مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية د.مصطفى صايج لـ«الشعب»:

القوى الكبرى تستخدم وسائل جديدة للسيطرة على العالم

أجرى الحوار: حمزة محصول

عرفت العلاقات الدولية، منذ مطلع العام الجاري، عدة مستجدات زعزعت التحالفات الدولية التقليدية، وكانت أغلب القرارات الجريئة مصدرها الإدارة الامريكية الجديدة بقيادة الرئيس دونالد ترامب، الذي يمضي قدما في تنفيذ وعوده الانتخابية وشعار حملته «أمريكا أولا».
يقدم د.مصطفى صايج، مدير المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، في هذا الحوار مع «الشعب»، شرحا معمقا لواقع العلاقات الدولية في الوقت الراهن، ويفصل في المنافع والمصالح التي تتحرك بموجبها واشنطن، ومدى قدرة القوى الكبرى على إدارة النزاعات الاقليمية.
«الشعب»: حمل النصف الأول من 2018، جملة من الأحداث الجريئة، منها ما صبّ الزيت على النار بشكل غير مسبوق في الشرق الأوسط، ومنها ما خلق تصدعا بين أمريكا وحلفائها التقليديين ومنها ما اعطى اشارات أمل عن انهاء الأزمة في شبه الجزيرة الكورية، هل هي إرهاصات نظام جديد للعلاقات الدولية؟ أم مجرد تصادمات فرضتها الأنانية على حساب العمل الدولي المشترك؟
 د.مصطفى صايج: في البداية، يجب أن نحدّد مجموعة من المتغيرات التي تحكم طبيعة التفاعلات الدولية التي تؤثر على بنية النظام الدولي في أبعاده المختلفة، سياسيا وأمنيا اقتصاديا وماليا، أول هذه المتغيرات أن التأثيرات الثقيلة والكبرى في مسار العلاقات الدولية تصنعها القوى الكبرى ذات القوة والقدرة على التأثير في سلوك القوى المنافسة، وهو حال التنافس الأمريكي، الصيني، الروسي والأوروبي.
أما المتغير الثاني، فإنه غالبا ما يكون لصانع القرار الأمريكي والدوائر المغلقة مثل اللوبي الصهيوني، المركب الصناعي العسكري واللوبي النفطي ذات التأثير الكبير على رسم السياسة الخارجية الأمريكية، ونزعم هنا أن إدارة ترامب هي رهينة اللوبي الصهيوني بشقيه اليهودي والمسيحي فيما يتعلّق بقرار نقل السفارة الأمريكية للقدس، ومحاولة فرض اتفاقية سلام مع الفلسطينيين بما يعرف بصفقة القرن، وهو الزلزال القوي الذي يضرب المنطقة في الآونة الأخيرة، إحدى مؤشرات ارتداداتها مسيرات العودة الرافضة للسياسة التوسعية الاستيطانية الصهيونية ومحاولة فرض الأمر الواقع من خلال ما تسميه الدولة اليهودية الخالصة.
اما فيما يخص إعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني فإن تصور دونالد ترامب يحكمه الرؤية المصلحية، من حيث مكاسب ايران وخسائر واشنطن، حيث يقيمه من خلال رفع التجميد عن الأصول الإيرانية التي تذهب الخزينة الإيرانية بملايير الدولارات في الوقت الذي لا تجني الخزينة الأمريكية أية أرباح مقارنة بمستقبل الاستثمارات الأوربية، لاسيما الألمانية والفرنسية وحتى الروسية، في مختلف المجالات من صناعة السيارات، الطائرات،  البنية التحتية والتكنولوجيا المختلفة.
 وإلى جانب عامل المصلحة، فإن التوافق الأمريكي الإسرائيلي هو دافع مهم في إعادة النظر في الاتفاق النووي الإيراني، مع ضرورة الإبقاء على إيران كعدو دائم  بالنسبة لدول المنطقة التي تبقى في انفاق عسكري متصاعد بما يخدم خزينة المركب الصناعي العسكري، وهي الفلسفة التي يتبناها دونالد ترامب «على الحلفاء دفع تكاليف أمنهم، وأن عصر الحماية الأمريكية بتكاليف أمريكية قد ولى عهده».
اما فيما يتعلق بالأزمة النووية الكورية، فإن الرئيس دونالد ترامب يريد كسب نقاط إيجابية لصالحه، ففي الوقت الذي يواجه المجتمع الدولي في القضية الفلسطينية والمسألة النووية الإيرانية، يريد أن ينفرد بتسوية سلمية لملف شبه الجزيرة الكورية الذي بقي حبيس صراعات الحرب الباردة لما بعد الحرب العالمية الثانية، فهو يريد أن يسوق صورة رجل السلام وفي نفسيته عقدة باراك أوباما الذي تحصل على جائزة نوبل للسلام، فكل خطاباته هي انتقاد لسلوك أوباما خصوصا في المسائل المالية من خلال الاتفاقيات التجارية، العابرة للأطلسي أو النافتا مع كندا والمكسيك، وانتقاد للتسوية النووية الإيرانية التي أعتبرها أسوأ اتفاقية في التاريخ  الدبلوماسي الأمريكي.
إجمالا إدارة دونالد ترامب تتفاعل مع وحدات النظام الدولي في الاتجاه الذي يكبح التغييرات السريعة التي تعطي نقاطا لمنافسيه الصينيين، الروس الأوروبيين وتفقد الولايات المتحدة عناصر قوتها كإمبراطورية أحادية.
 تقلص بشكل محلوظ حجم الدعاية الدولية المحذرة من خطر الإرهاب وحلت محلها مخاوف من حروب إقليمية قد تتطوّر إلى ما هو أخطر، هل يفسر ذلك بنهاية صلاحية الإرهاب في معادلة العلاقات الدولية؟ أم أن العالم بلغ حتمية المواجهة بين مختلف القوى؟
 شكل التهديد الإرهابي منذ 11 سبتمبر 2001 نقلة نوعية في إدارة الصراعات على المستوى الدولي، فانتهاء الحرب الباردة وتجريد واشنطن من العدو الشيوعي كما قال غورباتشوف أوجد فراغا أمنيا واستراتيجيا للوظيفة الأمنية الأطلسية، وشكلت الظاهرة الإرهابية العابرة للحدود وظيفة ملأ الفراغ الأمني، حيث كوّنت نواته الأولى محترفو القتال في أفغانستان، فبعد الانتهاء من وظيفة قتال الالحاد الشيوعي تحول مقاتلو الحرية كما كان يسميهم الغرب إلى قتال الصليبين واليهود وهي الأدبيات التي تبناها تنظيم القاعدة الإرهابي.
 وبعد الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان بعد أحداث سبتمبر 2001، تصاعدت تنظيمات الارهاب الإقليمية، في بلاد الرافدين، شبه الجزيرة العربية، المغرب العربي، بوظيفة تدمير الدولة الوطنية، وتطورت التنظيمات الإرهابية في فترة ما أطلق عليه الربيع العربى بجيل جديد، لكن بخلفية مقاتلو الحرية في افغانستان في الدواعش ومشتقاتها، حيث لم يحدّد الجهة الإقليمية والدولية التي تقف خلفها، وكما يقال هي «ابنة الألف أب وأب»،  وأخطر ما في هذا الجيل من الارهاب توظيف الورقة المذهبية والطائفية، فبعد تفكيك الدولة بالقاعدة يتم تفكيك وحدة المجتمع والأمة بالدواعش الإرهابيين.
اما جيوسياسيا، فليس من الصدفة أن تنتشر الدواعش في المناطق الحيوية، حيث النفط، والغاز والآثار الإنسانية الثمينة من الموصل إلى الرقة إلى الهلال النفطي في خليج سرت الليبي.

الصراعات الإقليمية في الواجهة
أما الصراعات الإقليمية من حيث كونها بديلة للتهديد الإرهابي، فأعتقد أن الغرب يحسن إدارة النزاعات، تجربة الحرب العراقية الإيرانية نموذجا يبقى ماثلا أمامنا، كما قال كيسنجر «لأول مرة في التاريخ لا نريد لا منتصر ولا منهزم»، ونفس السيناريو قد يتحقّق من جديد في إدارة النزاع الإيراني الخليجي، لأن في النهاية مكاسب واشنطن كانت قائمة في إيران بصيغ أخرى وهي أن ندفع بإيران وخصومها للإنفاق العسكري وإعادة رسكلة عائدات النفط في الاقتصاد الأمريكي.
 في آخر تصريح تلفزيوني له، كشف ترامب أن قصف أمريكا لمطار الشعيرات بسوريا كان رسالة موجهة للصين وما يمكن أن تفعله بلاده ضد استخدام الأسلحة المحظورة، ألا يعزّز هذا الكلام الطرح القائل بأن الأزمة السورية   صراع إقليمي وليس مجرد نزاع داخلي؟
  الصراع في سوريا هو صراع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والسيطرة، في البداية كان الحلم العثمانية الجديدة بإيجاد قوى تؤمن بالمركزية التركية، تمتد من القاهرة إلى دمشق وإلى غاية شمال إفريقيا، وقد أوهم الغرب أردوغان بأنه السلطان العثماني الجديد، لكن بعباءة الحلف الأطلسي، وكان هذا الإغراء وراء الدعم العسكري والسياسي الجماعات المسلحة والمنشقة عن سوريا، وإن كان هذا الدور صاحبه دور إعلامي عربي.
 وفي المقابل، وجد النظام السوري في حليفه التقليدي الايراني السند الأمني والعسكري بأوراق إقليمية انخرطت في اللعبة وأخذت معها البعد المذهبي صراع سني - شيعي.
تطور الصراع إلى البعد الدولي مع التدخل العسكري الروسي، لمواجهة الحلف الذي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، بغطاء محاربة  تنظيم داعش الإرهابي، وفي النهاية، فإن روسيا بعد تجربة التمدّد في المياه في شبه جزيرة القرم تصاعدت شهيتها في شرق المتوسط لبناء الحلم الأوراسي ومواجهة التمدّد الأطلسي الذي يريد أن يخنقها في اليابسة، أما واشنطن مع إدارة ترامب توظف هذه التهديدات بدفع حلفائها لدفع الفواتير المتأخرة والمتقدمة لحمايتهم من ايران، روسيا وداعش الإرهابي.

أوروبا في الصراع الدولي
كيف تقرأ وضع الاتحاد الأوروبي، بعد الخيبات التي تلقاها من واشنطن، انسحاب احادي من اتفاق ايران النووي، فرض لرسوم جمركية، مطالبة بدفع اموال الحماية لحلف الناتو، بينما لم يظهر أي رد فعل عملي يحفظ ماء وجهه؟
 إن الاتحاد الأوربي بعد البريكسيت وانسحاب بريطانيا من القوة السياسية والاقتصادية الأوربية ترك آثارا نفسية ومالية قد تنعكس على مسار التكامل الأوروبي بتصاعد الانشقاقات التي تحمل مشاريعها القوى اليمينية الوطنية المعادية للأوربية.
 ولا يزال يشكل التحدي الأمني الأوروبي من خلال التبعية المطلقة للمظلة الأمنية الأطلسية عقدة الاستقلالية الأوروبية في اتخاذ القرارات بعيدة عن واشنطن.
وقد اتضح الارتباك الأوروبي في إدارة الملف النووي الإيراني بعد انسحاب إدارة ترامب منه، ورد الفعل الذي لا يزال بعيدا عن التأثيرات القوية على السياسة الأمريكية، كما أن التهديد الأمريكي بفرض العقوبات الاقتصادية والمالية على الشركات الأوروبية التي تستثمر في ايران قد قوض كل الخيارات رغم محاولة الطمأنة باللجوء للحماية القانونية الأوربية لتلك الشركات، لأن المصالح الأوروبية اوسع مع واشنطن مقارنة بإيران، وهو ما لجأ إليه ترامب في فرض الضرائب على الصلب والألمنيوم ليضرب بعمق الصناعات الأوربية.
إن إدارة الرئيس الأمريكي في سياستها تجاه الاتحاد الأوروبي لم تكن مفاجئة عما كان يردده من خطابات في حملته الانتخابية، فهو أكثر وضوحا مع حلفاءه، لقد حان الوقت لوقف العجز التجاري بين واشنطن وشركاه الاستراتيجيين، وقال «لن نبقى نلعب دور الدركي الدولي بدون ضرائب من حلفاءنا، وهو ما دفع دول أوروبا أن تبحث عن تحالفات مستقبلية كما تقوم به ألمانيا مع الصين التي تريد أن تبعث شراكة للتقليل من الخسائر التي تفرضها عليها واشنطن، لكن الأمر لا يبدو بتلك السهولة لترابط الاقتصاديات العالمية بين بكين وواشنطن وأوروبا، فأضحى الاقتصاد العالمي كالجسد الواحد إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018
العدد 17792

العدد 17792

السبت 10 نوفمبر 2018
العدد 17791

العدد 17791

الجمعة 09 نوفمبر 2018