طباعة هذه الصفحة

منحت ما لا تملك لمن لا يملك

المسؤولية الإسبانية فيما يعانيه الصّحراويون

فضيلة دفوس

احتلّت إسبانيا الصّحراء الغربية سنة ١٨٨٤، ولم تخرج منها إلاّ بعد هيمنة استمرّت ٩١ عاما، لكن هذا الخروج كان للأسف الشديد بداية لاحتلال جديد فرضه المغرب الذي لا يزال إلى الآن يدوس على قرارات الأمم المتحدة التي أوصت قبل نحو ستة عقود بأن الصّحراء الغربية إقليم ينطبق عليه حقّ تقرير المصير والاستقلال.
وإذا كنّا ندرك حجم الخطيئة التي يرتكبها الإحتلال المغربي في الإقليم الصّحراوي، فمن واجبنا الوقوف عند التواطؤ الإسباني وحجم المؤامرة التي حاكت خيوطها مدريد لتمنح مالا تملك لمن لا يملك، متسائلين اليوم عن السّبب الذي يجعل إسبانيا تحجم عن التّكفير عن ذنبها، وتواصل سياسية النّعامة التي قبضت مقابلها ثمنا باهظا من خيرات أراضي ومياه الصّحراء الغربية.
في ١٩٦١، أعلنت الصّحراء الغربية محافظة إسبانية من قبل مدريد، وردّا على هذا القرار، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة اللائحة رقم ٢٠٧٢ التي تطلب إسبانيا بإنهاء استعمارها للإقليم، وهنا بدأ المغرب وموريتانيا يدّعيان أحقيتهما على الأراضي الصّحراوية ومرّة أخرى قضت الجمعية الأممية بوجوب تنظيم استفتاء تقرير المصير في هذا الإقليم الذي يريد الجميع الاستيلاء عليه بغير وجه حقّ.
وفي ١٩٧٤ أجرت إدارة الاحتلال الإسباني إحصاءً سكانيا للصحراويين يهدف إلى تنظيم الاستفتاء وحدّدت تاريخه خلال الأشهر الستّة الأولى من عام ١٩٧٥، وهنا تدخّل المغرب وموريتانيا لرفض الاستفتاء ودفعا بالقضية إلى محكمة العدل الدولية، وفي اليوم الذي صدر حكم المحكمة جرّ المغرب مواطنيه لاحتلال الإقليم، وفي هذه اللّحظة التّاريخية بدأت المؤامرة الإسبانية تنسج خيوطها، وبدلا من أن تقف مدريد ضدّ الزّحف المغربي، وتتمسّك بتنظيم استفتاء تقرير المصير في الإقليم الذي كانت تحتلّه وتديره، عادت لتأخد موقفا مغايرا تماما، وهو الموقف الذي يدفع ثمنه الصّحراويون اليوم.
في الواقع لمّا زحف المغرب بمواطنيه جنوبا فيما يسمى «مسيرة العار»، عارضت إسبانيا هذه الخطوة الاحتلالية وطالبت مجلس الأمن بالانعقاد، وشكّكت في سلمية المسيرة واعتبرتها زحفا عسكريا مسلّحا، لكن بعد أن توغّلت الحشود المغربية لمسافة ١٥ كلم في عمق الصّحراء، تغيّر موقف مدريد جذريا.
وحسب المراقبين، فإن الأسباب التي وقفت وراء هذا التغيّر، يعود إلى المخاوف التي تملّكت إسبانيا من أن يؤدّي صراعها مع المغرب، إلى نشوب حرب بينهما، لا سيما وأنّ حكومة مدريد كانت تعيش آنذاك حالة من الفوضى، حيث كان الحاكم فرانكو يحتضر، ولم يكن ذلك الوضع يسمح لها بإثارة أيّة مشكلات داخل مستعمراتها، كما خشي من أن يحصل لها ما حصل للبرتغال، فقبل عام واحد، تمّت الإطاحة بالحكومة في برشلونة بعد تورّطها في حروب استعمارية في كل من أنغولا وموزمبيق.
المغرب، استغلّ الظرف الإسباني الحساس، وإسبانيا التي كانت تنوي أصلا الخروج من الإقليم وإبقائه لأهلية، خلصت إلى أنها يحب أن تستغلّ الوضع لصالحها، وتتخلّص من هذا العبء وتقبض الثمن.
فدخلت في مفاوضات مباشرة مع الرباط ونواقشوط اللّتان كانت لهما مطالب احتلالية في الإقليم، وأسفرت المفاوضات عن توقيع إتفاقية مدريد في ١٤ نوفمبر أي بعد أسبوع من «المسيرة الاحتلالية» التي قضت بتنازل اسبانيا عن الصّحراء الغربية للمغرب وموريتانيا مقابل استفادتها من ٣٥ ٪ من مناجم الفوسفات في منطقة بوكراع، واحتكار أسطول صيدها البحري للمياه الإقليمية الصحراوية وضمان قاعدتين عسكريتين قبالة جزر الكناري.
هذا، كلام التاريخ وبين سطوره تقرأ الذّنب الإسباني الكبير ومسؤوليتها فيما يتجرّعه الصّحراويون من ظلم وتعسّف، فلمذا لا تكفّر اليوم مدريد عن هذا الذّنب؟