إسقاط الدفاع الجوي السوري لطائرة أف 16

عندما يتحوّل الردع الإسرائيلي إلى خرافة

على نحو غير معتاد، وعلى مدى عدة ساعات، انشغل مكتب المتحدث بلسان جيش  الاحتلال الإسرائيلي، في توزيع صور فوتوغرافية وأشرطة فيديو، لحادثة إسقاط طائرة إيرانية بدون طيار، قال إنها اخترقت الأجواء الإسرائيلية في ساعة مبكرة من صباح السبت.

وعلى نحو فريد أيضا، تمّ نشر شريط الفيديو باللغات العبرية والإنجليزية والعربية، ويظهر إشارة الاستهداف، على الطائرة بدون طيّار، قبل إطلاق النار عليها وتدميرها من قبل مروحية «أباتشي».
ولم يكتف الجيش الإسرائيلي بذلك، إذ تعمّد إرسال صور فوتوغرافية، لوسائل الإعلام، لبقايا الطائرة بدون طيار، التي نفت إيران أي علاقة بها.

صرف النظر؟

لكن كل ذلك، لم ينجح في صرف الأنظار والاهتمام- بما في ذلك داخل الاحتلال الإسرائيلي - عن حادثة إسقاط الطائرة الإسرائيلية المقاتلة (اف 16)، أمريكية الصنع، التي سقطت بنيران سورية، دون أن ينشر الجيش الإسرائيلي أي صور عنها رغم سقوطها في أراض إسرائيلية.
وعلى ما يبدو، فإن إسرائيل تخشى من أن يؤثر هذا الحادث على «نظرية الردع″، التي تتبناها منذ تأسيسها، والقائمة على إقناع كافة دول المنطقة، بتفوقها الكبير، عسكريا عليهم، وإكسابها «هيبة»، تمنع أعداءها من مهاجمتها.
وبحسب مراقبين، فإن إسرائيل، تطلق على هذه النظرية «كي الوعي» وتهدف إلى إثار الخوف في نفوس كل من يفكر في قتالها. وتعتمد هذه النظرية على بناء قوة عسكرية تبقيها متفوقة على جميع دول المنطقة.
ومنذ عشرات السنوات، ساعدت الولايات المتحدة الأمريكية ودول أوربية، إسرائيل في هذا الجانب، حيث دعّمتها بأسلحة حديثة متطورة، وامتنعت عن تزويدها لدول أخرى في المنطقة، بما في ذلك حلفاءها.

التاريخ يعيد نفسه

على مدا السنوات القليلة الماضية أسقطت إسرائيل عدة طائرات بدون طيار، أُطلقت من لبنان ومن غزة، ولكن إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية هو أمر نادر.
وتقول صحيفة إسرائلية إن «هذه هي المرة الأولى منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982 التي يتمّ فيها إسقاط طائرة مقاتلة إسرائيلية».
ولفتت إلى أن الطائرة التي تمّ إسقاطها في العام 1982، كانت من طراز»فانتوم» ما أدى إلى مقتل قائدها وأسر مساعده.
وتابعت وقع الحادث يوم السبت، 24 جويلية 1982، بعد نحو شهر ونصف من أول وقف لإطلاق النار في حرب لبنان، في ذلك اليوم خرجت الطائرة لمهاجمة بطاريات صواريخ ٨SA-، التي كان السوريون قد أدخلوها إلى وادي البقاع في اليوم السابق».
وأضافت: «أقلعت طائرات الهجوم الأولى إلى لبنان ودمرت ثلاث بطاريات، وعندها طلب قائد الطائرة الحصول على تصريح استثنائي بالتوغل لمسافة بضعة كيلومترات في منطقة الدفاع الصاروخي، من أجل تحديد موقع بطاريات الصواريخ وتدميره، وفي مناورة معقدة، دخلت طائرة الفانتوم إلى منطقة الدفاع الصاروخي، وأصيبت خلال مغادرتها لها بصواريخ ٦SA- السورية».
وأشارت إلى أن قائد الطيارة قتل، وأسر مساعده في دمشق لمدة عامين، وأعيد إلى إسرائيل في صفقة لتبادل الأسرى، شملت خمسة جنود ومدنيين أسرهم جنود سوريون، وخمس جثث جنود مقابل 291 جنديا سوريا أسروا في الحرب، و21 مدنيا كانوا معتقلين في إسرائيل و73 جثة من الجنود السوريين».
ويرى اللواء المتقاعد، واصف عريقات، المحلل الاستراتيجي والعسكري، إن إبراز إسرائيل اسقاط الطائرة بدون طيار، وتجاهل سقوط المقاتلة بنيران سورية له علاقة بنظرية «الردع» الإسرائيلية.
وقال اللواء عريقات «إسرائيل تتفاخر دائما بما تسميه قوة الردع ودائما تتحدث عن التفوق النوعي لسلاح الجو الإسرائيلي وأن طائراتها تصل إلى أي مكان تريده دون عواقب، وبالتالي، فإن من الواضح أنه عندما تكون إسرائيل ضعيفة ومهزومة فإن هذا يجعل تهديداتها فارغة المضمون».
وأضاف «إسقاط طائرة مقاتلة من طراز (اف 16) يفقد إسرائيل قوة الردع، وهذا من شأنه أن يؤثر على الجبهة الداخلية الإسرائيلية، فإسرائيل تتوحّد عندما تحقّق إنجازات أما في حال بروز أي ضعف فإنه يسبب التفسخ الداخلي».
ورأى اللواء عريقات أن إسقاط طائرة مقاتلة من طراز (اف 16) هو حدث كبير سيما وأنه تمّ اسقاطها باستخدام صاروخ قديم نوعا ما.  
وقال «الطائرة التي تمّ اسقاطها هي طائرة (اف 16) معدلة ومواصفاتها عالية وتقنيتها عالية جدا، وبالتالي فإن إسقاطها باستخدام صاروخ متواضع من نوع (سام 5) أو (س 200) وهو سوري قديم، فهذا يعني أن المعادلة قد اختلت ولا قدرة على إقناع الجبهة الداخلية في إسرائيل أن قوة الردع كما كانت عليه في السابق».
وأضاف اللواء عريقات: «بمعنى أن نقطة الخلل هي ليس في اسقاط الطائرة وإنما فيمن أسقط الطائرة؟ وكيف أُسقطت؟ وما حدث بعد سقوط الطائرة؟ حيث يتمّ الحديث عن غرفة عمليات لحلفاء سوريا».
ويقول الموقع الإلكتروني لسلاح الجو الإسرائيلي إن المقاتلات من طراز (اف 16)، أمريكية الصنع، دخلت المجال الجوي الإسرائيلي في العام 2004.
ويشير إلى أن المقاتلة تمّ تطويرها من قبل الصناعات الدفاعية الإسرائيلية وفقا لمواصفات الجيش الإسرائيلي وباتت تحمل لقب «سوفا».
ولفت إلى أن التحسينات شملت زيادة كمية الوقود الداخلي في الطائرة بنسبة 50% لإطالة أمد طيران الطائرة وقدرتها على البقاء في الجو.
وقال سلاح الجو الإسرائيلي، إن التحسينات شملت أيضا إضافة «رادار قادر على رصد الأهداف الأرضية ليلا ونهارا في أي نوع من الطقس، حيث يعمل الرادار على تحسين أداء تتبع الهدف ويسمح بالاستهداف التلقائي بدلا من الاستخدام اليدوي».
وأضاف إن التحسينات شملت كذلك «خوذة نظام يرتديها الطيارون وتعرض بيانات ارتفاع وسرعة الطائرة وتُمكّن إطلاق الأسلحة على هدف العدو باستخدام البصر فقط».
وتابع سلاح الجو الإسرائيلي إن التحسينات في المقاتلة تجعلها أيضا على اتصال بالأقمار الصناعية الإسرائيلية.
واستنادا إلى صحيفة اسرائلية، فإن الاحتلال يملك 300 طائرة مقاتلة من هذا النوع.
ورأى اللواء عريقات أن إسقاط الطائرة المقاتلة الإسرائيلية لا يعني بالضرورة ردع إسرائيل عن الذهاب إلى حرب.
وقال «سياسيا أنت تتحدث عن قيادة يمينية متطرفة بقيادة نتنياهو ووزير الدفاع افيغدور ليبرمان قامت بمغامرات في الماضي وقد تقوم بمغامرات إضافية».
وأضاف «إسرائيل تقول الآن إنها لا تريد التصعيد وذلك لأنها ضعيفة، ولكن إذا ما شعرت بالقوة فإنها ستذهب إلى التصعيد».
ومؤخرا، بدأت إسرائيل باستلام العشرات من الطائرات المقاتلة من طراز (اف 35)، أمريكية الصنع، التي لا تمتلكها أي دولة في المنطقة.

قرار سياسي استراتيجي

وردا على سؤال إن كانت مقاتلات (اف 35) ستعوض الخلل في مقاتلات (اف 16) رد اللواء عريقات باستفسار: «وماذا إذا تمّ اسقاط هذه الطائرة أيضا؟ فلا تنسى أن منظومة الدفاع في سوريا ليست سورية فقط وإنما هي منظومة دفاع سورية - روسي- ايرانية».
وأضاف اللواء عريقات: «المسألة ليست فقط امتلاك الوسيلة وإنما امتلاك القرار: إن قرار إسقاط طائرة مقاتلة هو قرار غير عادي فهو سياسي استراتيجي على أعلى مستوى».
وفي هذا الصدد، كتب المحلل العسكري اليكس فيشمان يقول «إسقاط طائرة (اف 16) من قبل الصواريخ السورية المضادة للطائرات ذوب الإنجاز السياسي - الرادع الذي كان من المفترض أن تحققه إسرائيل أمام السوريين، وبشكل خاص أمام الإيرانيين».
وأضاف فيشمان: «بدلا من أن يُجبر مثل هذا الحدث ونطاقه، الإيرانيين على التفكير بمستقبلهم في المنطقة، فقد عزّز شعورهم بأنه يمكنهم تجاهل التهديدات الإسرائيلية وإدخال إسرائيل في مأزق».
وبدوره، كتب الجنرال احتياط عاموس يدلين، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) إنه يجب «إجراء تحقيق حول سقوط الطائرة.
وأضاف «إن سقوط الطائرة المتقدمة لا يغير التوازن الاستراتيجي، وفي كل معركة هناك عدم يقين ومفاجآت وأخطاء لها ثمن، ومع ذلك، من الضروري أن نفهم كيف تمّ إسقاط طائرة مع قدرات متقدمة بواسطة صاروخ من طراز قديم جدا».

ضربة للسيادة الجوية

بدوره، قال موقع Aviation Analysis Wing الأمريكي المتخصص في تحليل القوة العسكرية للطيران الحربي، إن هذه الواقعة تشكّل ضربةً قوية لسيادة إسرائيل الجوية في المنطقة.
وأضاف الموقع، «استهداف واحدة من أكثر الطائرات المقاتلة من الجيل الرابع تقدما، يمكن أن يؤثر تأثيراً خطيراً في قدرات إسرائيل الجوية الهجومية في حالة الحرب مع إيران».
وتابع «هذه المضادات الأرضية السورية رغم قدمها وتهالكها، فإنها تمكّنت من إسقاط طائرة مقاتلة من هذا النوع، الذي يعدّ من أشهر أنواع الطائرات الحربية في العالم».
وأظهرت تحقيقات سلاح الجو الإسرائيلي، أن طاقم الطائرة من طراز «F16» التي أصيبت بصواريخ أطلقتها قوات النظام السوري، لم يتمكن من تنفيذ «مناورة الهرب»، لذلك تمت إصابتها.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018