الزوايا جسور للتواصل بين أفراد المجتمع

محاربة كل الغلو والتطرف

ورقلة: إيمان كافي

تشير الكثير من المراجع إلى أن دور الزوايا لم يكن يوما منحصرا في تلقين علوم الدين والفقه والشريعة وحسب، بل تجاوز ذلك إلى التأثير بشكل كبير في الإطار الاجتماعي بكل أطيافه وبكل ما يحمله من اختلاف عبر إرساء فكر التعايش في سلام وتقبل الآخر والانفتاح عليه، انطلاقا من ترسيخ وإرساء فكرة التعايش معا في سلام. ومن خلال المساهمة في حلّ النزاعات بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين وإطفاء نار الفتنة ومحاربة كل أشكال العنف والتطرّف وكذا العمل على تكريس فكرة التضامن الاجتماعي في أوساط المجتمع.

وقد ساهمت الزوايا التي استطاعت إثبات حضورها في الوسط الاجتماعي الذي تؤثر فيه من تقوية جسور التواصل بين أفراد المجتمع والإبقاء على باب الحوار مفتوحا لحل مختلف الخلافات والنزاعات تكريسا وتجسيدا لحقيقة دورها في المحيط الاجتماعي الذي يتعدى العناية والاهتمام بالجانب الديني والعقائدي والروحي فقط، وهذا ما اتفق فيه كل من ممثل الزواية القادرية بالجزائر وعموم إفريقيا بورقلة بالرويسات عبد الرؤوف حساني وممثل الزاوية التيجانية بتماسين عبد السلام جغوان في حديث لـ»الشعب».
وتتوضّح أهمية هذا الدور ـ حسبهما ـ من خلال التغلغل في داخل المحيط الاجتماعي محليا والمبادرة بالتدخل لتجاوز أي خلافات وإصلاح ذات البين بين المتخاصمين سواء في الميراث أو غيرها من القضايا التي تزرع الأحقاد بين الناس والأمثلة في هذا الصدد كثيرة، حيث تمثّل الزوايا محليا والتي يتعدى دورها إلى الجانب الإقليمي والدولي أحيانا وجهة للعديد من المواطنين الذين يرغبون في فضّ مشاكلهم وإيجاد حلول لها، وإطفاء نار الفتنة بين العروش والقبائل المتخاصمة وذلك بتوحيد صفوفهم والانطلاق مما يجمعهم بعيدا عن اختلافاتهم وما يفرقهم ويشتتهم مما سمح للزوايا بمواكبة تطورات المجتمعات وحتى أنواع الخلافات في أوساطها التي أصبحت ترتبط بالعديد من الأمور الحياتية الحديثة والتي كرسها غياب الوازع الديني والتحصن بتعاليم الدين الإسلامي، حسب ما اتفق عليه.
ومن هنا أبرز المتحدث باسم الطريقة القادرية بالزاوية القادرية بالجزائر وعموم إفريقيا بورقلة عبد الرؤوف حساني، أن الزوايا كانت حاضرة بقوة في حلّ مختلف النزاعات وقطع الطريق على العديد من بؤر الفتن محليا وفي داخل الوطن وحتى في خارجه من أجل تقبل الآخر باختلافه والتعايش معه في سلام، مشيرا إلى أن الزوايا اليوم تساهم في إطفاء نار الفتنة التي تثار حتى في وسائط التواصل الاجتماعي والتي تؤدي إلى خلق العديد من المشاكل والأحقاد بين الناس، حيث يعدّ ترسيخ فكر العيش بسلام مع الآخر من فض للنزاعات وإصلاح لذات البين وإفشاء للسلام والدعوة إلى للاستقرار والأمان ـ كما ذكر ـ أهم مبادئ التصوف فهي دعوة أبينا إبراهيم عليه السلام.
وفي حديثه عن المبادرات التي تقدمت بها الزاوية لأجل فضّ المنازعات، فقد أكد على أنها عديدة ويصعب حصرها لأن مقاديم الطريقة القادرية منتشرة في كل ربوع الوطن، إذ لا توجد دشرة أو دوار أو قرية أو مدينة إلا وفيها ممثل الطريقة القادرية وعندما يكون نزاع في منطقته يعالجها مباشرة ويفض ذلك الأمر الذي اختلف فيه، معتمدا في ذلك على الإخلاص في النية في العمل وأن يكون هذا العمل لوجه الله تعالى، وأما الحيثيات فكل حالة وما تتطلبه من أمور لتتم العملية بنجاح، مضيفا أن أحداث غرداية كانت من بين أهم تدخلات الزاوية لإخماد لإخماد نار الفتنة وتقوية اللحمة بين أفراد المجتمع الواحد.
ومن جهته، أوضح ممثل الزاوية التيجانية بتماسين محمد البشير بن جغوان أكد على أنه لابد أن نعرف أن النسيج الاجتماعي في شمال إفريقيا وفي الجزائر مبني على الزوايا التي تعدّ ركيزة نظام في النسق الاجتماعي، وأن لها دورا كبيرا في الحفاظ على التعايش الاجتماعي، لأن الزوايا تعتمد في مصادرها على الكتاب والسنة النبوية كما وتراعي المصلحة العامة التي تعدّ ترجمة واستنباطا للأحكام المؤكدة على أهمية العيش في سلام من خلال التعامل والتعايش والتواصل مع الآخر والبحث عن قاسم مشترك يجمعنا به، وهو منطلق فكر الزاوية التيجانية ـ كما أوضح ـ والتي لديها تأثير في الوسط الاجتماعي الذي تتواجد به من خلال شعارها الذي ينادي به الشيخ الدكتور محمد العيد التيجاني والذي يردّد دائما ما قاله جده مؤسس الزاوية التيجانية بتماسين حيث يقول: «ليس لي عدو إلا الشيطان»، وهي منطلقات إنسانية لأن الإنسانية في النهاية هي القاسم المشترك بين جميع البشر.
وهنا أشار محدثا إلى أن الإسلام دخل إلى مختلف ربوع العالم عن طريق التعامل ومن مبدأ التعايش مع الآخر وخدمة الإنسانية التي تستمد من روح القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وهي نهج صوفي أيضا ـ حسبه ـ لذلك أضاف اعتمد شيوخ الزاوية التيجانية على مبدأ إرساء فكر التعايش مع الآخر وتقبله رغم اختلافه وهو ما سعت وتسعى دوما الزاوية إلى ترسيخه وتجسيده في أوساط المجتمع من خلال مساهمتها في حلّ العديد من المشاكل وفضّ النزاعات المختلفة بين أفراد المجتمع، حيث لعبت الزاوية بناء على تجارب وخبرات دورا هاما في الشقاق الذي وقع سنة 2010، مثلا بين الإخوة في كل من بلدة عمر وقوق بدائرة تماسين وقد كان لتدخل شيخ الزاوية ووقوف الزاوية على مختلف حيثيات المشكل وتغليب روح الحوار والتواصل بين الأطراف المتنازعة دور كبير في المساهمة في إعادة الحياة إلى مجراها من جديد وبناء أواصر التواصل وتعزيز قوتها بين البلدتين، ونفس الأمر بالنسبة لأحداث غرداية، مشيرا إلى أن للزوايا مكانتها في المنطقة التي استطاعت من خلال لعب دورها كما ينبغي بالإنفتاح على الآخر والحفاظ على عقيدة العيش في سلام بين كل أفراد المجتمع بمختلف أطيافه ورغم اختلاف ذهنياته.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17796

العدد 17796

الأربعاء 14 نوفمبر 2018
العدد 17795

العدد 17795

الثلاثاء 13 نوفمبر 2018
العدد 17794

العدد 17794

الإثنين 12 نوفمبر 2018
العدد 17793

العدد 17793

الأحد 11 نوفمبر 2018