أمر الله المسلمين بالدعوة إليه بالحسنى

الـــــتــسـامح... مـظـاهــره وآثــاره النـفـسـية والإجـــتـماعـية

لقد كتب الله - سبحانه - أن يكون الإسلام هوالدين الخالد حتى يرِث الأرض ومن عليها، كما كتب أن يكون هوالدين الذي يجب على كل البشر أن يعتنقوه؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ آل عمران: 19.
كما أمر الله المسلمين بالدعوة إليه بالحسنى، وأخْذ الجزية ممن لم يقبل الدخول في الإسلام، لا قصدًا للمال ذاته، وإنما لتتهيَّأ القلوب لقَبول الإسلام، ولتشملهم أحكامه السَّمحة، فإذا ما تذوَّقوها، كان ذلك عاملاً قويًّا في قبولهم له، ودخولهم فيه، وإن لم يكن ذلك كانت المرتبة الأخيرة وهي القتال؛ حمايةً للدعوة الإسلامية، وإزاحةً للعراقيل التي تعوق مسيرتها. ونتحدث في هذا المقال عن مظاهر التسامح وآثاره النفسية والاجتماعية فمن مظاهر التسامح:
 التسامح في العبادات
التيسير والتسهيل أصل في الإسلام، ولا شك إذا كان ذلك في حق الله المبني على المسامحة، ومظاهر ذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ النساء: 43.
 يتيمَّم مريد الصلاة إذا كان مريضًا مرضًا يتعذَّر معه استعمال الماء، أويضّر الجرح، أويؤدي إلى بطء الشفاء، أوكان مسافرًا في صحراء أوغيرها.
التسامح في المعاملات  
الإسلام حث على المسامحة ورتَّب عليها الثواب وحُسن المآب، ومظاهر ذلك في:
قال تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ البقرة: 178.
كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدِّية، وكان في النصارى الدِّية، ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية وخيرها بين (القصاص، والدِّية، والعفو)، وهذا من يُسر الشريعة الغراء التي جاء بها سيد الأنبياء.
وللتسامح آثار يمكننا ذكر بعضها وهي:
آثار نفسية:
التسامح له أثر عظيم على الفرد؛ من سلامة الصدر، والمحبة، والتعاون، والإخاء، وله فوائد صحية، وشاهد ذلك ولاحَظ أثره علماء الطب السلوكي، قال بعضهم: إذا أردت أن تُقلل من ضغط دمك، وأن تخفِّف التوتر في حياتك، فعليك بالصفح والتسامح مع الآخرين، وهذه دراسة أخرى أقيمت في جامعة تينيسي الأمريكية - لتحديد آثار التسامح على صحة الإنسان - على دراسة 107 من طلاب الجامعات المختلفة، ملؤوا استبيانات حول مناسبتين شعروا فيهما بالخداع والخيانة، بحيث تم قياس معدل ضربات القلب، وضغط الدم، والتوتر في عضلة الجبهة، وشدة التعرُّق.
ويقول علماء النفس: إن التسامح عبارة عن إستراتيجية تحمُّل تسمح للشخص بإطلاق مشاعره السلبية الناتجة عن غضبه من الآخرين بطريقة ودية.
وله آثار على شخصية الفرد؛ حيث يزيد من تقدير الذات، وقوة الشخصية، ويملأ علاقته بالآخرين بالمحبة والجود والسخاء، ويرسم على مُحيَّاه البشاشة والابتسامة، ويكفي بها حصول محبة الله؛ قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النور: 22.
فالتسامح لغة إسلامية أصيلة، ومعنًى أخلاقي شرَعه الإسلام، وحث عليه قبل أن تولد فلسفة التسامح الغربي.
آثار اجتماعية:
التسامح من أعظم قِيَم التعايش؛ بحيث يتسامح الإنسان ويتغاضى، وتَسامح، يُتَسامح معك، فإنه سيكون يومًا ما هوأيضًا بحاجة إلى أن يتسامح الناس معه. التسامح يزيل سرطان الكراهية من نفوس الناس، ويقدم لهم الدليل أيضًا على أن العظماء من الأنبياء والمصلحين والمؤمنين، ذاقوا المر من أجل التسامح، ودعوا إلى نبذ التعصب والعنف الذي يعمي العقول قبل العيون، ويولد المشاعر السلبية تجاه أبناء البشرية عمومًا، ثم ينتهي إلى نبذ الآخر ولوكان من نفس الدين، وإن اختلف معه في المذهب، وعلينا نحن البشر أن نتحلى بروح التسامح الذي هوالتصالح مع الأحقاد الدفينة، فالتسامح هوفعل من مجنيٍّ عليه تُجاه الجاني، وأساسه التحول من موقف سلبي إلى موقف إيجابي.
فالتسامح قيمة عظيمة جاء بها هذا الدين القويم من ربٍّ عليم حكيم، فهذا الخلق مزكٍّ للنفوس، مطهِّر للقلوب من أدران الخسائس، يساعد المجتمع على التكاتف والتكافل، وهكذا دين الإسلام، رحمة بالبشرية رأفة بهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ الأنبياء: 107.
حيث راعى الله فيه النفوس، وما جبَل عليه الخلْق، فجعل تكاليفه غير زائدة على قدرتهم، بل إنه من أجل ما يحمله من عناصر البقاء والعموم لجميع البشرية، ترَك الآصار والأغلال التي ضربها على بني إسرائيل جزاءَ ظُلمهم وعدوانهم.  فحري بنا نحن - معاشر المسلمين - أن نتخلَّق بهذا الخلق السامي الحضاري.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18006

العدد 18006

الثلاثاء 23 جويلية 2019
العدد 18005

العدد 18005

الإثنين 22 جويلية 2019
العدد 18004

العدد 18004

الأحد 21 جويلية 2019
العدد 18003

العدد 18003

السبت 20 جويلية 2019