منطقة الساحل إلى أين؟

هل فشل العمل العسكري ضد الإرهاب؟

جمال أوكيلي

عدم مشاركة الجزائر في الآلية العسكرية مجموعة الـ٥ بالساحل المشكّلة من التشاد، مالي، بوركينا فاسو، موريتانيا، النيجر، بإشراف فرنسي تمويلا وإمدادا لا يعني أبدا بأن هذا العمق الاستراتيجي لا يهمها أو خارج عن نطاقها، وإنما عقيدة الجيش الجزائري لا تسمح له بأن يكون طرفا في بؤر التوتر، أو مناطق النزاع في جهات أخرى استنادا إلى دستور البلاد.
هذه رؤية مدروسة بدقّة متناهية تترجم الحرص على الوفاء للالتزامات الثابتة في أدبيات السياسة الخارجية الرافضة لأي تدخل في شؤون الغير، وفي مقابل ذلك العمل على تعميق خيار حسن الجوار وإدراكا من الجزائر بأن العالم تغيّر منذ سقوط جدار برلين ليأخذ صفة الأحادية القطبية مما زاد حقا في أعمال العنف أدت إلى تمزّق دول بأكملها وظهور حركات مسلحة تدّعي معارضة الأنظمة القائمة خلّفت العديد من الضحايا نتيجة الصراعات الدموية للاستيلاء على السلطة والأمثلة لا تعد ولا تحصى في القارة الإفريقية أو في بقاع أخرى من المعمورة، مما استدعى من مجلس الأمن إرسال ما يسمي «بالقبعات الزرق» لفض الاشتباكات والحفاظ على حدّ أدنى من بوادر السلم في نقاط فاصلة بين الفريقين المعنيين.للأسف هذه الكتائب التابعة للأمم تعرّض أفرادها لهجومات مسلحة بمقرات إقامتهم وقتل ما قتل منهم بالرغم من المهام الانسانية المكلفين بها.. لم تنج من الاعتداءات والمضايقات والاستفزازات المتواصلة في المناطق السالفة الذكر. واضطرت العديد من الدول إلى سحب جنودها فورا من تلك المستنقعات تجنبا لمزيد من القتلى في صفوف عساكرها. هذا ما يتطابق مع النظرة الاستشرافية للجزائر. في عدم الوقوع في هذه المطبات انطلاقا من قناعة ثابتة قائمة على أن غياب العمل الوقائي،
والفعل الاستباقي تجاه الأزمات العنيفة يصعب الأمر على حلّها لاحقا كون الأوراق التي كانت في حوزة المهنيين لم تعد صالحة ليحل محلها واقع آخر وشروط تعجيزية، مما يطيل في عمر الصراع حتى وإن لم يكن هناك لا غالب ولا مغلوب.
وعليه، فإن منطقة الساحل تعدّ مجالا حيويا يصعب التحكّم فيه من الناحية الأمنية والعسكرية مهما كانت القوة المستعملة ٥٠٠٠ رجل أو أكثر لأن التجاذبات بخصوصه توّلدت عن تداعيات مسارات العراق، سوريا وليبيا هذا من جهة، وجهة ثانية تدفقات العمق الافريقي الممتدة إلى غاية نيجيريا «بوكو حرام» وما تولّد عن ذلك من تنظيمات مسلحة غير معروفة إستفادت من كل ذلك الكم الهائل من الأسلحة المهربة من ليبيا. وفي هذا الشأن حذّرت أوساط افريقية مطلعة من أن حوالي ٦٠٠٠ مسلح، بصدد العودة إلى القارة من ضمن ٠٠٠ ، ٣٠ رجل حاربوا في العراق، وسوريا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي. واستنادا إلى مصادر أخرى، فإن حوالي٥٦٠٠ مسلح عادوا إلى بلدانهم الأصلية.
وما يهمنا هنا، هو الرقم الأول الذي يعدّ بمثابة دقّ ناقوس الخطر، لماذا؟ لأنه لا يوجد مكان قابل أو قادر على استقبالهم أو الإقامة فيه سوى منطقة الساحل وهذه لعدة اعتبارات كوجود منافذ وممرات قريبة من ليبيا للدخول والخروج، خاصة ما تعلّق بالإمدادات الحربية.ومؤشرات هذا التعقيد الأمني والعسكري هو أن الجهات المتابعة لمجريات الأوضاع في الساحل اعتبرت العملية الأخيرة بغير المسبوقة ولم يقفوا عليها من قبل عندما اقتحم الإرهابيون المركز بسيارات حاملة للعلم المالي وبلباس شبيه للقوات الأممية، وهذا وحده كفيل بأن ينبه كل من هو في الميدان بأن المرحلة القادمة لن تكون سهلة ونعني أن المهام المخوّلة لمجموعة الساحل الموجودة في المنطقة يجب أن يعاد النظر فيها بمراعاة لكل التطورات والمستجدات الحالية، وهذا بالتوجّه مباشرة إلى محاربة هذا التمدّد الإرهابي في هذه البوابة الافريقية بتجاوز مرحلة تشكيل تلك القوة كمواصلة المطالب بالإعانات فقط في الوقت الذي يريد الارهاب الانفراد بالمبادرة في غياب الاستراتيجية واضحة منذ التأسيس.
بالإضافة إلى كل هذا، فإن إعادة صياغة مشروع آخر لمحاربة الارهاب في منطقة الساحل ضرورة ملحة لن تكون بالصيغة الحالية التي أبانت عن محدوديتها في التصدي للظاهرة، لأن قوات البلدان الـ٥ المعنية من حيث لا تشعر توجد في موقع الدفاع، مما سبّب لها كل تلك الخسائر في الأرواح، في حين يعمل الارهابيون على مباغتة هؤلاء وهم مراكزهم وحتى الآن لا يوجد أي تقييم يتعلّق بنجاعة هذا العمل للإقرار بمواصلته أو التوقف عنه وإحلال محله ترتيبات أخرى تمكّن من تحقيق نتائج مخالفة للراهنة، في الوقت الذي مازال الجميع يبحث عن المساعدات المالية من العالم، لكن النتائج المأمولة لم ترتق إلى المستوى المطلوب الكل تاه في هذه الرمال.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018