الدكتور فارس لونيس يقف عند إعادة بناء الدولة الليبية

المقوّمات موجودة... المطلوب إرادة سياسية بناءة

إيمان كافي

يعتقد الدكتور فارس لونيس، الأستاذ بجامعة حسيبة بن بوعلي بولاية الشلف، أنه بعد مرور أكثر من سبع سنوات على اندلاع الأزمة بليبيا وإجراء انتخابات لصياغة دستور جديد يحكم البلاد، لازالت ليبيا تمر بمرحلة انتقالية يصعب الخروج منها، في ظل غياب إرادة سياسية واجتماعية فعلية، خاصة مع انتشار السلاح بين أطياف المجتمع، وغياب مؤسسات فعلية لإدارة شؤون الدولة.

ومع ذلك، فإن كل هذه الظروف يمكن تجاوزها أمام وجود إرادة سياسية واجتماعية فعلية لإعادة بناء الدولة التي لها من المقومات ما يكفي لذلك، وهي في حاجة لتوافر أرضية من الثقافة السياسية والتنشئة الفعلية والإرادة السياسية البناءة للنهوض من جديد بالدولة الليبية التي تتخبط الآن في دائرة التفكك، بعد أن أصبحت قضية من يسيطر على مَن، وهذا ناتج عن قضية الصراع بين الحكومة الانتقالية الشرعية والحكومة المشكّلة جراء التعدّد الطائفي والمجتمعي في ليبيا.
يعتبر الدكتور لونيس أن أي محاولة لإعادة بناء دولة، بعد بروز العنف والنزاع، خاصة إذا كان النظام السياسي طرفا فيه، لابد أن يمر عبر مرحلة محاولة خلق الأرضية الصالحة من أجل إعادة الأمور إلى طبيعتها وهو الحال الذي تواجهه ليبيا.
ولتحقيق هذه الغاية، فإنها تحتاج إلى قانون خاص بالعدالة الانتقالية تتمّ صياغته بشكل واضح، وتصادق عليه السلطة التشريعية في البلاد.
ينصّ هكذا قانون على طرق التعامل مع الانتهاكات، ويوفر مبادئ توجيهية للحصول على تعويضات (مالية ورمزية)، ويقود إصلاحا مؤسسيا، على حدّ سواء، بالإضافة إلى أنّه يمنع تكرار حصول الانتهاكات، حيث يسمح القانون للبلاد، عن طريق توفير إطار تنظيمي لعملية العدالة الانتقالية في ليبيا، بالتقدّم من خلال خطوات العدالة الانتقالية الرئيسية الأربع: البحث عن الحقيقة، والتعويضات، والمساءلة، والإصلاح المؤسساتي، بالإضافة إلى وضع الأسس اللازمة لمصالحة أكثر شمولاً واستدامة.
التمثيلية والتشاركية في الحكم
وأشار المتحدث إلى أن الإعلان بوضوح أن أية دولة في مرحلة ما بعد الجماهيرية، ستقوم على مؤسسات حقيقية تؤدي مهامها على أكمل وجه، وأن تكون محكومة بسلطة القانون وأن تضمن بوضوح مبدأ التمثيل السياسي، ما يعني التعددية السياسية الحقيقية وهو ما عملت عليه في البدايات الأولى لتشكيل الحكومة الانتقالية أو ما يعرف بالمجلس الوطني الانتقالي الذي كان أبرز جماعة للمعارضة، واعتبر نفسه الممثل الوحيد لكل ليبيا بتاريخ 2 مارس 2011.
وتم اختيار أعضاء المجلس الذي كان مقره في الأصل في مدينة بنغازي، ليمثلوا الغالبية العظمى من المجالس المحلية في أنحاء ليبيا وعقد المجلس أول اجتماعاته بتاريخ 5 مارس 2011 وشكل خلال جلسة اللجنة التنفيذية التي تمثل حكومة ليبيا، ومجلساً عسكرياً يتكفل بمهمة تنسيق النشاطات العسكرية.
لكن هذا المجلس، بالرغم من أنه يمثل الغالبية العظمى من المجالس المحلية الليبية، إلا أنه يبقى غير ممثل لكافة الأطياف المجتمعية، وبالتالي فإنه من الضروري البحث في ضمان هذا المجلس لتأسيس حكومة تمثيلية لكافة الأطياف. وعليه، فالحكومة الليبية لابد أن تراعي ما لم يستطع كل من المؤتمر العام والحكومة الانتقالية تحقيقه على المستوى التمثيلي واللذين لقيا معارضة في الأوساط المجتمعية.
الموازنات الهوياتية
وأضاف الأستاذ فارس لونيس، أن الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس الوطني الانتقالي، في أوت 2011، جاء فيه بأن ليبيا دولة ديمقراطية وأن الشعب مصدر السلطة والإسلام دين الدولة والشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع. ومن المرجح أن تبقى هذه اللغة في الدستور الجديد، لكن الجماعات العلمانية والليبرالية ستكون حريصة على منع الإشارات إلى الإسلام من التوسع، إذ أن المجتمع المدني والفئات الاجتماعية الأخرى قلقة بشكل خاص، كما هو الحال في الدول العربية الأخرى التي تمر بمرحلة انتقالية، بشأن حقوق ومكانة المرأة وحرية المواطنين الليبراليين والعلمانيين في اختيار نمط حياتهم وهو لن يتأتى إلا من خلال إعطاء الكل، باختلاف هوياتهم وحقوقهم الخاصة، سواء اجتماعيا، سياسيا، ثقافيا وحتى اقتصاديا، بما يتناسب وهوياتهم الخاصة وفي إطار لا يخرج عن الهوية الوطنية الليبية.
المساعدة على الحل السلمي
المساعدات الواجب تواجدها في ليبيا، هي القائمة على الحلول السلمية مثل وساطة تقوم بها أطراف ثالثة موثوقة من قبل الجانبين، ربما مقترح مشترك من قبل الاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، المساهم في وقف إطلاق النار والذي سيكون وفق مرحلتين: أولاً، إعلان مشترك للهدنة بين النظام والمجلس الوطني الانتقالي المؤقت للموافقة على قضايا مثل موقع خطوط السلام، ونشر قوات حفظ السلام وإيصال المساعدات الإنسانية. ويقدر صندوق النقد الدولي أن دول ما يسمى بالربيع العربي، ستكون بحاجة إلى مساعدات مالية بقيمة 102 مليار دولار خلال السنوات الأربع المقبلة، لمواجهة التحديات في المدى القصير، بالإضافة إلى الضرورة الملحة لدعم ميزان المدفوعات والمالية العامة للاقتصاديات العربية المتأثرة بالاضطرابات. كما أشار صندوق النقد الدولي، إلى أن اقتصاديات المنطقة ستكون بحاجة إلى المرور بما يسمى «الانتقال الجذري» في نماذجها الاقتصادية، بهدف ضمان إيجاد حلول للتحديات الاقتصادية وهذا الانتقال الجذري لعملية البناء الاقتصادي، لابد أن ترعاه المؤسسات الدولية بنوع من الصرامة والإرادة الفعلية الواضحة.
من هنا، نؤكد على أن الرهان في إعادة بناء الدولة الليبية من جديد يرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة ليبيا في تحقيق النمو والتنمية الحقة بعيدا عن الريع النفطي. وعلى هذا، فإنه بإمكان ليبيا أن تأمل في عملية إعادة بناء الدولة من جديد، خاصة إذا تمكنت، مجتمعاً ودولةً، من الالتزام بقيم معينة من أجل هذا الهدف الأسمى، فلها من المقومات ما يمكنها أن تتطور إلى مصاف الدول الأخرى التي مرت بنفس التجارب، خاصة إذا ما استفادت من هذه الأمثلة.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018