ضغط على الإرهابيين برا، بحرا وجوا في سوريا

تحكم روسي في المبادرة العسكرية والسياسية

جمال أوكيلي

من أين يبدأ الحديث عن الملف السوري؟ لا يمكننا فهم ما يجري بتلك الصورة الواضحة إلا بمتابعة ما يصدر عن روسيا بداخل ذلك البلد وخارجه وهذا عندما انفردت بكل المبادرات العسكرية والسياسية، لا ينافسها أحد في الميدان كما أنها لا تسمع لأي كان بحكم وجودها الدائم في المنطقة وعزمها على ايجاد الحل الذي تراه مناسبا والرامي إلى تحييد الجميع وإبعادهم عن أهدافهم بإسقاط كل خططهم وهذا ما يحصل في الوقت الراهن.

جرفت التحركات الروسية العسكرية والسياسية، كل ما يعترض طريقها متمادية في نهجها المرسوم القاضي بإنهاك هؤلاء جوا، بحرا وبرا، إلى غاية الاستسلام، أو الإقرار بالذهاب إلى جلسات «أستانا» في جولتها الـ٧ المرتقبة، بعد تلك المرقمة بـ الـ٦، لم تحقق أي شيء يذكر.
المقاربة العسكرية: أصبحت انتقائية لا يوجه الروس ضربات لكل من يتحرّك على الأرض وإنما شغلهم الشاغل هو جعل هذا الضغط أكثر التصاقا بالفعل السياسي وخدمته مباشرة لإجبار كل الرافضين والمترددين على دخول الصف والإلتحاق بالتصور الروسي في هذا الشأن.
والانتقائية العسكرية هو خيار روسي جديد يتبلور حسب ما يشهده الواقع من تطورات كل من يتفادى المواجهة المسلّحة مسموح له أن ينخرط في هذا المسعى السياسي ويحصل على مقعد بأستانا ضمن ما يعرف بالمفاوضات لبحث ما يتطلّب بحثه.
ويعتقد الروس بأن القصف لا يحلّ الأوضاع المعقدة.. لذلك فإن المنهجية المتبعة تعتمد على توفير فضاءات خالية من السلاح أو ما يتداول باسم مناطق إزالة التوتر «التي ماتزال فكرة جنينية لم ترتق إلى مستوى تطلعات الروس عندما انحصرت في منطقتين والثالثة مايزال النزاع حولها قائما، ألا وهي إدلب.. لذلك فإن الطريق شاق ومضني لا يتحقّق بين عشية وضحاها وهاجس الروس حاليا هو إلحاق الهزيمة بجبهة النصرة وإحباط معنوياتها من خلال دك معاقلها من كل مكان حتى بواسطة صواريخ من نوع «كليبر» المنطلقة من الغواصات أي استعمال كل الوسائل التي بإمكانها تدمير هذا التنظيم وحمله على الانضمام إلى خيارات التهدئة المطروحة وتسهيل الوجود العملياتي الروسي في الميدان.. وعدم اعتراض ما ينجر في الميدان.
وأمام هذا التعنت لجبهة النصرة المصنفة كتنظيم ارهابي من قبل الروس، فإن الرسالة لهم كانت واضحة عندما أعلن العسكريون الروس بأن قائدها «الجولاني» أصيب بجروح بليغة ودخل في غيبوبة، كما قتل عدد كبير من مرافقيه.
وهذا التشدّد العسكري الروسي يعدّ ردا مباشرا على مقتل ضابط كبير خلال الأيام الماضية، وفي نفس الوقت دعوة الولايات المتحدة إلى التخلي عن التعامل مع فصائل معينة وكم من مرة كشف الروس عن هذا التقارب، في الميدان بالرغم من هذا التنسيق، فإنه لا وجود أمريكي يؤثر أو يصنع الأحداث هناك.
والعنصر الجديد في خضم هذا التفاعل هو عودة ما يسمى بالجيش الحرّ إلى واجهة المشهد، وهذا من تركيا بعد أن تخلى عنه كل من وقف معه عند اندلاع ما قيل آنذاك بأنها «ثورة» وحاد عن أهدافه.. عقب صراعات دموية عن الزعامة.
ومهمته اليوم مختلفة عما حدّده بالأمس عندما كان في دروة حضوره الداخلي غير أن هذه المرة فهو مطالب بأن يلاحق الجماعات المسلحة التي تفرض الانصياع لدعوات الكف عن إيذاء الآخرين.
 المقاربة السياسية: موازية لنظيرتها العسكرية لتكون المدخل لأي تسوية في الأفق وحتى لا تترك الأمور هكذا دون محطة واضحة يتوقف عندها الجميع الراغبين في الخروج من تلك المعارك الدامية ومحاولة البحث عن الحلول اللائقة لما يحدث في هذه المنطقة من تعقيدات أمنية لا يمكن الاستمرار فيها إلى الأبد ولا بد من إيجاد الحل طال الزمن أم قصر والكل الأطراف المعنية مدعوة إلى الانخراط في هذا المسعى المفتوح على جبهتين الأولى في كازاخستان (أستانا) والثانية في جنيف.
وبالرغم من الاجتماعات الدورية واللقاءات المتكرّرة غير أن النتائج لم تكن في المستوى المطلوب نظرا لصعوبة المسائل المطروحة وعدم القدرة على الحسم فيها وحتى مناقشتها أحيانا بسبب الخلافات الحادة بين منصات المعارضة وممثلي النظام.
ويلاحظ في كل مرة أن جدول الأعمال غير مستقر يتغيّر ويكيّف حسب الأوضاع واستنادا إلى تصريحات ستفان دي ميستورا فإن المحور السياسي مطروح في المحادثات إلا أنه يؤجل إلى إشعار آخر ويستبدل في آخر لحظة بسبب الضغوطات هنا وهناك والآمال التي كانت معلقة على هذا الجانب تبخرت.. وحمل حلها الكلام عن تقليص مناطق التوتر وهذا أمر تقني من الصعوبة بمكان التحكم فيه بدليل الكل توجّه إلى إدلب قصد إدراج هذه المنطقة في خضم الاستراتيجية المتبعة عقب تسجيل تأخر في تفعيل هذه الصيغة وانحصارها في نقطتين فقط.
ويحّمل الروس جبهة النصرة هذا التراجع انطلاقا من تصنيفها في خانة «الإرهاب» لكنّها شاركت في أستانا في جولتها الأولى بأحد قادتها المدنيين رفقة الفصائل الأخرى.
وحاليا، فإن هناك عملا سياسيا موازيا ينجز بين الأطراف المعنية، من أجل احداث التفاهمات حول قضايا شائكة، كانت محل خلافات ضارة فيما سبق، وحسب ما يجري هنا وهناك، فإن هناك بوادر لإيجاد حل يرضي جميع الأطراف المتضررة من الارهاب سواء الاقليمية أو الأخرى والتوجه الراهن مبني على توحيد وفد المعارضة لدخول المفاوضات القادمة.
والتصريحات الكثيرة تؤكد على البعد السياسي للملف، لكن هذا غير واضح بالصورة المطلوبة مادام الروس لم يحسموا الوضع العسكري.. وتركيزهم على نقاط معينة فقط.. لذلك أجلوا كل حديث عن هذا الشّق وهم بصدد البحث عن الدقة في التمثيل أثناء المحادثات حتى يسير الجميع في الخطة المرسومة، ثم يكون كلام آخر فيما بعد أما الآن فإن الضغط متواصل بالقصف.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17497

العدد 17497

الثلاثاء 21 نوفمبر 2017
العدد 17496

العدد 17496

الإثنين 20 نوفمبر 2017
العدد 17495

العدد 17495

الأحد 19 نوفمبر 2017
العدد 17494

العدد 17494

السبت 18 نوفمبر 2017