مـن لـطـفـه بـعـبــاده

نعم الــــلـه كــثـيرة لا تـعـدّ ولا تحــصى تـــسـتــوجــــب شـكر المــنــعـم

من لطف الله بهذا العبد الضعيف أن أنعم عليه نعم لا تحصى في مجالات شتى، قال تعالى: {وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ}، وقال سبحانه: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ}، بل أنه سبحانه سخّر هذا الكون السفلي وما فيه من مخلوقات لتكون فداء لأغراض هذا الإنسان ليحقق الغاية من إيجاده في هذه الحياة، وهي الذل والخضوع والانقياد، فقد قال عز من قائل: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، وقال تعالى: {وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ}، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً}.
فالإنسان يصبح ويمسي فهو يَنعم بنعمه سبحانه: نعمة الهداية، وكمال العقل، ورغد في العيش، وأمن في الأوطان و.. قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «من أصبح منكم آمناً في سربه معافىً في جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا».
فلقمة العيش التي يَسد بها الإنسان رمقه من أعظم النعم التي مَنّ بها الرب على أهل مكة؛ قال سبحانه: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}.
ومن نعمه سبحانه على أهل هذه المنطقة توفر العيش من مأكل ومشرب، من قوت ومدخر، ما لذّ وطاب، من معروف وغير معروف، أصناف يعجز المرء عن حصرها وتعدادها، جُبيت من جميع أقطار الأرض التي حُرم كثير من أهل الأرض منها.
والواجب على العبد تجاه هذه النعم شكر المنعم سبحانه، فقال تعالى: {فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّبًا وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}، وقال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ }. وقطع سبحانه بالمزيد مع الشكر {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
والشكر ينتظم من علم وحال وعمل، فالعلم معرفة النعمة من المنعم، والحال هو الفرح الحاصل بإنعامه المتعلق باللسان بالتحميدات الدالة على شكره سبحانه، والعمل هو القيام بما هو مقصود المنعم ومحبوبه المتعلق بالجوارح باستعمال هذه النعم في طاعته، والتوقي من الاستعانة بها على معصيته.
فكل من عمل في نعمه سبحانه عملاً يخالف الغرضَ المقصود منها فقد كفر بهذه النعمة.
فالحفاظ على الأطعمة بأي شكل من أشكال الحفظ ؛ هو المتحتم من كل إنسان سيما المؤمن بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً يكون فيه شكر لهذه النعم، والعكس بالعكس، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}.
وأما الاستهانة في النعم ورميها مع النفايات غاية في الإسراف والتبذير، الذي هو سمة المتغطرسين، والمتكبرين ومن لا يقدر للأمور قدرها، قال الله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.
وأخبر سبحانه عن منزلة المبذر بقوله: {وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا}.
ونتيجة الإسراف والتبذير، والكفر بالنعم نتيجة سيئة للغاية: دمار وخراب، وتفرق وشتات، نحو ما ذكره الله عن قوم سبأ: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}.
والاستهانة بالنعم، ورميها مع النفايات طلقات من العيار الثقيل لكسر قلوب الفقراء والمساكين؛ فكيف هم لا يجدون ما يسدون به رمقهم، وهذه النعم ترمى مع النفايات، وما يرمى من بعض البيوت قد يكفي لعائلة كاملة من العوائل الفقيرة.
وبما أن الجميع متفقون على أن التساهل ببقايا الطعام، ورميها مع النفايات غير سائغ شرعاً، ولا عقلاً نجد نسبة كبيرة من المجتمع لا يُلقون لهذه النعم أي اهتمام، وتزيد هذه النسبة في مجتمع وتقل في مجتمع آخر، وأكثر ما تزيد في المدن الكبيرة والمتطورة، والأماكن التجارية التي تقدم للمجتمع الطعام؛ كالمطاعم، والوجبات السريعة و.. وأماكن المأوى والمبيت كالفنادق والشقق المفروشة.
وهذا التساهل نجده يقع وللأسف الشديد ممن عليهم سمات الخير والصلاح، وإنه ليحزنك حينما تأتي لأحد الصالحين في بيته تجد بقايا الطعام مع النفايات، حتى أن روائح الطعام تفوح من مكان النفايات، وعندها بعض الحيوانات قريبة من مكان النفايات.
وتواجد بعض الحيوانات داخل الأحياء تسرح وتمرح قريبة من المنازل ظاهرة غير حضارية، ولا صحية، وغير لائقة بالمجتمعات المتقدمة، وهذه من النتائج السلبية لرمي هذه الأطعمة مع النفايات.
وشكر النعمة، والحفاظ عليها مسؤولية الجميع كل بحسبه: فالأب داخل البيت، ومن تجارتهم قائمة على تقديم الطعام للناس، كالمطابخ، والمطاعم، والوجبات الخفيفة على نطاق متجرهم، وكذا أصحاب محلات الخضرة والفواكه.
وأصحاب الفنادق، والشقق المفروشة ليسو بمنأى عن مسؤولية ما يرمى مع نفايات منتجعاتهم من الأطعمة.
والقائمون على محاضن التربية والتعليم على كاهلهم مسؤولية عظيمة تجاه ما يرمى من الأطعمة من بعض المدارس؛ فإن هناك للأسف الشديد كثير من المدارس لا يهتمون بما يبقى من الطعام من الطلاب، فترمى مع النفايات.
فالأمانات والبلديات على قمة هرم المسؤولية فليأخذ هذا الموضوع حيزاً كبيراً من اهتماماتهم وشؤونهم ليجد حلولاً مجدية كغيره من الموضوعات الشائكة التي تمّ علاجها لما لقيت الصدق والجد، وعلاج ظاهرة رمي الأطعمة مع النفايات لن يجد صعوبة تذكر إذا صدق القائمون على الأمانات والبلديات في تلافي هذه الظاهرة، وهذا هو المؤمل منهم.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 17955

العدد 17955

الأربعاء 22 ماي 2019
العدد 17954

العدد 17954

الثلاثاء 21 ماي 2019
العدد 17953

العدد 17953

الإثنين 20 ماي 2019
العدد 17951

العدد 17951

الأحد 19 ماي 2019