يعالج مشكل ميل الانسان إلى المال

الاسراف في الإسلام أسبابه وحلوله

إن الإنسان بطبعه ميال إلى المال، يحب جمعه والتكاثر به: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ}، [العاديت الآية 8].
كما يحب - من خلال المال - أن يحقق رغباته ويشبع نهمه، ففي الحديث: (منهومان لا يشبعان: منهوم في علم لا يشبع، ومنهوم في دنيا لا يشبع).
وكل ذلك غريزة لا فكاك منها: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ}، [آل عمران الآية 14]. والإسلام لا يعادي هذه الغريزة ولا يتجاهلها، ولكنه ينظمها ويوجهها بما يليق بالمسلم ووظيفته في الحياة. والمسلم مطالب بالكسب الحلال الطيب، وصرفه في مصارفه المشروعة - الواجبة والمندوبة والمباحة - {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}،[البقرة الآية 168]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ}،[البقرة الآية 267]. ولا يجوز له أن ينفقه فيما فيه ضرر عليه أوعلى مجتمعه، بل عليه أن يتصرف فيه بالحكمة، وفقاً لمراد الشارع. وعندئذ يكون معتدلاً في نفقته، قائماً بالقسط. فإن تجاوز الحد المشروع فإنه يكون قد دخل في دائرة الإسراف والتبذير.
وهما - الإسراف والتبذير - من الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي تهدد الأمم والشعوب بالوقوع في الترف والبذخ، والأشر والبطر، ومن ثم تعرضها للهلاك العام والعاجل.
قال تعالى: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا}، [الإسراء الآية 16]. وقد وضع الله تعالى منهاجاً قويماً للأمة في هذا المجال ووضع قانوناً اقتصادياً واضحاً فقال سبحانه وتعالى في سورة الفرقان: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان الآية 67]. فامتدح الله سبحانه وتعالى عباد الرحمن بهذا الخلق الكريم وميزهم عن غيرهم عندما أخبر عن هذه الصفة من أخلاقهم، وهذا شأن الإسلام وشأن الإيمان أن المؤمن لا يقتر ولا يبخل من جهة، ومن جهة ثانية لا يسرف ولا يبذر، فخير الأمور أوسطها.
وأمتنا الإسلامية هي أمة الاعتدال وهي أمة الوسط، فالوسطية سمة من سمات هذه الأمة كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، [البقرة الآية 143].
فلا إفراط ولا تفريط في قضايا الإنفاق أو ما يعبر عنه بلغة اليوم بالاستهلاك، لا بخل ولا تقتير من جهة، ولا إسراف ولا تبذير من جهة أخرى.
وحيث أن ديننا الحنيف شامل لكل مناحي الحياة، فهو ينظم جميع شؤون الإنسان في هذه الحياة، فهو كما يضبط الإنفاق أي الاستهلاك يضبط الإنتاج.
فالاستهلاك ليس كما يريد الإنسان أو كيفما يشاء وبأي وسيلة شاء إنما له ضوابط وله قيود شرعية.
فقد ذمّ الله سبحانه وتعالى المسرفين والمبذرين وذم البخلاء والمقترين، ولكن بداية لا بد أن نفرق بين هذين الاصطلاحين بين معنى الإسراف وبين معنى التبذير.
فالإسراف: هو صرف مال في وجه مباح لكن زيادة عن الحاجة في مأكل أو مشرب مباح أو أثاث ونحو ذلك لكن زيادة عن الحاجة، نقول أسرف.
أما التبذير: فهو صرف المال في غير وجهه.
قال ابن فارس: «الباء والذال والراء أصل واحد، وهو نثر الشيء، وتفريقه، يقال: بذرت البذر أبذره بذراً قال تعالى: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}،[الإسراء الآية 26-27]. وفي عرف الشرع: قال ابن الأثير: «تبذير الأموال: تفريقها وإعطاؤها إسرافا بغير حساب.
وجاء في تفسير القرطبي: قال الشافعي: «التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور، وقال أشهب عن مالك: التبذير هوأخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهوالإسراف». ويفهم من ذلك أنه لا فرق بين التبذير والإسراف.
غير أن بعضهم يفرق بينهما «فالإسراف: هو صرف الشيء فيما لا ينبغي زائداً على ما ينبغي، بخلاف التبذير فإنه صرف الشيء فيما لا ينبغي، والإسراف: تجاوز في الكمية، فهو جهل بمقادير الحقوق، والتبذير: تجاوز في موضع الحق، فهو جهل بمواقعها، يرشدك إلى هذا قوله تعالى في تعليل الإسراف: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}، وفي تعليل التبذير {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، فإن تعليل الثاني فوق الأول».
وقد فرق ابن عابدين بين الإسراف والتبذير فقال: «التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق أن بينهما فرقاً وهو أن الإسراف: صرف الشيء فيما ينبغي زائداً على ما ينبغي، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي.
ومثله ما جاء في «أدب الدنيا والدين»: «التبذير الجهل بمواقع الحقوق، والسرف الجهل بمقادير الحقوق».
ويقول الراغب الأصفهاني: «إن التبذير في الحقيقة أقبح من الإسراف؛ لأن بجانبه حقاً مضيعاً، ولأنه يؤدي بصاحبه إلى أن يظلم غيره، ولهذا قيل إن المبذر أقبح؛ لأنه جاهل بمقدار المال الذي هوسبب استبقاء الناس».
ويلتقي الإسراف والتبذير في معنى الإنفاق بغير طاعة، ولكن الإسراف أعم من التبذير؛ لأن التبذير معناه التفريق وأصله إلقاء البذر في الأرض واستعير لكل مضيّع ماله، يقول تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}، [الإسراء الآية 67].

مظاهر التبذير:

1 - الإسراف في المآكل والمشارب؛ والإفراط في الطعام: والإنسان إذا أكثر من الطعام، لم يستطع له هضماً، حيث يصاب بالتخمة وعسر الهضم، وقد حدث أن تصاب المعدة بالاتساع والتمدد نتيجة الإفراط في تناول الطعام فيفقد المرء شهيته للأكل وإن تناول طعاماً لم يستطع له هضماً، فقد يصاب نتيجة لذلك بالإسهال أو الإمساك، كما أن الإسراف في الطعام يؤدي إلى البدانة ومن ثم يتعرض الإنسان لأمراض القلب وارتفاع الضغط وأمراض الكلى والسكر.
ومنهم من يجتمع على مائدته من ألوان الطعام وصنوف الشراب ما يكفي الجماعة من الناس، ومع ذلك لا يأكل إلا القليل من هذا وذاك ثم يلقي بقيته في الفضلات والنفايات.
2 - الإسراف في المراكب والملابس والمساكن، فتجد أقواماً تحملوا الديون العظيمة، ليحصل أحدهم على السيارة الفارهة أو الثوب الغالي الثمن أو المسكن الفاخر. وهذا تكاثر وتفاخر، سفه في العقل، وضلال في الدين.
3 - سعى الكثيرون لتملك أكثر من هاتف جوال، من أغلى وأحدث الماركات، كما يخصص الأهل أرقام جوال للأطفال دون سن الثانية عشر.
4 - التسابق في مجال الأزياء والملابس الحديثة ولا سيما النساء؛ حيث فرغ بعض النساء أنفسهن لمتابعة الموضة الجديدة من ملابس وإكسسوارات ومصبغات ومدهنات وغيرها من أدوات التجميل.
5 - التكلف في حفلات الأعراس من ولائم واستئجار فنادق وغيرها.
هذه بعض مظاهر وصور التبذير.

أسباب التبذير:

نشأة المسلم في أسرة حالها الإسراف والبذخ، فما يكون منه سوى الإقتداء بأبويه أوإخوانه.
• السعة بعد الضيق أواليسر بعد العسر، ذلك أن كثيراً من الناس قد يعيشون في ضيق أو حرمان أو شدة أو عسر وهم صابرون محتسبون بل وماضون في طريقهم إلى ربهم، وقد يحدث أن تتغير الموازين وأن تتبدل الأحوال فتكون السعة بعد الضيق أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أوالاعتدال فينقلب على النقيض تماماً فيكون الإسراف أوالتبذير.
• صحبة المسرفين ومخالطتهم، ذلك أن الإنسان غالباً ما يتخلق بأخلاق صاحبه وخليله، لاسيما إذ طالت هذه الصحبة وكان هذا الصاحب قوى الشخصية شديد التأثير
• الغفلة عن زاد الطريق، فإن الطريق الموصلة إلى رضوان الله والجنة ليست طريقاً مفروشة بالحرير والورود والرياحين، بل بالأشواك والدموع والعرق والدماء والجماجم، وولوج هذه الطريق لا يكون بالترف والنعومة والاسترخاء وإنما بالرجولة والشدة، ذلك هو زاد الطريق، والغفلة عن هذا الزاد يوقع المسلم العامل في الإسراف والتبذير.
• وقد يكون السبب في الإسراف الزوجة والولد: إذ قد يبتلى المسلم بزوجة وولد دأبهم وديدنهم الإسراف، وقد لا يكون حازماً معهم، فيؤثرون عليه، وبمرور الأيام وطول المعاشرة ينقلب مسرفاً مع المسرفين.
• الغفلة عن طبيعة الحياة الدنيا، فهي لا تثبت ولا تستقر على حال واحد، بل هي متقلبة تكون لك اليوم وعليك غداً وصدق الله العظيم: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران الآية 140].
• الغفلة عن الشدائد وأهوال يوم القيامة؛ ذلك أن يوم القيامة يوم فيه من الشدائد والأهوال ما ينعقد اللسان وتعجز الكلمات عن الوصف والتصوير وحسبنا ما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذا اليوم.
• نسيان الواقع الذي تحياه البشرية عموماً والمسلمون على وجه الخصوص، فالبشرية اليوم تقف على حافة الهاوية، ويوشك أن تتزلزل الأرض من تحتها فتسقط أوتقع في تلك الهاوية، وحينئذ يكون الهلاك أوالدمار، أما المسلمون فقد صاروا إلى حال من الذل والهوان يرثى لها، ويتحسر عليها. ومن بقى مستحضراً هذا الواقع وكان متبلد الحس ميت العاطفة فإنه يمكن أن يصاب بالترف والإسراف والركون إلى زهرة الدنيا وزينتها.

علاج الإسراف والتبذير:

- التفكر في الآثار والعواقب المترتبة على الإسراف.
- الحزم مع النفس.-  دوام النظر في سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته.
- دوام النظر في سيرة سلف هذه الأمة.
- الانقطاع عن صحبة المسرفين.
- الاهتمام ببناء شخصية الزوجة والولد.
- دوام التفكر في الواقع.
- دوام التفكر في الموت.
- تذكر طبيعة الطريق.
هذه بعض المظاهر والأسباب وبعض وسائل العلاج لظاهرة الإسراف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبصرنا بعيوبنا، وأن يفقهنا في ديننا، وأن يجعلنا دائما في حدود الاعتدال والتوسط، الشاكرين لنعم الله عز وجل المؤدين لحق الله تعالى في هذا المال..
كما نسأله تعالى أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاه فيه، ونسأله أن يجعل رزقنا حلالاً طيباً، وأن لا يجعل فيه مخيلة ولا إسراف ولا تبذير وأن يعيذنا من إخوان الشياطين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17749

العدد 17749

الثلاثاء 18 سبتمبر 2018
العدد 17748

العدد 17748

الإثنين 17 سبتمبر 2018
العدد 17747

العدد 17747

الأحد 16 سبتمبر 2018
العدد 17746

العدد 17746

السبت 15 سبتمبر 2018