته على التعامل مع ملفات شائكة تتعلق بالأمن القومي والأزمة الاقتصادية والسياسية الخارجية.
وتعهّد ماكرون في خطاب الفوز، بأن يكون «مدافعا شرسا عن فرنسا والفرنسيّين، ويعالج مشاكل الاقتصاد والتعليم والأمن والبيئة، ويحترم المبادئ الأوروبية لبلاده».
ولعل إيجاد حلّ للعمليات الإرهابية التي تنفذّها «الذّئاب المنفردة» التابعة للتنظيمات الإرهابية ستمثّل أبرز تحدي داخلي بالنسبة له، ويرى في تقوية جهاز المخابرات وتشديد الإجراءات الأمنية حلاّ أنسبا لذلك دون المساس بحرية الأشخاص والمهاجرين.
وتنتظر الطبقة العاملة من الرئيس الجديد تأمين مناصب الشغل من خلال تبنّي سياسة دعم وإنعاش للمؤسّسات وتحسين فرص الاستثمار الداخلي والخارجي، فيما تواجهه أكبر التحديات على صعيد السياسة الخارجية، أبرزها مواجهة النّفوذ الروسي ومعالجة الملف السوري، خاصة وأنّه تبنّى موقفا عدائيا من بوتين، إلى جانب المشاكل المتصاعدة للاتحاد الأوروبي.
وتترقّب المناطق التّقليدية للنّفوذ الفرنسي (إفريقيا)، منهجية عمل ماكرون للحفاظ على مصالح بلاده، وما إذا سيلجأ للأسلوب القذر المتمثل في التدخلات العسكرية الهدّامة التي غالبا ما تبنّتها السّلطات الفرنسية المتعاقبة.
وعلى الرغم من الصّخب الهائل الذي أثاره فوز ماكرون والطريقة المميزة التي وصل بها قصر الاليزيه، يبقى رئيسا دون خبرة في نظر البعض خاصة الفئة التي لم تقتنع به وتعتقد أنه مرشّح المؤسّسات النّافذة ولوبيات المال ولا يملك كاريزما قوية، وستكشف الأيام عمّا في جعبة الرّئيس الشاب ليقدّمه لفرنسا.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018