مكانتها متميزة في ديننا الحنيف

المواطنـة فـي الإسلام بـــين الحقيقـة والخيال

من اتهامات بعض الكتاب والمثقفين في الغرب أو حتى من بعض الكتاب العلمانيين في بعض الدول العربية والإسلامية، أن الإسلام أغفل مفهوم المواطنة في الدولة التي أقامها، وكان فيها تمايز بين سكانها المسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات والمذاهب الأخرى، إذ حددت مفهومي المواطنة والهوية على أساس الانتماء للدين الإسلامي فقط.
 بذلك يتغافلون أو يغيبون حقائق التاريخ التي تدحض مصادره ووثائقه هذا الادعاء، وتؤكد على بطلانه، بل هي تشير إلى أن البناء الأول للدولة الإسلامية حين كانت في طورها الجنيني، قد تم تأسيسه على مفهوم المواطنة من خلال تحديد هوية الانتماء للدولة لجميع رعيتها من خلال تحديد الحقوق والواجبات.
ومن يراجع الوثائق التاريخية التي تتحدث عن تأسيس الدولة الإسلامية بعد انتقال الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة في العام الأول للهجرة 622، سيجد مفهوم المواطنة قد أرسي في المنطلقات الأساسية للدولة الإسلامية، والصحيفة تعتبر في نظر المؤرخين والباحثين والقانونيين من أهم وثائق التاريخ العربي الإسلامي، باعتبارها أول أشكال التنظيم السياسي والإداري والاجتماعي للدولة، أرست مفهوم المواطنة لرعايا الدولة دون النظر إلى الانتماء الديني والقبلي، من خلال طرحها لشعار المساواة في التكاليف الدنيوية تجاه الدولة لجميع رعاياها، ومن المعروف أن المساواة هي أولى مقدمات المواطنة المؤسسة على الحرية والديمقراطية في العرف الإنساني المعاصر.
وتأتي أهمية تلك الوثيقة بأنها حددت القوى والفعاليات الاجتماعية في المدينة المنورة على مختلف مكوناتها القبلية والدينية حقوقًا وواجبات تجاه هذه الدولة الوليدة، حيث حددت الصحيفة العلاقات بين السلطة وأفراد المجتمع داخل المدينة على تنوعاتهم الدينية والقبلية، ورسمت علاقات المجموعات مع مؤسسات الدولة الناشئة، وبينت الواجبات والحقوق لكافة أفراد الدولة (الأمة)، من خلال دستور مكتوب باسم الصحيفة، يرسِّخ مفهوم المواطنة في هذه الدولة.
وللدلالة على ما نقول، لنراجع بعض ما جاء في تلك الصحيفة الكريمة: جاء في النص الحرفي للصحيفة التالي (هذا كتاب من محمد رسول الله، بين المؤمنين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس). فأوردت الصحيفة كلمة (الأمة) للدلالة على أن جميع قاطني هذه الدولة هم أمة واحدة ضمن دولة واحدة، وما داموا أمة واحدة فهم متساوون في الانتماء لها دون تمييز.
النص واضح للمكونات الاجتماعية التي شملتها الصحيفة، وهم المهاجرون والأنصار، وهما مجموعتان آمنتا بالرسالة الإسلامية، أي التي تدين بالدين الإسلامي. أما ما جاء في النص: (من تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم)، فالذي اتبعهم ممن ما زال خارجًا عن الإسلام ولم يؤمن به بعد، أما من لحق بهم فهم اليهود.
إن المجموعة البشرية التي تكونت منها أمة هذه الدولة، هم المؤمنون المسلمون، فأعطتهم الصحيفة أعظم خصائص الانتماء للإسلام، الذي أسقط الانتماء إلى القبلية وتجاوزها إلى الإنسانية كاملة، وكان المنتمون إليه من قبائل عديدة كقريش أو الخزرج أو الأوس أو سليم أو غفار أو من بقيَّة القبائل، فكل مسلم من هؤلاء دخل في تشكيلة اجتماعية واحدة، أطلقت عليهم الصحيفة اسم (المؤمنين)، فتجاوزت في بُعدها الإنساني القبليَّة والعصبيَّة العرقية.
إلى جانبهم مجموعة اجتماعية أخرى وهم اليهود، ثم مجموعة ثالثة أخرى غير مسلمة ممن بقي على وثنيته، تلك كانت المجموعات البشرية الثلاث رعايا دولة المدينة، فأسمت الصحيفة تلك الكتلة الجماعية بالأمة، وأعطت الصحيفة كل أفرادها حقوق المواطنة في هذه الدولة، أي الانتماء للأمة، وليس الانتماء القبلي الذي كان يسود الجزيرة العربية ومعظم البلدان المحيطة بها في تلك الحقبة التاريخية.
كما وضعت الوثيقة الدستورية حقوقًا وواجبات للمواطنين في الدولة دون النظر إلى الانتماء الديني والقبلي، فجاء في الصحيفة (المهاجرون من قريش (والأنصار من بني عوف وبني الحارث وبني جشم وبني عمرو بن عوف وبني النبيت؛ أي كل قبيلة من تلك القبائل) على ربعتهم تفدي عانيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين)؛ أي يتعاونون في الحرب والسلام، بما يفرض على أي منهم من غرامات، سواء في القتل أو الأسر، ويتكافلون اجتماعيًّا بينهم، ونشر العدل والأمر بالمعروف في أوساطهم.
وللدلالة على المواطنة للجميع ذكر النص المساواة لرعاياها كافة على مختلف انتماءاتهم الدينية والقبلية، وقد جاء ذلك في نص الصحيفة: (وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم).
ونوّهت الصحيفة عن مسئولية الدولة والمجتمع تجاه الرعايا اجتماعيًّا، بحيث لا يتركون من ثقلت عليه الديون وكثر أفراد أسرته دون مساندة ومساعدة، فيقول النص: (وإن المؤمنين لا يتركون مفرَحًا بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل).
وأشارت الصحيفة إلى المساواة بين أفراد الدولة في السلم والحرب، كما تجري هذه المساواة على الحليف في الحرب، فأورد النص: (وإن سِلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا).
وحددت الوثيقة الدستورية لمواطنيها - على حد سواء - كيفية العلاقة مع القوى المعادية لها، فمنعت إقامة علاقات تجارية أو مالية أو خاصة مع هؤلاء الأعداء، حتى وإن كان الفرد في الدولة يتشارك معهم في الانتماء الديني كالشرك، فذكر النص: «وإنه لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن».وبيّنت الصحيفة صراحة مفهوم المواطنة في مواطنيها من أتباع الديانة اليهودية، حين حددت لهم واجبات وحقوقًا كما هي للمسلمين في حماية الدولة وأمنها، وهذا ما صرح به النص: (وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر، دون الإثم)، وتقول الصحيفة أيضًا: (وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
كما وضعت الصحيفة أسس الدولة الحديثة، والقواعد الديمقراطية للدولة الإسلامية، وفي مقدمتها المساواة بين جميع رعايا الدولة، وهذا أساس مفهوم المواطنة في النظم الديمقراطية، وأعطت المثال الحقيقي للحرية التي لا تزال الإنسانية تبحث عنها إلى يومنا هذا.
وهكذا أكدت الدولة الإسلامية في سنواتها الأولى أنها دولة الحق والعدل، بَنَتْ مؤسساتها التشريعية في أول نص تشريعي على مبدأ المواطنة لرعاياها كافة، في الانتماء والهوية، وحققت لهم العدل والمساواة، وإلا لماذا يدفع أحدهم بنفسه وروحه وماله دفاعًا عنها، وهو في موقعة أحد غير ملزم بذلك؟!
سؤال نطرحه لمن يدَّعِي من كُتَّاب الغرب والشرق أو حتى من العرب ممن يحملون الهوية الإسلامية من العلمانيين وأعداء الإسلاميين بالافتراء على ديمقراطية الإسلام وأسبقيته في إرساء المواطنة العادلة في دولته.

 

رأيك في الموضوع

أرشيف النسخة الورقية

العدد 18006

العدد 18006

الثلاثاء 23 جويلية 2019
العدد 18005

العدد 18005

الإثنين 22 جويلية 2019
العدد 18004

العدد 18004

الأحد 21 جويلية 2019
العدد 18003

العدد 18003

السبت 20 جويلية 2019