الدكتورة سعاد قصعة رئيسة قسم الشّريعة والقانون بجامعة قسنطينة:

الطّبيب ملزم ببذل عناية تتّفق مع الضّمير الإنساني

قسنطينة: حاورها: أحمد دبيلي

أضحت ظاهرة الأخطاء الطبية المتكررة، استغلال معدات المستشفيات العامة لإغراض شخصية وتحويل مرضى هذه المستشفيات الى عيادات خاصة نظير مقابل، من الظواهر الدخيلة على مجتمعنا بسبب غياب الضمير المهني والوازع الديني وخرقا للقوانين والأنظمة المؤطرة لمهنة الطب التي تعد من أنبل المهن الإنسانية على الإطلاق، طالما تعلق الأمر بحق الإنسان في الحياة والسلامة الجسدية، كما شرعه الدين والقانون والمواثيق الدولية؟ ولا شك أن علاج هذه الظاهرة السلبية لا ينظر اليها من جانب واحد فقط بل من وجوه متعددة يفصل فيها أهل الاختصاص من أطباء، قانونيين وفقهاء وعلماء اجتماع.

في الشق الفقهي والديني لهذا الملف، حملنا ثلاثة أسئلة الى الدكتورة  سعاد قصعة، رئيسة قسم الشريعة والقانون بكلية الشريعة والاقتصاد، بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، فكانت الإجابة.
❊ الشعب: ما هو موقف الدين والشرع من الأخطاء التي يرتكبها الأطباء وتتسبب في الوفاة أو إحداث العاهات المستديمة، بسبب اللامبالاة والتسيب بعيدا عن احترام قواعد وأخلاقيات مهنة الطب؟
❊❊ الدكتورة سعاد قصعة: لقد حرم الله عز وجل المساس بجسم الإنسان إلا للضرورة والضرورة تقدر بقدرها، لذلك لابد من التوفيق بين «معصومية» النفس والجسد وبين مشروعية العمل الطبي الجراحي بأن يقيد هذا الأخير بشروط تحقيقا للمصلحة العامة، وكل إخلال بتلك الشروط يعرض الطبيب للمساءلة، وهاته الشروط هي أن يكون الطبيب مأذونا له بالعمل الطبي عموما والجراحي خاصة وهذا قصد العلاج، حيث يجب أن يكون الباعث على عمل الطبيب هو علاج المريض، ورعاية مصلحته المشروعة.
وثانيا، إتباع أصول الصنعة (المهنة) إذ اشترط الفقهاء في من يشخصون الداء ويصفون الدواء أو يقومون بالجراحة أن يكونوا من ذوي المهارة في صناعتهم وعلى درجة عالية من البصارة والمعرفة وأن تكون أعمالهم وفق الرسم المعتاد والقواعد التي يتبعها أهل الصنعة في مهنة الطب.
وكل إخلال بأحد هذه الشروط يعرض الطبيب إلى المساءلة، ومن متطلبات الشرط الثالث (اتباع أصول الصنعة)، التزام الطبيب ببذل عناية تتفق مع الضمير الإنساني والمهني والأصول العلمية الثابتة، إذ أنه لا يلتزم بشفاء المريض أو نجاح الجراحة، وإنما يلتزم بأن ينتج للمريض الإفادة من جميع الوسائل التي يمكن أن تحقق الشفاء في ضوء الأصول الطبية المتعارف عليها، فإذا لم يشف المريض أو لم تنجح الجراحة-بعد ذلك- يكون الطبيب قد نفد التزامه وقام بما يجب عليه. لكن في بعض الأحيان لا يبدل الطبيب العناية اللازمة لشفاء المريض أو نجاح الجراحة مما يؤدي إلى الوفاة أو إحداث عاهات مستديمة، وهذا ما يجعله مسؤولا جزائيا عما ارتكبه من أخطاء جسيمة نتيجة الإهمال واللامبالاة.
وتقوم المسؤولية الجزائية للطبيب على العناصر الأساسية هي، أولا، حدوث الفعل المكون للخطأ الطبي، الناجم عن سلوك إرادي ينطوي على إهمال وعدم احتراز يؤدي إلى نتيجة ضارة، كان بوسع الجاني أن يتوقَّعها، أو كان يجب عليه أن يتوقعها.
وثانيا، تحقق حدوث الضرر، الذي يصيب المريض في بدنه أو في نفسه نتيجة الخطأ الطبي، كحدوث الوفاة، أو تلف عضو من أعضاء الجسم، أو فقد منفعته أو بعضها.
وأخيرا، قيام علاقة السببية بين الخطأ والضرر، فيجب التأكد من وجودها بين السلوك الذي أتى به الطبيب والنتائج غير المشروعة المترتبة عليه، وقد حكم بأنه يكفي لقيام رابطة السببية أن يكون الموت أو الجرح مسببًا عن خطأ الطبيب.
وعلى هذا الأساس فالخطأ الطبي كما يكون في فحص المريض وتشخيص الداء، يكون أيضًا في وصف العلاج وكيفية استعماله، والإشراف على المريض ومتابعة حالته، خصوصًا في الحالات الحرجة، ويظهر الخطأ - بوضوح - في إجراء العمليات الجراحية وما يصاحبها من حيطة وعناية، وتوجيه لطبيب التخدير والممرضات وغيرهم ممن يخضعون لإشرافه من المساعدين.
ومتى توفّرت العناصر الأساسية السالفة الذكر (الخطأ، الضرر، علاقة السببية)، ثبتت مسؤولية الطبيب عن خطئه الذي أدى إلى الوفاة أو إحداث عاهة مستديمة بالمريض، وحق عليه العقاب المتمثل في الدية والكفارة بالنسبة للوفاة الناتجة عن الخطأ الطبي، والدية والأرش أو التعويض بالنسبة للعاهة المستديمة بقدر الضرر الذي أصاب المريض؛ وذلك مصداقا لقوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطأً فتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ وديةٍ مسلّمة إلى أهله إلا أن يصَّدَّقوا فإن كان من قومٍ عدوّ لكم وهو مؤمنٌ فتحرير رقبةٍ مؤمنة ٍوإن كان من قومٍ بينكم وبينهم ميثاقٌ فديةُ مسلَّمةٌ إلى أهله وتحرير رقبةٍ مؤمنةٍ فمن لم يجد فصيام شهرينِ متتابعينِ توبةً من اللَّه وكان اللَّه عليماً حكيماً} (النساء: 92 / 4)، وقوله صلى الله عليه وسلم: «في النّفس مئة من الإبل».
فعلى الأطباء الذين يقعون في مثل هذه الأخطاء الطبية الناتجة عن الإهمال واللامبالاة، والتي مست بحق مقدس من حقوق الانسان والمتمثل في الحق في الحياة والسلامة الجسدية، أن يستحضروا قوله صلى الله عليه وسلم: «كلّكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته...»، فأنتم مسؤولون عن المرضى الذين يلجؤون إليكم ويتوسّمون فيكم الخير والصلاح والكفاءة، ويضعون أرواحهم بين أيديكم طمعا في العلاج، فكونوا على قدر المسؤولية، واتقوا الله في أنفسكم وفي المرضى الذين ينظرون إليكم بعين الرجاء والأمل».
❊ يستغل بعض الأطباء المستشفيات العمومية، المعدّات، ويحوّلونها إلى مصحّات خاصة يتلقون عنها مزية أو مبالغ مالية، كما يحول المرضى أيضا إلى هذه المؤسسات بغرض الحصول على مقابل العلاج خرقا للقوانين، كيف ينظر الدين إلى هذه الظاهرة؟ وما هي الرّسالة التي يوجّهها علماء الشّرع والدين إلى هؤلاء؟
❊❊ إنّ الوظيفة العامة في الإسلام هي مصلحة من مصالح المسلمين، ومعلوم أنه لا يجوز إلحاق الضرر بالمسلمين بأي حال من الأحوال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»، من أجل ذلك فإن متولي هذه الوظيفة يجب أن تتوافر فيه مجموعة من الشروط الخاصة التي تجعله أهلا لها، لذا يجب اختيار الموظف حسب شروط معينة وفق اعتبارات المفاضلة بينه وبين غيره، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولى رجلا وهو يجد أصلح منه، فقد خان الله ورسوله»، ولما يثبت تميزه من كفاءة وقدرة وأمانة، محققا بذلك المصالح الشرعية في عمله، وهذا كله بتطلب الحفظ والعلم لقوله تعالى: {قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} (سورة يوسف: الآية 55)، حفيظ لما وليت، وذو علم وبصر بما يتولاه إذ الحفظ دال على القدرة على أداء العمل، والعلم دال على المعرفة بمستلزمات الوظيفة، وما يتعلق بها.
كما إن الأموال العامة في الفقه الإسلامي مصانة ومحاطة بسياج قوي من الحماية، ويحرم الاعتداء عليها بحال من اختلاس أو استيلاء أو سرقة أو إضرار أو انتفاع، وفرض العقوبات على المعتدي عليها لدورها المهم في إقامة الدين والدنيا للمسلمين، ولا يختلف الاعتداء على المال العام في الحرمة عن السرقة من المال الخاص، بل إن الاعتداء عليه أشد حرمة وأعظم إثما عند الله؛ لأنه يشكل اعتداء على حق الأمة، والضرر الناتج عنه أكبر من الضرر الناتج عن سرقة المال الخاص.
فمثل هذه التصرفات التي يقوم بها بعض الأطباء سامحهم الله محرمة شرعا وفرض لها الشارع الحكيم عقوبات مشددة، لما فيها من تعد على المال العام، فهي سرقة وخيانة للأمانة وهي من الأفعال المنهي عنها شرعا لقوله تعالى: {يا أيّها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون} (سورة الأنفال: الآية: 27)، وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا أؤتمن خان...»، وأكثر صور خيانة الأمانة انتشارا في الوظائف في عصرنا الحاضر استخدام الأشياء التي تخص الوظيفة لأغراض شخصية، وكذا التربح من الوظيفة بأن يستغل موقعه الوظيفي وإمكاناته للتربح بطريق مباشر أو غير مباشر كتسخير إمكانيات الجهة التي يعمل فيها لتجارته الخاصة.
وفي الأخير نذكر الأطباء الذين يقومون بمثل هذه التصرفات التي فيها تعدّ صارخ على المال العام وعلى حقوق المرضى، أن المسؤولية تكليف وليست تشريف، وأنهم أمناء على هذه المستشفيات العامة بما فيها من وسائل مادية وبشرية وليسوا ملاكا لها، فعليهم استغلال هذه الوسائل وفقا لما يمليه الدين والشرع والقانون، وبكل عدالة مستحضرين قوله صلى الله عليه وسلم: «إنّ المقسطين على منابر من نور»، وأن كل شيء إلى زوال مهما كثر، وما عند الله خير وأبقى».       
❊ هل تلتقي قواعد الشّرع والقانون في تأطير مهنة الطبيب الممارس حتى نحافظ على الأرواح البشرية من كل الخروقات الممكنة، والارتقاء بهذه المهنة النّبيلة التي تعتمد بالأساس على صحوة الضّمير واحترام الحق في الحياة؟
❊❊ نعم هناك نقاط التقاء عديدة بين قواعد الشريعة الإسلامية والقانون في تأطير مهنة الطبيب الممارس بقصد حفظ النفس البشرية من كل أنواع التعدي، والرقي بمهنة الطبيب التي تعتمد بالدرجة الأولى على الأخلاق والضمير الإنساني واحترام حق الإنسان في الحياة، هذا الحق الذي تكفله الشريعة الإسلامية وكل المواثيق الدولية والإقليمية والوطنية؛ لذلك كان لزاما على الأطباء أن يكونوا مطلعين بأحكام الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي التي تنظم مهنتهم وإحساسهم بعلاقتهم بالله والناس.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18051

العدد 18051

الأربعاء 18 سبتمبر 2019
العدد 18050

العدد 18050

الثلاثاء 17 سبتمبر 2019
العدد 18049

العدد 18049

الإثنين 16 سبتمبر 2019
العدد 18048

العدد 18048

الأحد 15 سبتمبر 2019