البروفسور راقدي عبد الله لـ»الشعب»:

الجزائر قوة محورية في ضمان الإستقرار الإقليمي

لموشي حمزة

يؤكد الدكتور عبد الله راقدي، من جامعة باتنة، المهتم بالدراسات الجيواسترتجية وبقضايا الدولة والأمن، أن الأزمات التي تعيشها منطقة الساحل جنوب الصحراء وبعض دول شمال إفريقيا هي نتيجة لمسعى تكريس وترسيخ قيم ومسلمات قوى العولمة الليبرالية المنتصرة بعد نهاية الحرب الباردة.
كشف الباحث المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور راقدي عبد الله  في حديث لـ»الشعب»، أن اللبراليين عملوا على تسويق قيم حرية الأفراد، حقوق الإنسان والمواطنة العالمية، كقيم مخلصة وكفيلة بالوصول إلى بناء مجتمع عالمي يسوده الأمن والاستقرار والرخاء والرفاه، غير أن المفارقة - كما أضاف -  ارتبطت بسعي العولميبن «من العولمة» في نفس الوقت لإضعاف بل وتسفيه أي دور للدولة وتدمير بعض الدول كما حصل مع العراق، اليمن وسوريا وليبيا، وذلك لأن الدولة أضحت في نظرهم  تقف في وجه مسار الوصول إلى هدفهم النهائي أي  تأسيس الحكومة العالمية.
 ولقد اتضح بعد تجربة ربع قرن، أن لمشروع العولمة تداعيات وانعكاسات خطيرة ومدمرة، فلقد عاشت الكثير من المجتمعات حروبا ونزاعات مدمرة جراء بروز مطالب هوياتية، سياسية، لغوية، ثقافية مذهبية، دينية، حوّلت دولها إلى دول هشة ضعيفة عاجزة على غرار بعض دول منطقة الساحل جنوب الصحراء وشمال افريقيا.
ولإيجاد حلول لهذه الأزمات والحروب والمشاكل التي تضرب المنطقتين، أشار الدكتور راقدي إلى تنظيم ملتقى وطني نهاية الأسبوع الماضي حول «إدارة النزاعات في منطقتي الساحل جنوب الصحراء وشمال إفريقيا، احتضنته كلية الحقوق والعلوم السياسية بجامعة باتنة 01، حيث بحث ودرس واقترح عدة حلول لأزمات هذه المناطق كونها - كما يضيف- تشارك الجزائر حدودا طويلة، وهناك التداخل السكاني، والموارد الطبيعية المشتركة، وهي عوامل كفيلة بجعلها - بالنسبة للجزائر ـ مجالا حيويا وحضاريا. ما يجعلها معنية بما يحدث في هذه المناطق لأن لها رجع صدى في الجزائر.  
ويستدل الدكتور عبد الله راقدي لـ»الشعب» بخطورة وأهمية التأثير عبر الحدود بمعاناة قطاع الزراعة في الجزائر لعقود من آفة الجراد المدمر للمنتجات الزراعية، حيث سخّرت الجزائر أموالا طائلة، فضلا عن إطارات الفلاحة من تقنيين ومهندسين كانوا مجبرين على المكوث في أقصى الجنوب لعدة شهور وهذا لمراقبة تحرك آفة الجراد. غير أن المشكلة أن هذه الآفة تنطلق من مناطق الساحل جنوب الصحراء الأمر الذي صعب من مهمة محاربته أو إيقاف زحفه نحو الداخل الجزائري. ولقد ظلّت المخاطر قائمة إلى أن وضعت الحكومة الجزائرية سياسة جديدة أخذت في الاعتبار ضرورة تنسيق الجهود مع القطاع الزراعي لهذه الحكومات وهكذا نجحت في القضاء على هذه الآفة.   
كما أن المنطقة تعاني من فراغ جيوسياسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي فهي تعيش حالة استقطاب حاد بين فاعلين إستراتجيين عالميين هما الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الاتحادية والصين والاتحاد الأوروبي وفاعلين إقليمين كتركيا وإيران علاوة على دخول دول أخرى على الخط كقطر والإمارات، وهذا من أجل هندسة منظومة أمنية إقليمية تأخذ في الاعتبار مصالح هذه الدول.
ومن المخاطر المهددة، لأمن الجزائر جراء اللاستقرار في هذه المناطق حسب الدكتور راقدي، بروز الإرهاب والجريمة المنظمة والجماعات المطالبة بإعادة الاعتبار للقضايا الهوياتية السياسية، ولأن الجماعات الإرهابية وجماعات الجريمة المنظمة لا دين لها إلا القتل والسلب والنهب وهي ممولة ومأطرة من قبل دول ومؤسسات عملاقة، فهي في النهاية متقاطعة ومتفاعلة ومتحالفة ومتعاونة، ولاشك أنها تخلق أوضاعا صعبة للحكومة الجزائرية ما يستدعي ايلاءها المزيد من الاهتمام من خلال المتابعة والدراسة والبحث من اجل القضاء على ظروف وأسباب وجود وانتشار هذه الآفات.
ويضيف الخبير راقدي، أن بروز مخاطر ذات الصلة بالمطالب الهوياتية الإثنية القبلية المذهبية قد تؤدي إلى تقسيم بعض الدول، وهوأمر يجب أن تلتفت إليه الجزائر جيدا على اعتبار التداخل السكاني.
كما مكّنت الأوضاع الهشّة في هذه المناطق الدخول إلى احتدام التنافس والصراع الجيوستراتجي بين أكثر من قوة عالمية وإقليمية، وأن أي غياب للجزائر عن الترتيبات التي يجري التحضير لها سيؤدي إلى خلق متاعب جيوستراتجية مستقبلية.
فمن الضروري والواجب على الأكاديميين حسب راقدي، العمل على رصد وفهم ما يجري في هذه المناطق من أحداث فهما جيدا ليتنسى لهم اقتراح حلول جيدة ومفيدة وعملية، وهو الهدف من الملتقى الوطني الذي أشرف عليه الباحث راقدي عبد الله، الذي كشف عن أهم التوصيات التي خرج بها الملتقى، والمتمثلة في بلورة مقاربة أكثر شمولية من خلال الدبلوماسية الاقتصادية، الثقافية الدينية ودبلوماسية الدرب الأول والثاني، إضافة إلى تعزيز الجبهة الداخلية بما يساهم في خلق توافق بل إجماع حول مسألة إيلاء الجزائر دور يليق ويتلاءم مع تاريخها النضالي التحرري وإمكانياتها ومواردها المتنوعة.
وأخيرا إنشاء أكثر من مركز بحث يدرس يتابع يحلل ويقدم الوصفات الجدية التي تساهم ليس فقط في درء المخاطر المحدقة بالجزائر بل وبتكريس موقع لها كقوة لا يمكن أن يتم تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018