الخبير عمار فوفو لـ «الشعب»:

أمطار مارس مفتاح آمان للمزارعين

السّياسة الفلاحية تتطلّب نظرة استشرافية

استبشر الفلاحون بسكيكدة خاصة بعد تساقط الامطار الأخيرة التي تهاطلت بغزارة على المناطق الشرقية وخاصة على ولاية سكيكدة، وأكّد الدكتور عمار فوفو من جامعة سكيكدة لـ «الشعب»، أنّ المؤشّرات المناخية جد ملائمة هذه السنة كل المحاصيل الزراعية عبر مختلف المناطق الزراعية بالولاية، بالمقارنة مع السنة الماضية التي شهدت جفافا نادرا على مستوى تراب الولاية، ممّا أثّر على المردود العام لجل المحاصيل الزراعية وخاصة الحبوب والاعلاف والخضروات الموسمية.
وأوضح فوفو عمار رئيس فريق بحث حول تهيئة الاقليم وتسيير المياه بمخبر العلوم الفلاحية بجامعة سكيكدة «أنّ الأمطار الربيعية وخاصة المتساقطة بشهر مارس تعتبر بمثابة مفتاح الأمان للمزارعين ومؤشر إيجابي لموسم فلاحي منتظر ان يكون إيجابيا»، مضيفا أنّ «المؤشرات الايجابية لتساقطات الربيعية، وخاصة لشهر مارس فيما يتعلق بمحاصيل الحبوب والاعلاف، حيث أن محصول الحبوب يصل في فصل الربيع الى مرحلة التسبيل (أو تكوين السنبلة) التي ستحدد نوعية المحصول لاحقا عند حملة الحصاد والدرس، فخلال مرحلة تكوين السنابل، تزداد احتياجات محصول الحبوب من الماء وبعض العناصر المعدنية الخاصة بالنمو كالأزوت مما يجعل في حالة الجفاف الرجوع إلى السقي التكميلي لتعويض النقص في كمية الماء»، وأضاف: «لكن التساقط الذي تزامن مع شهري مارس وافريل يعتبر في محله وجد مناسب لتلبية احتياجات محاصيل الحبوب التي تكون احتياجاتها من الماء والعناصر المعدنية جد مرتفعة، وتكوين السنابل في مرحلة فيزيولوجية جد مفصلية في حياة محاصيل الحبوب والأعلاف، لأنها تحدد نوعية المحصول وكميته في نهاية الموسم الفلاحي».
كما أنّ تساقط كميات هامة من الامطار خلال فترة تكوين السنابل تتناسب وتزويد المحصول بالعناصر الازوتية الضرورية، يكون وسطا ملائما لتحليل هذه العناصر المعدنية الحيوية وتسهيل امتصاصها بسرعة من طرف النبات مما ينعكس ايجابيا على النمو الخضري وتكوين السنبلة ذات نوعية جيدة، وكمية هامة من الحبوب، وكان الموسم الزراعي قبل سنة يسير على وقع نقص كبير في المياه، الأمر الذي شكل تهديدا حقيقيا لمحاصيل الحبوب تغذية المواشي فضلا على الانعكاسات المحتملة للجفاف على أسعار المواد الاستهلاكية والاقتصاد عموما الذي تمثل الزراعة احدى أعمدته وأسسه»، مشيرا في ذات السياق إلى «أن هذه الامطار الاخيرة سيتبعها طبيعيا ارتفاع محسوس في درجة الحرارة وزيادة في كمية الضوء المتناسب مع طول النهار مما يدخل محاصيل الحبوب في أوج نشاطاتها الفيزيولوجية والبيولوجية مما يعجل ويساعد في نموه وتكوينه الخضري».
والمؤشرات الايجابية لتساقط الامطار الربيعية على محاصيل الخضروات، أوضح الدكتور بخصوصها، «أنّ تأثيرها خصوصا محاصيل الخضروات الحقلية يكون ايجابيا ، بالخصوص على المساحات غير المسقية مثل البطاطا والقرعيات والبصل من جهة وكذلك محاصيل البقوليات كالحمص واللوبياء التي تعتمد في نموها على مياه الامطار، وهي الان في بداية الدورة البيولوجية، أما محاصيل البقوليات مثل الفول والجلبانة فأثر الأمطار الاخيرة سيكون إيجابيا، كون هذه المحاصيل في منتصف الدورة البيولوجية والفيزيولوجية مما يجعل وفرة المنتوج في الأسواق كبير، وقد يكون له أثر كبير على أسعار السوق، وحتما المستهلك هو المستفيد الاول في ظل غياب وحدات التحويل وتثمين المنتجات الفائضة كما».

 انتعاش المساحات المروية

وفي سؤال عن أثر الأمطار على المحاصيل الصيفية، فيقول الدكتور «أن تشبع التربة بمياه الامطار وملء المسطحات المائية الجوفية يجعل من التربة تحتفظ بكميات هائلة من المياه مما يساعد على زراعة بعض المحاصيل الصيفية كالطماطم و بعض الخضروات، ويكون درجة استهلاكها لمياه الري أقل بكثير من موسم الجفاف، كما أن الامطار الهائلة المتساقطة  خلال هذه الفترة الربيعية تساهم مساهمة فعالة في السدود و الحواجز المائية من أجل تخزينها واستعمالها في وقت الحاجة خلال مراحل شح المياه وخاصة في فصل الصيف، وكذلك الشأن بالنسبة للحواجز المائية و السدود الصغيرة الموجهة خصوصا للفلاحة الاسرية في المناطق الريفية، فعند ارتفاع منسوب السدود الذي انخفض بنسب كثيرة هذا العام بسبب شح الأمطار العام الماضي، يجعل المساحات المروية تنتعش نتيجة لتزويدها بمياه الري حسب الاحتياجات الخاصة بكل محصول مما يؤثر إيجابا على الانتاج المردود، وبالتالي وفرة كبيرة بالأسواق المحلية والجهوية».
كما يكون تأثير الامطار الاخيرة على الفضاء الغابي تأثير ايجابي ونافع جدا، كون تراب الولاية كان مسرحا لعدة حرائق خلال الصائفة الماضية مما جعل بعض المناطق مهددة بعوامل التعرية والانجراف واتلاف غطاء غابي ونباتي كبير مما جعل بعض المرتفعات جرداء، لكن الامطار المتساقطة مؤخرا كانت بادرة خير من أجل إعادة بعث الغطاء الغابي وخاصة بعض الاشجار الغابية كالبلوط والزان،
وبعض الاحراش مما سيساهم في أعادة بناء الغطاء النباتي من جديد»، وأضاف «الشيء الملاحظ أن الامطار كانت وفيرة لكنها بطيئة مما يساهم في درجة تشبع التربة والمناطق الغابية دون حدوث انجرافات وزحف للأتربة نتيجة السيول الجارفة. أما بالنسبة للأنشطة البيولوجية للتربة التي أتلفت بسبب الحرائق فإن مياه الامطار ستساعد في إعادة بعث حياة العضيات المجهرية التي تصعد من أعماق التربة لتخصيبها وتستقر في السطح لمدة وتتكاثر بسبب العوامل الطبيعية والمناخية الملائمة والمرتبطة اساسا بالرطوبة والحرارة المعتدلة، علما أن هذه العضيات المجهرية اساسية وضرورية لحياة كل نبات في الانظمة البيئية الغابية. وفي مقام آخر تساهم التساقطات الكبيرة في زيادة الكتلة الخضرية للنباتات الغابية ممّا سيصعب في احتراقها في فصل الصيف نتيجة تشبعها بالماء مما سيقلل من خطر الحرائق في الصيف القادم، لأن جفاف السنة الماضية كان من بين العوامل التي ساعدت في سهولة احتراق الغطاء الغابي خلال الصائفة الماضية».
من جهة أخرى يقول الدكتور عمار فوفو «أن الامطار الأخيرة تتميز عن الامطار الطوفانة بأنها بطيئة ممّا يسمح بنفاذية كبيرة في التربة، ويسمح بتزويد المسطحات المائية الجوفية وزيادة منسوب المياه الباطنية مما يسمح بضهور الينابيع والتي لها علاقة وطيدة بدرجة التشبع للتربة، وظهور الينابيع يدل على ان السنة الفلاحية ستكون منتعشة من حيث الانتاج الفلاحي والرعوي»، مؤكدا على «أن ظهور الينابيع التي جفت حلال السنوات الاخيرة يصاحبه ظهور مياه بعض الابار التي جفت، وأصبحت مهجورة وغير مستغلة مما يعطي دلالة قوية لتشبع باطن الارض بالمياه الجوفية التي يستغرق مرورها فوق الصخور والتربة وقتا طويلا مما يسمح لها باكتساب المعادن خلال مسيرة نفاذيتها وتصبح صالحة للسقي أو للشرب احيانا حسب وضعية ومكان كل نقطة ماء».

حذار من الرّطوبة العالية

ورغم الفوئاد الكبيرة للأمطار الربيعية على انتاج الزراعي والغطاء النباتي، إلا أن ذلك يصاحبه بعض الاضرار يؤكدها الدكتور، «من بين الاضرار ندكر على سبيل المثال، ظهور بعض الامراض الفطرية على محاصيل الخضروات والحبوب بسبب الرطوبة العالية، و تليها مباشرة ارتفاع درجة الحرارة»، و لهذا وجّه الخبير الفلاحي لجميع المزارعين الحيطة والحذر ومتابعة الحالة الصحية لمحاصيلهم باستمرار، ومن بين هذه الاضرار «إتلاف بعض أزهار الأشجار المثمرة التي بلغت مرحلة الازهار، وخاصة لما تكون الأمطار مصحوبة برياح هوجاء وهذه خاصية شهر مارس، مما يسبب اتلاف الازهار، وبالتالي التأثير سلبيا على مستوى انتاج الثمار، والمردود بصفة عامة، كالأشجار المثمرة على غرار أشجار اللوز والمشمش والخوخ وبعض الحمضيات»، وأضاف «أن هذه الامطار تأخّر زراعة بعض المحاصيل بسبب صعوبة دخول الآلات، والعمل في الحقول المشبعة بالماء وهذا ما يسبب تأخير زرع بعض البقوليات و خاصة اللوبياء والحمص، وهذين المحصولين ان ادركتهما الأمطار قبل الانتاش سيتعفن تحت الارض ممّا يستدعي اعادة العملية الزراعية من جديد، وصعوبة ولوج الحقول خلال المدة المصاحبة للمطر لمعالجة بعض الامراض التي تصيب الخضروات ومحاصيل الحبوب».
وفي نفس السياق، يوضح عمار فوفو «أن السياسة الفلاحية الحالية المتبعة منقوصة من نظرة استشرافية لزيادة المساحة المسقية من مليونين هكتار الى ثلاثة ملايين، وهذا لا يتم الا بزيادة مخزون المياه وببناء حواجز مليئة جديدة وسدود صغيرة لتخزين مياه الامطار واستعمالها في الري الزراعي وقت الحاجة، لأن كميات التساقط تبقى متذبذبة من منطقة الى اخرى حسب التضاريس والموقع الجغرافي، حيث أن المناطق الأكثر تساقطا هي المناطق الاقل ممارسة للفلاحة، لهذا استغلال مياه الامطار وتخزينها يبقى تحدّ كبير يجب الوصول إليه لن معركة التنمية الفلاحية في الجزائر ستكون حتما متوقفة على مدى التحكم في الموارد المائية».
سكيكدة: خالد العيفة

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17753

العدد 17753

الإثنين 24 سبتمبر 2018
العدد 17752

العدد 17752

الأحد 23 سبتمبر 2018
العدد 17751

العدد 17751

السبت 22 سبتمبر 2018
العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018