الثقافة بجميع مكوّناتها في صدارة المشهد بمدينة ابن باديس

من قسنطينة يدرك الإنسان العربي تاريخه ويفــجر إبداعـاته ويضبــــط تطلعــاته

سعيد بن عياد

تحمل تظاهرة “قسنطينة عاصمة للثقافة العربية”، دلالات قوية لمسار إعادة ترتيب سلم القيم في المجتمع بدءا بتكريس مصالحة مع الذات من خلال إعادة بعث قيم الشخصية الوطنية بكافة ركائزها وتأكيد روح الانتماء لها، إلى وضع الثقافة بجميع مكوناتها في صدارة المشهد، مرورا بانتشال قطاعات اقتصادية يمكنها أن تمتطي عجلة الثقافة لاستئناف النمو مثل السياحة والصناعة التقليدية والبيئة.
وبقدر ما للمدينة من حظوة في تبوء مكانة عاصمة الثقافة العربية، بقدر ما للجزائر مكانة في الوطن العربي لتضخ فيه روحا جديدة متجددة فيتخلص من كوابيس النزاعات والحروب والتشرذم، ولعل المناسبة طيلة سنة كفيلة بأن تستوعب الجميع وتحتضن كافة ألوان المجتمع العربي ليكتب الوطن العربي من خلال نخبه الثقافية والفنية الجادة والبناءة ورقة طريق أكثر جدوى وفعالية في ظل العولمة ومولّدة للأمل.
حقيقة يلعب المسرح والسينما الجادة والكتاب ومختلف الفنون الخلاقة للإبداع والحافظة للذاكرة الجماعية على امتداد التاريخ، دورا بارزا في نهضة المجتمعات، ومن ثمة تعتبر قسنطينة التي ارتبطت بحركية التاريخ الوطني في مختلف مراحله، منصة إقلاع جديد لها بحيث يتوفر المناخ الايجابي لبعث حركية الثقافة الجزائرية في خضم تفاعلها مع نظيراتها من كافة جهات العالم العربي الجريح في مواقع عدة منه والبئيس في مواقع أخرى.
ولعلّ للثقافة اليوم من قسنطينة، عاصمة العلم وأصالة الانتماء، الفرصة المواتية لكي تستعيد بريقها، فترافق حركية التنمية محليا وإقليميا، بتمكين الشعوب العربية خاصة المعرضة لفقدان الأمل، على غرار بلدان عربية عريقة، من تجاوز عقد تشكلت جراء تراكم إفرازات حقب استعمارية طويلة وتجارب أنظمة حكم عطلت في عديد من المجتمعات العربية ديناميكية الإندماج إلى درجة أضرت بالتنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية، حتى توفرت جراءه بيئة مولدة للفكر المتطرف على حساب قيم الحوار تسرب إليها الإرهاب مدمرا في طريقه كل ما يرمز للثقافة وروافدها من هوية ومقدّرات للأمّة.
ويرتقب أن يتمخّض عن الغوص في أعماق الثقافة العربية واحتكاكها يبعضها البعض في قاعات وميادين وأزقّة وشوارع قسنطينة طيلة سنة بأكملها، بإعادة ترميم الذاكرة وتصحيح للمفاهيم وإسقاط لمغالطات لطالما روّج لها خصوم الأمة العربية، بما يدفع حينذاك بالوطن العربي إلى رحاب أوسع يدرك فيها الإنسان حقيقته وماضيه ويضبط تطلعاته بروح من الانفتاح وقبول الآخر يتقدمه الغرب، على ما يتميز به من قوة، دون الذوبان في ثقافته أو ركوب أحلامه التي تعرف الحدود إلى درجة فيها تهديد لسيادة الدول واستباحة ثروات البلدان وتدمير أحلام الشعوب العربية.
ويعوّل على صناع ومنتجي ومبدعي ومتذوّقي الثقافة في الجزائر وبالذات في قسنطينة أولا، وفي الوطن العربي ثانيا، تقديم الوصفة العلاجية التي تنتشل العقل العربي من دوامة جلد الذات وإلصاق تهمة تخلفه بالآخر إلى رحاب الثقة في النفس وقبول خصوصيته وتحويل عناصرها إلى طاقة دافعة إلى المستقبل للدفاع عن موقعه في النظام العالمي الجديد باعتماد الحوار من المحيط الضيق إلى أكبر مساحة في جغرافيا الوطن العربي وفي غيره من فضاءات الشركاء من خارجها، وهل توجد مهمة حضارية أفضل وأنبل من هذه تتكفل بها قسنطينة ابن باديس ومهد الحركة الوطنية، ومن خلالها الجزائر خندق الشعوب المغلوبة على أمرها وأملها في إدراك المصالحة والأمن والتنمية.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17750

العدد 17750

الجمعة 21 سبتمبر 2018
العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018