طباعة هذه الصفحة

تسليم هادئ للسلطة في كوبا

صانعو الثورة أمام «مقاومة» الإصلاحات

جمال أوكيلي

التسليم السلس والهادئ للسلطة في كوبا، إلى الرئيس الجديد ميغال دياز كانيل يترجم حقا حرص «الثوار» في هذا البلد البقاء أوفياء لقيم النضال ومبادئ التضحية التي أقرها رموز محاربة الإمبريالية والديكتاتورية في أمريكا اللاتينية أمثال شي غيفارا، فيدال كاسترو وكل رفقاء الدرب الذين أسقطوا باتيستا وأحبطوا المخططات الجهنمية للمخابرات المركزية الأمريكية التي كانت تلاحق هؤلاء القادة قصد تصفيتهم وإفشال عنفوان الثورة وهي في طريق تحقيق النصر الكاسح على فلول الإستعمار.
هذا الرصيد الراسخ في ذهنية صانعي الدولة الوطنية الكوبية، ما تزال المحرك باتجاه اتخاذ القرارات التي تمنع ضياع كل ما أنجز لصالح البلد، وتفادي إحداث أي هزة قد تؤدي إلى الخراب كما حدث لبعض البلدان عندما انهار جدار برلين.. وتفكك الاتحاد السوفياتي وغاب ما كان يسمى بالمعسكر الشرقي، تبعه إعادة صياغة العلاقات الدولية وفق الأحادية القطبية.
في خضم كل هذا.. صمدت كوبا في وجه كل تلك العواصف الهوجاء، واختارت لنفسها المسلك الذي تراه مناسبا، للتكيف مع التحولات الجذرية في العالم.. حتى لا تبقى عن معزل عما يجري هنا وهناك، ومثل هذه القرارات تتطلّب الكثير من الشجاعة، لم يتردد المسؤولون الكوبيون في اعتماد سياسة خطوة ـ خطوة.. وهذا ما تمّ من خلال فتح المبادرة الاقتصادية على الخواص، والاستفادة من الأنترنت، والسماح بالسفر إلى الخارج، وشراء وبيع السيارات وغيرها من الإجراءات المتخذة لإزالة الشكوك التي تساور البعض، في أن البلد مقبل على مرحلة من التغيرات الجذرية التي يأملها الكثير من المتتبعين سواء في البلدان المجاورة أو في أصقاع أخرى من العالم، اعتقادا منهم بأن كوبا تأخرت كثيرا في الإعلان عن إصلاحات في منظومتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية، في حين أن كل من كان يرفع لواء الإشتراكية والشرعية العلمية، وانتظار إقامة الدولة البروليتارية وفناء الرأسمالية.. تخلى عن هذه الأفكار المذهبية وفضل مسايرة الخيارات التي تنقذه من الإنسدادات الناجمة عن تعطل الآداء الاقتصادي الذي يفرز الحركية المالية والنقدية خاصة.
ويدرك جيّدا الرئيس الجديد هذه التحديات المطروحة بحكم اطلاعه الواسع على التأثيرات الخارجية، التي لا يمكن للاقتصاد الكوبي أن يعيش بعيدا عن تداعياتها.. وعليه الاندماج في هذه الدورة حتمية لا مفر منها.. لكن وفق مسلكية داخلية لا تخضع لإملاءات الخارج.
والانغلاق على الذات في تسيير الشأن الإقتصادي لا يفيد وهذه قناعة لا بديل عنها عند الكوبيين، في رؤية بلدهم تزداد تألقا.. كونها تحوز على كل العناصر التي تسمح لها بأن تكون في المقام المعوّل عليه في المواعيد القادمة، وبالتوازي مع ذلك، فإن جذوة الثورة المتوهجة لا تنطفئ.. لأنها تبقى المرجعية في رسم طريق السياسيين نحو ما تمّ إقراره من قبل مؤسسات البلاد.
وإلى غاية يومنا هذا، فإن الخطوط الكبرى للإصلاحات المرتقبة غير واضحة من باب أن ميغال دياز كانيل له خارطة طريق رسمها الحزب الشيوعي الكوبي الذي يقرّر خيارات البلد، داخليا وخارجيا دون التضحية بتاريخ كوبا النضالي.
والتشبيب هذا لا يعني أبدا التخلي عن إنجازات البلد، وإنما هو رسالة الاستمرارية في التغيير السلس والهادئ الذي يكون مبنيا على الضمانات الثابتة.
اليوم، كل العالم يتساءل عما حدث في كوبا من تغيير، لكن السمة البارزة في كل هذا هو التحفظ، عندما يتعلق الأمر بمسائل حسّاسة جدا وحتى شائكة.. خاصة التحوّل المراد بلوغه والكل يريد المزيد من المعلومات والمعطيات في هذا الإطار حتى تستطيع أن يعي ما يجري!؟. والعهدة الجديدة لكانيل، تتركه في رواق أحسن ومساحة أمل أفضل من أجل التعامل مع الواقع الكوبي الحالي بكل جدارة وشجاعة كذلك بناءً على تقييم دقيق وتشريح عميق لأحوال البلاد على ضوء المستجدات الخارجية، خاصة وأنه سير المقاطعة التي كان فيها مسؤولا عن الحزب الشيوعي الكوبي، وبديهيا أن لا تكون هناك إصلاحات إلا بموافقة الحزب خوفا على نظام الثورة.